أوباما أعلن مسؤوليته عن الهزيمة أمام الجمهوريين بالانتخابات النصفية (رويترز-أرشيف)

يتناول الكاتب الإسرائيلي ألوف بن في مقال بصحيفة هآرتس الإسرائيلية أسباب تراجع شعبية الرئيس الأميركي باراك أوباما، وتوقع أن يخوض أوباما حربا على إيران لإنقاذ شعبيته، موضحا أن الحروب هي الحل دائما للمشاكل الكبيرة في الولايات المتحدة.

ويوضح بن أنه إذا ما أنصت أوباما للتحليل القائل بكون الحرب هي الحل للأزمة الاقتصادية فستنشأ ظروف لما وصفها بصفقة تاريخية بين الولايات المتحدة وإسرائيل تتمثل في إحباط التهديد الإيراني، مقابل استقلال للفلسطينيين وتفكيك المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية.

ويعرض الكاتب تخلي إسرائيل عن مستوطنة "إيتمار" الموجودة في الأراضي الفلسطينية مقابل تدمير منشأة "نطنز" النووية الإيرانية، وغيرها من عروض المقايضة.

ويقول إن أوباما فشل لأنه لم يحافظ على علامته التجارية السياسية، فالسياسيون مثل المنتجات الاستهلاكية والسيارات والأفكار يمتحنون بمسألة "ماذا أنت؟" وليس "من أنت؟"، وبقدر ما تكون هويتهم أكثر وضوحا يكون نجاحهم مضمونا لزمن طويل، وبقدر ما يتعرض جوهرهم للتشويش يفقدون الأصوات وأجزاء من السوق.


"
أوباما فقد هويته منذ اللحظة التي صعد فيها صعد فيها إلى الحكم، وسرعان ما أصبح سياسيا آخر من السياسيين الصغار الذين تجاوزهم في الطريق إلى الأعلى
"
فقدان الهوية
فمنذ لحظة صعوده إلى الحكم، فقد أوباما هويته وأصبح سياسيا آخر من السياسيين الصغار الذين تجاوزهم في طريقه إلى الأعلى، ربما لأن انضباط الحملة أصبح ضعيفا، أو لأن أمله خاب بعد اكتشافه أن قدرة محدودة، أو لأن الواقع يصعّب عليه الإيفاء بوعوده مثل إغلاق معتقل غوانتانامو وإنهاء "صدام الحضارات" بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي، رغم أن إصلاحاته الصحية أقرها الكونغرس، ولكن فقط بعدما أصبحت جملة بيرقراطية متعددة البنود والأنظمة، والنتيجة كانت أن أوباما فقد الرسالة ولم يجد لها بديلا.

وهكذا انتقل تعريف العلامة التجارية "أوباما" إلى خصومه من حركة "حفلة الشاي" الذين عارضوه واعتبروه وحشا، حيث وصفوه بأنه مشكوك في أميركيته وأنه مسلم متخف وشيوعي متطرف يريد أن يضعضع النظام الاجتماعي ويحطم المؤسسة الأخلاقية الأميركية. والبعد العنصري في الحملة ضد أوباما عزز رسالة المعارضة التي تقول إنها تكافح في سبيل البيت لإنقاذه من الغازي الأجنبي، وفي ظل هذه الراية التي ترفعها المعارضة فمن السهل تجنيد المؤيدين.

ويمضي الكاتب يقول إن إبداع "حفلة الشاي" كان في توجيه رسالة أوباما ضده، وهو أخطأ في الاستخفاف بالعدو ولم يقدم رسالة مضادة، بل تمترس عبر إقناع ذاته بأن سياسته صحيحة وأن الآخرين لا يفهمونه. وحتى في خطاب الهزيمة الذي أعلن فيه تحمله المسؤولية عن هزيمة الديمقراطيين في الانتخابات النصفية، أصر أوباما على أن قراراته كانت صحيحة، ولكن الناخبين خاب أملهم من النتائج الاقتصادية.. وحسب نهجه فإنه هو المحق والاقتصاد هو المذنب.

وأما السوق السياسية فشخصت بسرعة الفارق بين المرشح المثير للحماسة والرئيس المخيب للآمال، فالرسوم البيانية التي تتابع الرئاسة يوميا وينشرها معهد الاستطلاعات "رسموسان" تبدو كالمنزلقات في حديقة الترفيه للأطفال. ومنذ مارس/آذار الماضي، نجح أوباما في إيقاف الهبوط، ولكنه بقي عالقا تحت الـ50% في شعبيته، ومع فارق 16% لصالح من خاب أملهم فيه.


هبوط السهم
"نظرية السوق الناجعة" في الاقتصاد تقوم على جمع المعلومات التي بحوزة المشترين والبائعين، حيث بمجرد التوقع أن الشركة ستسجل خسائر فإن السهم سيهبط حتى قبل أن تنشر التقارير المالية. وهذا صحيح في السياسة أيضا، ويشرح ضعف أوباما في الشرق الأوسط، فالإسرائيليون والفلسطينيون الذين كانوا قبل بضعة أسابيع يخافون من كلمة تصدر عن أوباما، فقدوا الخوف من هيبته في اللحظة التي استوعبوا الهزيمة المتوقعة لحزبه في انتخابات التجديد النصفي، فنتنياهو رفض تمديد تجميد المستوطنات وعباس أوقف محادثات السلام، وعاد كلاهما إلى مواقفه الأولى التي تخلى عنها سابقا تحت ضغط من أوباما.


ويقول الكاتب الإسرائيلي إنه الآن جاء "اليوم التالي"، وإن نتنياهو سيسافر إلى واشنطن كي يعيد تقدير وضعه حيال الإدارة، فانتصار الجمهوريين في مجلس النواب يعتبر أمرا جيدا بالنسبة له، حيث لا شيء أحب إليه من المناورات في السياسة الأميركية، وأوضاع الكونغرس المناكف للإدارة تساعده في مثل هذه المناورات. أما أوباما فسيسافر ليواسي نفسه في آسيا، وبالتالي لن يلتقي هذه المرة بنتنياهو، ولكن مع عودته سيتعين عليه أن يقرر إلى أين سينطلق من هنا.

"
أوباما سيعمل بكل قوته على إقامة دولة فلسطينية في الصيف القريب القادم، فهذا ما وعد به، وهذا ما يتوقعه العالم منه، وهذا يناسب إيمانه الداخلي وإحساسه بالعدل
"
دولة فلسطينية
وأما السياسة الخارجية فكانت منذ البداية ملجأ الرؤساء الأميركيين الذين تعرضوا للضربات في انتخابات التجديد النصفي، فوزير الدفاع ومستشار نتنياهو المقرب إيهود باراك يقدر أن أوباما سيعمل بكل قوته على إقامة دولة فلسطينية في الصيف القريب القادم، فهذا ما وعد به، وهذا ما يتوقعه العالم منه، وهذا يناسب إيمانه الداخلي وإحساسه بالعدل، وإنه حسب هذا النهج سيسعى إلى إقامة دولة فلسطين متجاهلا الثمن السياسي الداخلي.

لكن هذا ليس الخيار الوحيد، فالأخبار الأجمل التي قرأها نتنياهو هذا الأسبوع جاءت في مقال لكبير المحللين السياسيين بأميركا دافيد برودر نشره الأحد في واشنطن بوست، إذ يقول: إذا استمر الركود فلن يتمكن أوباما من الفوز بفترة رئاسية ثانية، ولا يملك الرئيس سوى تأثير هامشي فقط على حجم الأعمال التجارية، فكيف يمكنه مع ذلك أن يؤثر؟ وبحسب برودر "فالجواب واضح من تلقاء ذاته ولكن آثاره مخيفة، فالحرب والسلام يؤثران على الاقتصاد"، مستذكرا أن الرئيس الأميركي الأسبق فرانكلين روزفلت أنقذ بلاده من الأزمة الكبرى عندما دخل في الحرب العالمية الثانية.

وأما استنتاج برودر فيتمثل في أن على أوباما أن يسعى لمواجهة مع إيران، وأن هذا فقط هو ما سينقذه من الأفول السياسي، فالكونغرس الجمهوري والجمهور سيؤيدونه، والاستعدادات للحرب ستحفز الاقتصاد الأميركي من جديد، و"إذا ما لجم أوباما التطلعات النووية لإيران، فإن العالم سيكون أكثر أمنا وهو سيذكر كأحد الرؤساء الناجحين في التاريخ". ويضيف أن هذا بالضبط ما قاله نتنياهو لأوباما في لقائهما الأول، وهو أن "التاريخ سيحاكمك حسب نجاحك في صد التهديد الإيراني".


ويمضي الكاتب فيقول إن برودر ليس رجلا يمينيا تواقا للحروب، بل هو صوت المركز الأميركي الذي أيد أوباما ولا يزال يؤمن بقوته لإعادة بناء نفسه، وإذا ما أنصت الرئيس له فستنشأ الظروف لصفقة تاريخية مع إسرائيل تتمثل في إحباط التهديد الإيراني مقابل استقلال للفلسطينيين وتفكيك المستوطنات في الضفة الغربية.

ويختم بالقول إن أوباما ونتنياهو متشابهان، وكلاهما كان رجل حملة كبيرا في المعارضة، وإن علامتيهما التجاريتين السياسيتين تشوشتا مع صعودهما إلى الحكم، وإن رد اعتبارهما سيكون عبر التغلب على ضعف الشخصية ورواسب الماضي والخلافات بينهما، وعبر تصميم المسار الذي سيشكل الشرق الأوسط من جديد، وإنهما إذا ما نجحا فسيتركان وراءهما إرثا كبيرا، بل وسيفوزان في الانتخابات القادمة.

المصدر : الصحافة الإسرائيلية