مقاهي بغداد هجرها روادها بعد أن عمروها (الفرنسية-أرشيف)

من القابض على ليل بغداد؟
فما إن عاد لمقاهي المدينة وحدائقها العامة سُمَّارها مع انحسار العنف في العراق ليقضوا ساعات الليل في احتساء أقداح من الشاي وتدخين النارجيلة، حتى أنشب العنف أظافره من جديد في ليل العاصمة بموجة من الهجمات الانتحارية مؤخرا.

فكان أن نسف "المتمردون" المطاعم والمقاهي والساحات العامة والمحال التجارية في محاولة متعمدة، حسب ما يرى العديد من العراقيين، لإرغامهم على البقاء داخل منازلهم كلما أرخى الليل سدوله.

ومعها بدأت رحى صراع جديد يدور من أجل أن تستعيد بغداد سحر حياتها الليلية، التي تستحث العراقيين لإعمال إرادتهم للتنزه في شوارعها وتحدي رغبة "المتمردين" الذين ما برحوا يستخدمون السيارات المفخخة، والأحزمة الناسفة، والأسلحة الآلية حيثما حلُّوا.

وفي مساء الخميس الماضي -أي بعد يومين فقط من الهجمات الانتحارية الأخيرة- اكتظت أرصفة الشوارع في حي الكرَّادة بالمتسوقين حيث ظلوا يحدقون عبر النوافذ الزجاجية البرَّاقة في محال الأثاث والعطور.

وتحلَّق الرجال حول شوايات السمك المسقوف –وخصوصا الشبُّوط، وهو نوع من السمك المفضل لدى العراقيين- بينما حرصت النسوة على إبعاد أطفالهن عن محال بيع الأقراص الرقمية المقلَّدة.

ورغم اكتظاظ الأرصفة بالمارة في تلك الليلة، فإن قلة منهم هي التي توقفت هنيهة لتتطلع في ما حولها.

أما المقاهي التي يتجمع فيها عادة الرجال للتدخين والثرثرة في شجون السياسة العراقية "العقيمة"، فقد هجرها روادها.

وخلت المناضد في المطاعم المطلة على الشارع من زبائنها، ولم يجد الندل "المتبرمون" بداً من إسناد ظهورهم إلى الجدران أو الانشغال بإعادة رص أدوات المائدة.

وإذا أنس البعض المغامرة بالخروج من منازلهم فإنهم يحرصون على تجنب الاختلاط بجموع الناس –كما يقولون- ويدأبون على إرسال رسائل نصية عبر هواتفهم الجوالة لطمأنة أفراد عائلاتهم الذين يعيشون على أعصابهم لحين عودتهم.

لقد كان الأسبوع المنصرم دموياً حيث لقي قرابة ستين شخصا مصارعهم مساء الأحد أثناء حصارهم داخل إحدى الكنائس الكاثوليكية الآشورية. وبعد يومين من ذلك، أحدث 16 انفجارا خرابا في عدد من أحياء المدينة.

وقال أحد التجار إن مبيعاته انخفضت بنسبة 75% في الأيام القليلة الماضية، مشيرا إلى أنه يخشى أن يُقتل أثناء مروره على فرعي محله اللذين يبعدان مسافة عشرين دقيقة تقريبا عن حي الكرَّادة الذي يتمتع باستقرار نسبي.

المصدر : نيويورك تايمز