اليمن يبدو كالواقع بين سندان تهديدات القاعدة ومطرقة الضغوط الأميركية (الفرنسية-أرشيف)

يرى العضو السابق لمؤسسة فولبرايت في اليمن الكاتب غريغوري جونسن أن الطرود البريدية الملغومة التي اكتشفت في الأسبوع الماضي كانت ستؤدي إلى نتائج وخيمة, مضيفا أن حسن الحظ هذه المرة قد لا يحالفنا في المرة القادمة.

وقال جونسن إنه في مثل هذا الشهر منذ سبع سنوات ماضية, كانت القاعدة في اليمن تتهاوى إثر سنوات من الضربات من جانب اليمن والولايات المتحدة, حيث قتل زعيمها الأصلي أبو علي الحارثي عندما تم استهدافه في نوفمبر/تشرين الثاني 2002 بطائرة أميركية بدون طيار تابعة لوكالة المخابرات المركزية الأميركية.

وخلفه في هذا المنصب شخص أبتر يدعى حمدي الأهدل الذي حقق نجاحا أفضل بقليل, فبعد سنة من وفاة رئيسه, كان المحارب السابق في البوسنة والشيشان يتزعم منظمة مشوشة ومضطربة. وكجنرال بدون جيش, لم تكن أمام الأهدل خيارات, وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2003 تم تتبعه إلى منزل آمن في مشارف صنعاء, وفي اللحظة الأخيرة حال وسيط من مكتب الرئيس دون إطلاق النار في الضاحية السكنية بعد إقناعه الأهدل بالاستسلام، وبذلك تم التخلص من الخطر وهزمت القاعدة في اليمن.

لكن الأمور لم تسر على ما يرام منذ ذلك الحين, حيث غادر إدموند هول أول سفير أميركي عين في اليمن بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 في صيف عام 2004, وشكلت مغادرته نقطة تحول بالنسبة لأولويات أميركا في اليمن ولم تعد القاعدة هاجسا كبيرا, وكان التركيز ينصب في المقام الأول على إصلاح الانتخابات وحملة مكافحة الفساد كجزء من المخطط الكبير لإدارة الرئيس السابق جورج بوش لنشر الديمقراطية في الشرق الأوسط.

رجال يزعمون أنهم تابعون للقاعدة في اليمن (الفرنسية-أرشيف)
خطر "إرهابي"
وبات ينظر إلى الرئيس اليمني علي عبد الله صالح الذي كان جزءا من الحل بخصوص القاعدة، على أنه جزء من المشكلة فيما يتعلق بالإصلاحات, وقد تقلصت المساعدات المالية الأميركية إلى مستوى محرج, وبات اليمن لا يحظى بالاهتمام نظرا لعدم وجود خطر إرهابي فيه.

كما تحول اهتمام الحكومة اليمنية كذلك، فبدلا من العمل على تأمين النصر, حولت انتباهها ومقدراتها العسكرية ضد تمرد عسكري في أقصى شمال البلاد بدأ في صيف 2004. وهكذا وبعد اندلاع الحرب الأهلية تارة وتوقفها مرة أخرى لست جولات منذ ذلك الحين, أدى ذلك إلى استنزاف خزينة البلاد وتفاقم التمرد القبلي.

يتحمل كلا البلدين وزر التخلي عن الحذر والاحتراس, حيث أدت سنوات من الارتباك والنزاعات إلى جعل كليهما غير مستعد لمواجهة التمرد, وجاءت الشرارة في صبيحة أحد الأيام في وقت مبكر من فبراير/شباط 2006 عندما تمكن 23 من المشتبه في انتمائهم لتنظيم القاعدة من الهرب من سجن تحت حراسة مشددة بدرجة قصوى على أطراف صنعاء، حيث دخلوا مسجدا مجاورا وأدوا صلاة الفجر قبل أن يخرجوا من الباب الأمامي ليحظوا بالحرية.

وبعدما أعاقهم عدم الانتباه والتقارير الاستخبارية غير الدقيقة, ركز المسؤولون الأميركيون على ما عرفوه, فركزوا جهودهم على الهاربين جمال البدوي وجابر البنا وهما على قائمة أكثر الأشخاص المطلوبين لدى مكتب التحقيقات الاتحادي, ولكن وكما يحدث كثيرا في مثل هذه الحالة, لم تكن أميركا تعرف من هو الذي سيكون في النهاية الأكثر قدرة على إلحاق الضرر.

"
السعودي عبد الله العسيري مثل دور عضو تائب من القاعدة وحاول إقناع الأمير السعودي محمد بن نايف بأن هناك آخرين يريدون الاستسلام, وعند اتصال الأمير هاتفيا وقع انفجار تسبب في إصابته بجروح طفيفة
"
عملية هروب
ولم تتعامل الولايات المتحدة ولا اليمن مع عملية الهروب من السجن بقدر كبير من الأهمية، وهي حادثة كان لها تداعياتها على المدى البعيد، وكان استمرار الإهمال رغم تزايد الأدلة من أمثال الهجمات "الانتحارية" والاغتيالات والتصريحات ذات المغزى, يمثل فشل التصور على نطاق هائل، وما زالت واشنطن تدفع ثمن ذلك.

وتمكن أحد المسلحين السعوديين وهو عبد الله العسيري الذي مثل دور عضو تائب من القاعدة في شبه جزيرة العرب من إقناع الأمير السعودي محمد بن نايف بأنه يريد الاستسلام, حيث تمكن العسيري خلال اجتماع لاحق في إحدى ولائم رمضان من إقناع الأمير بن نايف بوجود أشخاص آخرين مثله في اليمن والذين يريدون كلمة أمان من الأمير قبل أن يستسلموا هم أيضا, ولدى اتصاله الهاتفي وقع انفجار تسبب في جرح بن نايف بشكل طفيف.

وشاركت عناصر الهجوم في وقت لاحق في محاولة إسقاط طائرة نورث ويست إيرلاينز فوق مدينة ديترويت عشية عيد الميلاد عام 2009، وكلتا القنبلتين استخدمت فيها مادة "بي 10" وهي مادة كيماوية قوية التفجير، ومن المرجح أن يكون صنعهما إبراهيم العسيري شقيق عبد الله والرجل المشتبه به في صناعة الطرود المفخخة التي اكتشفت الأسبوع الماضي.

لم تتمكن الولايات المتحدة من الرد بشكل مناسب على تهديد القاعدة في شبه جزيرة العرب جراء مواجهتها وضعا صعبا في اليمن، وما زالت تعاني جراء ما فاتها خلال سنوات من الإهمال.

واختتم الكاتب بالقول إنه لن يحل أي من الغزو أو الضربات الجراحية مشكلة إرهاب القاعدة في اليمن أو يجعل الولايات المتحدة أكثر أمنا, وإن الحظ حالف واشنطن وحلفاءها ثلاث مرات هذا العام، لكن الاعتماد على ذلك الحظ ليس بالرهان السليم أو الآمن.

المصدر : فورين بوليسي