متلازمة كارتر
آخر تحديث: 2010/2/22 الساعة 00:37 (مكة المكرمة) الموافق 1431/3/9 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2010/2/22 الساعة 00:37 (مكة المكرمة) الموافق 1431/3/9 هـ

متلازمة كارتر

الكاتب اعتبر مداولات أوباما الطويلة بشأن أفغانستان حالة انفصام رئاسي (رويترز)

بقلم: والتر راسل
ترجمة: إلياس تملالي
 
باراك أوباما ليس واقعيا باردا ولا مثاليا ينزف قلبه عندما يتعلق الأمر بالسياسة الخارجية. والأفكار التي تحكمه في هذا المجال تضرب بجذورها في التقاليد السياسية الأميركية، مع فارق واحد هو أن هذه الأفكار خدمت البلاد بصورة جيدة في الماضي، أما الآن فإن النزعات المتضاربة التي تؤثر في تفكير هذا القائد الشاب في نظرته إلى العالم ربما مزقت رئاسته إربا إربا، وفي أسوأ الأحوال حولته إلى جيمي كارتر جديد.

إن مداولاته الطويلة في شأن حرب أفغانستان حالة من حالات الانفصام الرئاسي جديرة بالدراسة، فبعد 94 يوما من المداولات قرر أن يقسم الخلاف قِسمة عادلة: زج بقوات إضافية كما أراد الجنرالات، ودعا إلى أن تبدأ مغادرة القوات في يوليو/تموز 2011 كما تريد قاعدته الليبرالية.

لكن شراع أوباما لا يواجه فقط رياحا سياسية قوية، بل يجد نفسه ممزقا بين مدرستين من مدارس التفكير الكبرى، حكمت السياسة الخارجية الأميركية منذ العصور الاستعمارية.
 
نظر الرؤساء الأميركيون عموما إلى العالم بعيون أربعة عمالقة: ألكساندر هاملتون، وودرو ويلسون، وتوماس جيفرسون، وأندرو جاكسون.
 
يرى الهاملتونيون أن على الحكومة الوطنية القوية والجيش القوي أن يتبعا سياسة دولية واقعية، وأن على الحكومة أن ترتقي بالنمو الاقتصادي ومصالح دوائر الأعمال في الداخل والخارج.
 
يوافق الويلسونيون الرأي الهاملتوني القائل بالحاجة إلى سياسة خارجية شاملة، لكنهم يرون أن الرقي بالديمقراطية وحقوق الإنسان يجب أن يكون جوهر الإستراتيجية الأميركية الشاملة.

ينأى الجيفرسونيون بأنفسهم عن هذا الإجماع في النظرة إلى العالم، ويريدون لبلادهم أن تقلل التزاماتها إلى أكبر قدر ممكن وتفكك الدولة الوطنية الأمنية.
أما الجاكسونيون فيرتابون في كل المدارس الثلاث السالفة الذكر؛ في صلات الهاملتونيين بدوائر الأعمال، وفي مثالية الويلسونيين الساذجة، وفي ضعف الجيفرسونيين.
 
جورج دبليو بوش (رويترز)
الجمهوريون المعتدلون
ينزع الجمهوريون المعتدلون إلى أن يكونوا هاملتونيين، وستجد الجاكسونيين في الجناح الذي تمثله سارة بالين في هذا الحزب، فيما يميل الديمقراطيون الوسطيون إلى أن يكونوا ويلسونيين من أنصار سياسة التدخل، أما من هم في يسار الحزب وفي جناحه الحمائمي فجيفرسونيون أكثر وأكثر، يعنيهم الرقي بالديمقراطية في أميركا أكثر ما يعنيهم تصديرها.
 
بعض الرؤساء بنوا تحالفات بين أتباع المدارس المختلفة، فقد مزجت إدارة بيل كلينتون في تسعينيات القرن الماضي بين المدرستين الهاملتونية والويلسونية، وعندما تصادمت أيدولوجيتاهما، دخلت أفكار هاتين المدرستين في صراع داخلي في إدارته، تجسد مثلا في الموقف من التدخل الإنساني في البلقان ورواندا ومن الأهمية التي يجب أن تعطى لحقوق الإنسان والتجارة من عدمها في العلاقات مع الصين.

كذلك حاول جورج بوش الابن المزاوجة بين الجاكسونية والويلسونية، لكن فشل ذلك وفّر الأجواء التي جعلت انتخاب أوباما ممكنا. فقد كانت هجمات 2001 لحظة مثيرة استيقظت عندها أميركا الجاكسونية لتركز انتباهها على الساحة الدولية، وكانت مواقف الجاكسونيين من الحرب تشكلها أجيال من النزاعات مع السكان الأصليين في أميركا، وقبلها قرون من الحروب الحدودية مع إنجلترا وأسكتلندا وإيرلندا، هؤلاء الجاكسونيون يرون العدو "الشريف" وحده جديرا بحرب عادلة، أما غيره فلا تهم في قتاله التقنياتُ النظيفة. 
 
لكن رد فعل بوش الجاكسوني على الهجمات سرعان ما تبعه تدخل في العراق بدا ويلسونيا. فقد كانت حججه في الإطاحة بصدام تستند إلى تهمتين تلقى صدى قويا لدى الجاكسونيين: أسلحة دمار شامل قيل إن صدام يطورها وصلات وثيقة بالقاعدة. ثم طالت الحرب ولم يثبت لا وجود أسلحة الدمار ولا الصلات بالقاعدة، وانتقل حينها بوش إلى حجة ويلسونية: لم تعد حرب دفاع في وجه خطر داهم أو حربا انتقامية، بل حربا من أجل الديمقراطية في العراق ثم في المنطقة كلها.

لكن تلك هي الإستراتيجية التي قوضت دعمه السياسي في أميركا، فالجاكسونيون لا يحبذون تاريخيا الانطلاق في مغامرات خطرة لنشر الديمقراطية في الخارج، وقد عارضوا عموما التدخل الإنساني في الصومال والبوسنة وهايتي في سنوات بيل كلينتون، لأن شباب أميركا يجب ألا يموت وأموال الأميركيين يجب ألا تنفق لنشر الديمقراطية وحقوق الإنسان في الخارج.
 
لكنهم أيضا كانوا يعارضون خيارات الانسحاب المهزوم التي طرحت لإنهاء حرب العراق. هم لا يحبون الحرب من أجل الديمقراطية لكنهم لا يريدون أن يروا بلادهم تخسر إذا تعلق الأمر بجيشهم وبشرف بلادهم.
 
استطاع أوباما أن يجمع عناصر قاعدة الحزب الديمقراطي الأكثر معارضة لسياسات بوش، وجعل معارضة حرب العراق محورية في حملته الانتخابية، واستلهم حججا قديمة تضرب بجذورها في الحركات الأميركية المعارضة للحرب بما فيها الحرب المكسيكية الأميركية.
 
جيمي كارتر (الفرنسية)
أوباما وكارتر
مثله مثل كارتر ينتمي أوباما إلى الجناح الجيفرسوني العتيق في الحزب الديمقراطي، وهو جناح هدفه الإستراتيجي تقليل نفقات أميركا والمخاطر التي تقدم عليها بتقليل التزاماتها، ويؤمن بأن أفضل طريقة لنشر الديمقراطية هي إعطاء المثل في الداخل، وبأن أفضل طريقة لنشر السلم هي الاعتدال في الخارج.
بل إن جيفرسونيين كأوباما يرون أن الالتزامات المفرطة في الخارج تقوض الديمقراطية في الداخل، فالميزانيات العسكرية الكبرى تذهب بموارد يفترض أن ترصد لسد حاجات داخلية ماسة، ويرون أن الارتباط بأنظمة مستبدة يدخل البلاد في تحالفات قذرة. كما يرون أن تضخم الدولة الوطنية الأمنية يهدد الحريات ويقوي شوكة اللوبيات التي تؤيد التدخل والحروب داخل شركات كبرى تعيش على ميزانيات دفاع متضخمة. 
حاول أوباما بداية جعل أميركا أكثر أمانا بتقليل التزاماتها وتلطيف مظاهر السياسة الأميركية في الشرق الأوسط التي تسبب العداء والشك في المنطقة كدعم إسرائيل مثلا.

فهو يريد سحب القوة الأميركية من الحدود مع روسيا لتقليص خطر اندلاع نزاع معها، ويحاول في أميركا اللاتينية تطبيع العلاقات مع كوبا وتفادي الصدام مع فنزويلا والإكوادور وبوليفيا، إنه يريد عالما هادئا ليركز على الداخل ويستطيع تفكيك دولة أمنية وطنية وُرِثت من الحرب البارد، وأُعطيت زخما جديدا بعد هجمات 2001.
إنه يفضل ترتيبات تقوم على توازن إقليمي للقوى بدل التزامات عسكرية أميركية كبرى وأحادية. إنه يريد عالما تتقاسم فيه الأعباء وتكون القوة الأميركية فيه سمة أقل بروزا في الساحة الدولية.

يرى الويلسونيون أن لا استقرار دائما في عالم تملؤه الدكتاتوريات، لكن الجيفرسونيين كأوباما يرون أن الأنظمة السيئة يمكنها أن تكون رعايا في المجموعة الدولية وتحترم القوانين إذا عُرِضت المحفزات بصورة جيدة. وهكذا فإن سوريا وإيران مثلا لا تحتاجان إلى أن تتحولا إلى دولتين ديمقراطيتين لتتوصل أميركا إلى ترتيبات معهما على المدى الطويل مفيدة للجانبين.
 
هنري كيسنجر (الفرنسية)
أوباما ونيكسون وكيسنجر
هنا تشبه سياسة أوباما الخارجية سياسة ريتشارد نيكسون وهنري كيسنجر، فهو في أفغانستان والعراق يريد إخراج الجيش الأميركي من حروب مكلفة باعتماد المرادف المعاصر لسياسة "الفتنمة" التي اعتمدها نيكسون، وهو ينفتح على إيران كما تقارب نيكسون مع الصين. وكما بنى نيكسون شراكة بناءة مع الصين رغم ممارسات حرسها القديم داخليا، لا يرى أوباما أن النزاع الأيدولوجي يقود ضرورة إلى علاقات إستراتيجية سيئة مع الجمهورية الإسلامية.
 
حاول نيكسون وكيسنجر إلهاء أنظار العالم عن انسحابهما من الهند الصينية بدبلوماسية نشطة جعلت واشنطن في قلب السياسة العالمية حتى وهي تقلص تمظهرات قوتها، كذلك تحاول إدارة أوباما استغلال شعبيته العالمية للتغطية على الانسحاب الإستراتيجي من الموقع المكشوف الذي ورثه عن بوش في الشرق الأوسط.
 
لكن كما بدأ أوباما يكتشف من الآن، فإن أي رئيس يحاول تجريب هذه الإستراتيجية الكبيرة في القرن الـ21 يواجه تحديات عديدة.
 
في عز السياسة الخارجية الجيفرنسونية في القرن الـ19، كان أسهل على الرؤساء الحد من الالتزامات الأميركية، فقد لعبت بريطانيا دورا دوليا يشبه الدور الأميركي الآن، ووفرت جوا أمنيا مستقرا وطورت التجارة العالمية والاستثمار، وكان بوسع أميركا أن تبحر في هذا العالم البريطاني، وتحصد فوائد النظام العالمي الذي أرسته بريطانيا دون أن تدفع الأتعاب.
 
ريتشارد نيكسون (الفرنسية)
أميركا وبريطانيا

لكن مع أفول القوة البريطانية في القرن الـ20، واجه الأميركيون خيارات صارمة، وكان عليهم الاختيار بين تعويض بريطانيا كمحور للنظام العالمي بكل الصداع الذي يعنيه ذلك، أو شق طريقهم في عالم تسوده الفوضى.
 
جرب الأميركيون هذا الطريق في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، لكن سلسلة كوارث من الكساد الكبير والحرب العالمية الثانية، أقنعت كل أصحاب القرار بأن الطريق الأول -على خطورته وثمنه الباهظ- هو أخف الشرين.
 
وفعلا اتبعت الولايات المتحدة خلال الولايتين الأولييْن لروزفلت سياسات جيفرسونية بالأساس في أوروبا وآسيا وتفادت المواجهة مع ألمانيا واليابان، لكن النتيجة كانت الحربَ الأكثر دموية في التاريخ، ومنذ ذلك الحين أصبح عليها أن تقبل بتحمل طيْف واسع من الالتزامات السياسية والاقتصادية والعسكرية المتشابكة ربطتها بدورها في مرحلة ما بعد الحرب، وقد حاولت الغريزة الجيفرسونية تشذيب هذه الالتزامات لكن لم يكن سهلا معرفة أين يجب أن يمضي المقص.
 
يفسر الويلسونيون ضبط النفس الجيفرسوني بأنه جبن أخلاقي، ويتساءلون: لمَ رفض أوباما لقاء الدلاي لاما في طريقه إلى الصين لتملق دكتاتورييها؟ إنه الجبن بكلمة واحدة، يقول أيضا الجاكسونيون الذين يتساءلون لمَ لمْ تواجه إيران؟
 
يوافق الهاملتونيون الجيفرسونيين سياستهم في ضبط النفس في بعض المواضيع –فهم يرفضون احتلال دارفور أيضا- لكنهم عاجلا أم آجلا يعيبون عليهم فشلهم في تطوير وإبراز قوة أميركية كافية في عالم خطر.
 
مشكلة الرؤساء الجيفرسونيين
بالنسبة لرئيس جيفرسوني، الحرب مسألة خطرة وطريق غير مرغوب فيها لذا يجب عدم دخولها إلا بحذر وبعد مداولات طويلة. أما الهاملتونيون فيعنيهم أكثر تنفيذ القرار بسرعة وأن يخفوا عن الآخرين أي انقسامات بين من يُستشارون في القرار.
 
لكن أوباما وجد منتقدين على كل الجبهات: الويلسونيون مذعورون لرغبة الرئيس الواضحة في التخلي عن حقوق الإنسان أو الأهداف السياسية في تسوية الحروب. الجاكسونيون لم يجدوا إلا الجبن أو "التردد القلق" تفسيرا لتلكئه في دعم توصيات محترفي الجيش. أما الأكثر صفائية من الجيفرسونيين الانعزاليين الجدد فوصفوا أوباما بالخائن.
 
هذه الهجمات من كل الجهات حدثت كثيرا في السابق، فسياسة الانفراج التي انتهجها كيسنجر هُوجمت يمينا على أيدي الجمهوريين المحافظين الذين أرادوا موقفا أقوى ضد الشيوعية، ويسارا على أيدي الديمقراطيين أنصار حقوق الإنسان الذين كانوا يكرهون التحالفات الإقليمية الوقحة التي تنطوي عليها عقيدة نيكسون (مع شاه إيران مثلا).
 
كذلك واجه كارتر كثيرا من المشاكل المشابهة وصورة الشخص الضعيف المتردد التي قوّضت مسعاه للفوز بولاية ثانية في 1980، مشكلة أبدية تلاحق الرؤساء الجيفرسونيين، على أوباما أن يقفز فوق كل هذه العقبات.
 
الكاتب تساءل عما إذا كان شافيز سيتأثر بسياسة ضبط النفس التي يمارسها أوباما  (رويترز)
هوغو شافيز

ليس الأميركيون وحدهم من يتحدون السياسة الخارجية الأميركية الجديدة. هل سترد روسيا وإيران على مقاربة أوباما التصالحية بتنازلات مماثلة، أم سيمضون شاقين طريقهم إلى الأمام يشجعهم ما يقرؤونه كضعف أميركي أو قوة تترنح؟
 
هل تفتح سياسة اليد الممدودة إلى الأغلبية المعتدلة في العالم الإسلامي عهدا جديدا من التفاهم، أم أن الأقلية العنيفة ستشن هجمات جديدة تقوض موقف الرئيس في بلاده؟
 
هل يستطيع الرئيس تنفيذ خفض منظم للرهان العسكري الأميركي في العراق وأفغانستان دون أن يسمح للقوى المعادية بملء الفراغ؟ وهل سيتأثر الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز بسياسة ضبط النفس التي تمارسها إدارة أوباما فيعتدل في نهجه ويتوقف عن جعل معارضته للولايات المتحدة عمادا من أعمدة سياسته الداخلية والخارجية؟
 
إن سياسة جيفرسونية قوامها ضبط النفس والانكفاء تحتاج تعاون دول عديدة أخرى، لكن تمظهُرا أميركيا أقل سيجعل الآخرين أقل استعدادا، لا أكثر استعدادا، لمساعدة الولايات المتحدة.
 
هناك مشكل سياسي آخر يواجه أوباما ويتقاسمه مع كارتر، فلدى كليهما كان الأساس الجيفرسوني يوازنه جزئيا انجذاب شديد للقيم الويلسونية المثالية، وموقع كل منهما كرئيس للحزب الديمقراطي مع خط ويلسوني مميز.
 
إن جيفرسونيا أصيلا يريد أن يحتفظ بالخصوصية اللامعة لتجربة ديمقراطية أميركية يراها متجذرة في التاريخ والثقافة الأميركيتين، وليستا بالتالي سهلة للتصدير.
 
بالنسبة لأوباما يتعلق الأمر هنا برؤية ضيقة الأفق، فمثل أبراهام لينكولن وودرو ويلسون ومارتن لوثر كينغ، لا يحب أوباما أميركا لما هي عليه، لكن لما يجب أن تكون عليه وما تستطيعه. له أن يصدِّق مع من قال في حفل تنصيبه "إننا نرى من الخطأ تخييرنا بين أمننا وبين مثلنا".
 
 لكنه كأي رئيس عليه تحديدا القيام بهذه المقايضات. لمَ إذن رفضه لقاء الدلاي لاما؟ لمَ تعهده بدعم نظام كرزاي؟ ألم تجدد إدارته محاولاتها لبناء شراكة مع النظام الإيراني حتى عندما كان المحتجون الديمقراطيون يعذبون ويغتصبون؟
 
إذا كان على الحكومة استعمال القوة والموارد لمساعدة الفقراء وضحايا الظلم في الداخل، ألا يجدر بها فعل الشيء نفسه عندما يواجه الناس في الخارج الظلم البين والأخطار المحدقة؟
 
من المرجح أن يلاحق هذا التناقض بين الواقعية الجيفرسونية الرصينة ومحدودة الأفق في نظرتها إلى العالم، وبين الأجندة الويلسونية التمددية، هذه الإدارة كما لاحق إدارة كارتر وبصورة حاسمة عندما رفض دعوة الداعين إلى أن يُسمَح لشاه إيران بأن يضرب بيد من حديد ليبقى في السلطة.
 
معتقلون في غوانتانامو (الفرنسية)
غوانتانامو

لقد بدأ الويلسونيون في معسكر أوباما يدمدمون متذمرين من فشله في إغلاق غوانتانامو بسرعة ومن شغفه بالسرية في تسيير شؤون الحكم، ومن تأييده الفاتر لفتح تحقيق في الانتهاكات التي مورست خلال التحقيقات الأمنية في الإدارة الماضية.
 
سيزيد التذمر بمرور الوقت وسيواجهه التاريخ بمزيد من التحديات والفخاخ: ألن يواجه وخز الضمير إذا فشل في منع حلقة جديدة من الإبادة في البحيرات الكبرى في أفريقيا؟ هل يستطيع شن حرب إنسانية إذا فشلت كل الخيارات الأخرى؟ أقادر هو على اتخاذ هذه القرارات الصعبة بسرعة وبثقة عندما يكون أقرب مستشاريه وقاعدته السياسية منقسمين بعمق وبصورة ميؤوس منها؟.
 
لقد ساعد انشغال الجيفرسونيين في الماضي بتسيير السياسة الخارجية الأميركية بأقل قدر من الأخطار الرؤساء في تطوير إستراتيجيات عظيمة، كفكرة الاحتواء التي طورها جورج كينان مع بداية الحرب الباردة، إذا نجح أوباما، فسيكون لإعادة هيكلته للسياسة الخارجية من التأثير ما لهذه الخطط الإستراتيجية الكلاسيكية.
 
لكن التأثير الجيفرسوني في السياسة الخارجية الأميركية تراجع في العقود الأخيرة. الأميركيون الآن يرون المشاكل في كل مكان من العالم، وهم كثيرا ما يرون الرد الجيفرسوني خاملا.
 
الشكل المتواضع من الاحتواء الذي حاول كينان تطبيقه سريعا ما حلت محله المقاربة العسكرية القوية التي تبناها دين آشيسون في الرد على الضغط السوفياتي، وسياسة الانفراج التي تبناها نيكسون وكيسنجر طلّقها الحزبان الجمهوري والديمقراطي على السواء.
 
لقد جاء كارتر إلى البيت الأبيض وهو يأمل إنهاء الحرب الباردة، لكنه كان مع نهاية ولايته يدعم المقاومة ضد السوفيات في أفغانستان، ويرفع الميزانية العسكرية ويؤسس لدعائم تواجد عسكري متمدد في الشرق الأوسط.
 
أسئلة جديدة
في هذا القرن الـ21 تواجه الرؤساء الأميركيين أسئلة جديدة، وطبيعة النظام الدولي ومكان الولايات المتحدة فيه يجب أن يعاد التفكير فيها في ضوء بروز قوى جديد وأفول أخرى قديمة وفي ضوء تحول الاهتمام من الأطلسي إلى المحيط الهادئ.
 
بكثير من الوقار والشجاعة بدأ أوباما رحلة صعبة يحفها الشك. وأخشى القول إن الاحتمالات ليست في صالحه، وليس واضحا بعد أن قدراسته الحسدية ومواهبه ترقى إلى مستوى المشاريع العظيمة التي أنتجها رجال مثل جون كوينسي آدامز وهنري كيسنجر، لكن الأكيد أن السياسة الخارجية الأميركية تحتاج إلى مراجعة كبيرة.

في أفضل أحوالهم يوفر الجيفرسونيون عنصر حذر وضبطِ نفس للسياسة الخارجية الأميركية، بما يُتَفادى معه ما يسميه المؤرخ بول كينيدي "التمدد الإمبريالي المفرط"، وذلك بأن يُضمن أن أهداف أميركا تتناسب مع وسائلها. إننا نحتاج هذه الرؤية الآن أكثر من أي وقت مضى.
 
إذا غرقت السياسة الخارجية لأوباما –سواء بسبب أفغانستان أو بسبب نزاعات غير مرئية بعد- في أجواء التنافر والانتكاسات التي طبعت في النهاية مقاربة كارتر الطيبة لكن المعيبة، فسيصعب أكثر على الرؤساء القادمين أن يمخروا بسفينة بلادهم، بتبصُّر وحذر، بحار المستقبل الهوجاء.
المصدر : فورين بوليسي

التعليقات