سكان قرية بدرس خلال مظاهراتهم السلمية عام 2004 (الفرنسية)

أورد الكاتب في صحيفة واشنطن بوست ريتشارد كوهين قصة الفيلم الوثائقي "بدرس" الذي يحكي قصة قرية فلسطينية بنفس الاسم أجبرت الإسرائيليين بالمقاومة السلمية على تغيير مسار الجدار العازل, متمكنين بذلك من الحفاظ على جل بساتينهم وعلى مدرستهم الابتدائية, مشيرا إلى أهمية اللاعنف في مقاومة الاحتلال, ومحذرا القادة الإسرائيليين من التمادي في سياستهم الاستيطانية, ومن بين ما قاله:

بدرس قرية فلسطينية داخل الضفة الغربية, وهي كذلك فيلم وثائقي يحكي ما حدث عندما حاولت السلطات الإسرائيلية استخدام تلك الأرض وما بها من بساتين زيتون عزيزة على ساكنيها لبناء جدار أمني يفصل بين العرب واليهود, فقد تصدى سكان القرية للإسرائيليين، ولم تستطع إسرائيل كسر عزيمتهم، إلى أن توصل الطرفان إلى اتفاق يبدو على الورق حلا وسطا، وفي الفيلم هزيمة إسرائيلية نكراء.

لكنني يمكن أن أوصي بمشاهدة مثل هذا الفيلم إذ يخرج عن إطار تلك الأفلام التي تقتصر على الحاضر وتتجاهل الماضي, فالجدار الإسرائيلي غالبا ما ينظر إليه على أنه نتاج مقيت لعقلية أو سياسة فصل عنصري.

أما فيلم بدرس فإنه يرى هذا الجدار بوصفه ضرورة, وهو بذلك لا يختلف عن الجدار بين أميركا والمكسيك, وهو ما يسلم به حتى الفلسطينيون أنفسهم.

فهذا الفيلم يضفي وجها إنسانيا على الإسرائيليين والفلسطينيين, إذ رغم أن الفسطينيين عانوا الأمرين فإنهم الآن يواجهون محاولة مصادرة أرضهم لأسباب لا يستطيعون فهمها, ويقوم عايد مرار -وهو أحد سكان القرية- بتنظيم مظاهرات سلمية لا رمي فيها للحجارة, يشارك فيه كل سكان القرية حتى النساء, وقد أربك هذا التكتيك الإسرائيليين.

وما هي إلا فترة وجيزة حتى بدأ سكان القرية يستقطبون ناشطي السلام من الشبان الإسرائيليين, مما جعل الجيش الإسرائيلي يجد نفسه وجها لوجه مع مواطنيه, فالفلسطينيون هنا مثلوا الجانب المتحضر تماما كناشطي السلام الإسرائيليين.

لقد كنا دائما نتساءل -ونحن نتابع محاولة إسرائيل السيطرة على الضفة الغربية- عن السبب الذي جعل الفلسطينيين لا يجربون المقاومة السلمية كما فعل مهاتما غاندي ومارتن لوثر كينغ, "خاصة أن إسرائيل هشة كبريطانيا وأميركا لأن لها ضميرا".

وفي النهاية اضطر الإسرائيليون إلى تحويل مسار الجدار، وإلى القبول بحل وسط يبقي جل بساتين الزيتون خارجه ويتحاشى ضم مدرسة ابتدائية إلى داخله, وقد تعاون في إنجاز ذلك عناصر من حماس وفتح ومن ناشطي السلام الإسرائيليين, مما مثل لحظة تلاحم حقيقي من أجل السلام.

ولا شك في أن بدرس الفيلم وبدرس القرية يرمزان للسبب الذي جعل الكثيرين اليوم يتساءلون عن سبب استمرار واشنطن في دعم إسرائيل, فلو وضعنا جانبا ذلك الجندي الذي لم يتدخل لقمع المحتجين وأولئك الناشطين من أجل السلام وما تمخض عن ذلك من تسوية, فإن المشهد المروع للرافعات وهي تقتلع أشجار الزيتون وترمي بها أرضا يدمي القلب.

وعلى القادة الإسرائيليين الحاليين المصرين على توسيع المستوطنات والاحتفاظ بالضفة الغربية، أن يشاهدوا فيلم بدرس في إحدى قاعات العرض, ولا شك في أنهم لن يحبوا هذا الفيلم، غير أن مقتهم لردة فعل جمهور مشاهديه سيكون أعظم.

المصدر : واشنطن بوست