تظاهرة للجنوبيين في الخرطوم تدعو للوحدة (الجزيرة-أرشيف)

كتبت الصحفية ماغي فيك المقيمة في جوبا جنوبي السودان تقريرا في مجلة فورين بوليس الأميركية بشأن الأوضاع في المنطقة، وذلك قبيل موعد استفتاء تقرير مصير جنوب السودان المزمع إجراؤه في يناير/كانون الثاني القادم، وسط مخاوف من اندلاع حرب أهلية هناك لا تبقي ولا تذر.

وتقول فيك إن السودان انهمك منذ أكثر من نصف عمر استقلاله في حرب أهلية مؤلمة بين شماله وجنوبه, وإنه بالنسبة لأي شخص دون الثلاثين من عمره -وهم يشكلون نصف سكان البلاد- فكانت الحرب حقيقة شبه مستمرة تعرض خلالها سكان جنوب السودان للتشريد والقتال العنيف والمعاناة الشديدة وإنهم هم الذين تحملوا وطأة المعاناة في الحرب الأهلية الثانية في الثمانينيات والتسعينيات.

ثم تم التوصل إلى اتفاق سلام لا يصدق وبه نقطة شديدة الوضوح، وهي أنه في العام 2011 سيصوت الجنوب بخصوص إن كان يرغب في الاستمرار كجزء من السودان أو ينفصل, وأوضحت أن هذه اللحظة باتت قاب قوسين أو أدنى، حيث من المقرر عقد الاستفتاء في 9 يناير/كانون الثاني 2011, وأن هناك الكثير ممن يساورهم القلق من أن الشمال لن يسمح بانفصال جزئه الجنوبي دون سفك دماء، كما أنه من المرجح كثيرا أن جنوب السودان سيصوت لصالح الاستقلال الذي صرحت إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما مؤخرا بأنه لا مناص منه.

ومع آفاق الاستقلال التي بدت تلوح في الأفق, يعمل جنوب السودان بجد محاولا أن يتصرف كدولة قبل أن يصبح كذلك, ففي السنوات الخمس الماضية قامت حكومته التي تتمتع بحكم شبه ذاتي بقيادة الجناح السياسي لمجموعة التمرد الرئيسية الحركة الشعبية لتحرير السودان بخطوات مثيرة للإعجاب.

فحينما أصبح المتمردون يتولون شؤون الحكومة الإقليمية في العاصمة جوبا في جنوب السودان عام 2005, لم تكن هناك طرق معبدة في الواقع وكانت هناك حفنة من السيارات, وأما اليوم فقد شيدت الحكومة الجنوبية المباني في العاصمة وكذلك المؤسسات مثل مجلس الوزراء والنظام القضائي ولكن بعمل مضن وشاق.

ربما كان الأبرع من بناء نظام بيروقراطي من قبل حركة تمرد هو تحويل قوة التمرد إلى قوة عسكرية شرعية, فقوات جيش التحرير الشعبي السوداني وقوات شرطة جنوب السودان تعج بالمقاتلين المتمردين السابقين غير المدربين أو المهنيين وجزء كبير منهم كانوا موالين لقادة مليشيا ممن حاربوا في مناطق مختلفة في الحرب الأهلية.

ثم هناك قضية الجنود الأطفال البغيضة، حيث يقول الجيش الجنوبي إن لديه أقل من ألف منهم في صفوفه ووعد بأن يكون جيشه خاليا من الأطفال بحلول نهاية العام، ومع ذلك فإن إنجاز هذا الأمر المهم يمكن أن يكون صعبا على ضوء كثرة الأولويات الضاغطة الأخرى.

وفي هذا السياق تخلت إدارة أوباما عن مطالبة السودان بأن يتقيد بقانون منع تجنيد الأطفال, قائلة بأن التمويل والدعم الإضافي للجيش الحديث التكوين للبلاد يجب أن تكون له الأولوية على العقوبات المفروضة بسبب عدم القدرة على العمل فورا على إجراء الإصلاحات, ولكن المسؤولين الدوليين العاملين في جوبا يقولون إن الإصلاحات في الجيش والشرطة ومجموعة أخرى من قوات الأمن مشروع سيستغرق عقودا من الزمن.

"
مهمة الجيش الجنوبي ستكون ضمان حماية حدود جنوب السودان المستقل وحماية البلاد من التهديدات الخارجية وأولها الخطر القادم من الشمال
"
خطر الشمال
وتمضي الكاتبة بالقول إن المهمة الأولى في جعل جيش مهنيا هو تحديد ما سيقوم به وما لن يقوم به بالضبط, فمحدّثو الجيش وهم خليط من المانحين الدوليين وضباط محليون من العسكريين الجنوبيين يرون أن مهمته ستكون ضمان حماية حدود جنوب السودان المستقل وحماية البلاد من التهديدات الخارجية، وأولها الخطر القادم من الشمال, وأضافت أنه من الناحية النظرية، فإن الجيش لن يقوم بالمهام الداخلية الأمنية ذات الصبغة المدنية كما يفعل الآن وستترك تلك المهمات للشرطة, ولكن تلك القوة بحاجة إلى بناء أيضا.

وإضافة إلى حماية الحدود الأساسية, فإن الجيش يستعد إلى احتمال اندلاع الحرب, فرغم خمس سنوات من السلام بين الشمال والجنوب, فإن عدم الثقة بين الخرطوم وجوبا على درجة كبيرة في كل الأحوال, والكثير هنا يشكون في سماح الشمال للجنوب بالانفصال بدون حرب وعليه فإن على الجيش أن يكون مستعدا للمعركة.

وقبل تشكيل الجيش الرسمي لجنوب السودان، كان الجيش الشعبي لتحرير السودان -وهي مجموعة التمرد التي خاضت الحرب لمدة 23 عاما من أجل الحصول على حكم ذاتي من الحكومة "القمعية" المركزية في الخرطوم- القوة الرئيسية المحاربة في المنطقة وكان شعارهم هو "النصر مؤكد"، ولكن ومن سوء الحظ فإن وحدتهم لم تكن راسخة.

فأثناء الحرب تحاربت فصائل من الجيش بعضها مع بعض، وهو الأمر الذي أطال أمد الصراع, واحتضنت الخرطوم قادة من المتمردين الجنوبيين المنشقين وزعماء مليشيا "انتهازيين", وبعد توقيع اتفاقية السلام الشاملة في 2005, بذل قائد الحركة والجيش الجديد سلفاكير ميارديت أقصى ما بوسعه لتوحيد المنشقين ضاما إليه عددا من زعماء المليشيا الرئيسيين عن طريق منحهم مناصب في الجيش الجنوبي, وما زال إعلان جوبا في 2006 الذي وحد رسميا هؤلاء الرجال من المليشيات السابقة وضمهم إلى الجيش, يعد الإنجاز الأكبر لسلفاكير أثناء ولايته كرئيس التي استمرت خمس سنوات.

ولكن الحدود بين الأطراف المدنية والعسكرية تبقى مشوبة بالثغرات والنقائص, وهذا إرث المليشيات السابقة مبني من مفاهيم شعبية عميقة, فمحاولات الجيش الجنوبي المتكررة لنزع سلاح السكان المدنيين تسببت في حمامات دم, فخلال حملة في ولاية جونغلي النائية خلال العام 2006, أدى ذلك إلى قتل أكثر من 1500 شخص من السكان بعدما استغلت مجموعة قبلية ضعف جيرانها الذين نزع سلاحهم مؤخرا وقاموا بنهب قطعان الماشية وتصفية حسابات أخرى, وكانت حكومة جنوب السودان قد عدت امتلاك السلاح علنا من قبل المدنيين خروجا على القانون, ولكنه من الصعب في بعض الحالات التمييز بين جندي ببزته ومدني بلباس المليشيا.

ثم إن تحويل حركة تمرد منقسمة إلى جيش تبدأ بالجنود أنفسهم, ويعمل المانحون الدوليون بمن فيهم الولايات المتحدة -ولكن بريطانيا على وجه الخصوص- مع القيادة العليا للجيش الجنوبي من أجل وضع إستراتيجيات لاحتراف قواتهم وتأهيلها وجعل ظروف عملهم أكثر ملاءمة, فظروف حياة الجنود العاديين ليست سهلة, حيث لا تدفع الرواتب بانتظام أو مواظبة، وأن من الصعب الحصول على الأسلحة والزي العسكري، في حين أن ظروف العيش في الميدان قاسية.

وكذلك فإن هناك فرصا قليلة لتوظيف الجنود الشباب والكبار، وهنا يقوم الجنود والشرطة والشرطة العسكرية والعاملين في مجال حماية الحياة البرية بدوريات على نهر السوباط قرب حدود السودان الجنوبية قرب إثيوبيا.

وهناك الكثير مما يجب عمله على قائمة الجيش الجنوبي، منها نزع سلاح وتسريح الجنود كبار السن وغيرهم من غير اللائقين للخدمة وتحديد هوية الجنود الأطفال وإيجاد السبيل لدمجهم في الحياة المدنية واختيار وتدريب وحدات النخبة للعمل في الحرس الرئاسي، وكذلك قوات حرس الحدود وغيرها من القوات المتخصصة وتدريب الجنود على التخزين الملائم للأسلحة وصيانتها، إضافة إلى كيفية تعليم الضباط على إطلاق النار بدقة وأمان.

"
القبلية هي الشائعة في جنوب السودان ولها تأثيرها داخل القوات المسلحة, فولاء الجنود لقبائلهم أكثر، ويأمل قادة الجيش أن يساعد قيام دولة جنوبية في تعزيز الشعور القومي بين مختلف رتب الجيش
"
شيوع القبلية
ولعل القادم هو الأصعب على ضوء حقيقة كون القبلية هي الشائعة في جنوب السودان وكيفية تأثيرها داخل القوات المسلحة, ولأن العديد من الجنود العاديين قد تم استقدامهم من مليشيات محلية, فإن ولاء هؤلاء الجنود في الغالب يكون للقائد الذي ينحدر من نفس القرية أو القبيلة أكثر من فكرة الجيش القومي ويأمل قادة الجيش أن يساعد قيام دولة جنوبية في تعزيز الشعور القومي بين مختلف رتب الجيش.

ومنذ انتهاء الحرب قبل خمس سنوات وبدء تدفق أموال المانحين الدوليين إلى الجنوب الذي دمرته الحرب، فإن مساعي المجتمع الدولي لدعم الإصلاح في القطاع الأمني باتت ملحوظة حيث هناك المانحون المتعددون وكذلك العديد من ملايين الدولارات, ورغم أن هذا المسعى بعيد عن الكمال, هناك إشارات من الميدان بأن التنسيق بين الأطراف الدولية العاملة خاصة على مستوى الحكومات المانحة في تحسن.

ورغم أنه قد أنيطت بالدبلوماسيين من القنصليتين البريطانية والأميركية مراقبة تمويل إصلاح القطاع الأمني, فإن العمل نفسه يتم على يد متعاقدين بمن فيهم شركة آدم سميث إنترناشيونال وسيفيكون, ويترأس البريطانيون المواضيع الإستراتيجية وتدريب الضباط وتقديم الاستشارة، في حين يقوم الأميركيون بتشييد البنى التحتية الأساسية مثل الثكنات الجديدة ومواقع التدريب.

ويعترف العاملون الدوليون على هذه البرامج في جوبا –بشكل غير رسمي بالطبع– بأن إستراتيجية الإصلاح الداخلي للجيش لا تتربع على قمة أولويات الجيش الجنوبي في الوقت الحالي, حيث يستعد في المقام الأول لاحتمال اندلاع حرب أخرى مع الشمال.

ولكن الإصلاح الأكثر صعوبة لا يمكن شراؤه بالمال وهو الإصلاح السياسي, فعلى ضوء التصويت على تقرير مصير جنوب السودان الذي سيحل بعد أكثر من شهرين بقليل, فإن العاملين الدوليين على قطاع الإصلاح الأمني يعترفون بأنه من غير الواضح من هم المستعدون لخوض الحرب مع الجيش الشعبي لتحرير السودان إذا اندلعت الحرب مع الشمال.

فالتقديرات الدقيقة لحجم الجيش غير متوفرة للعامة, كما أن كشوف رواتب مختلف أفرع القوات الأمنية بما فيها الشرطة وخدمات السجون لا تكشف عن عدد الرجال في الخدمة العسكرية, فالموضوع في غاية الحساسية, ووحدة جنوب السودان أمر مقدس في الفترة السابقة للاستفتاء.

وقبل أن يلقى القائد الأعلى للجيش الشعبي لتحرير السودان الدكتور جون قرنق مصرعه في حادث تحطم طائرة مروحية عام 2005, كان ألقى خطابا موجها إلى رفاقه من جنوب السودان قال فيه إنه "لقد قدمت لكم أنا ومن حارب معي في الأدغال لمدة تزيد عن عشرين عاما وعلى طبق من ذهب اتفاقية السلام الشاملة، وهنا انتهت مهمتنا, والآن جاء دوركم خاصة أولئك الذين لم يخبروا حياة الأدغال, وحينما يحين موعد التصويت على الاستفتاء, سيكون أمامكم خيار ذهبي لتقرير مصيركم, فهل ستصوتون من أجل أن تكونوا مواطنين من الدرجة الثانية في بلادكم؟ إنه خياركم بشكل مطلق".

"النصر غير مؤكد"
ومضت الكاتبة إلى القول إن التحديات التي تواجه جنوب السودان كدولة مستقلة في المستقبل هائلة, لكن روح التفاؤل هي السائدة, فالجنوبيون الذين حاربوا لعقود من أجل التحرر من الخرطوم تواقون إلى تولي أمورهم بأنفسهم, وفي الوقت الذي تبدو فيه الفترة الحالية التي تسبق الانتخابات هادئة بشكل يشوبه الشك, لا يمكن إنكار أنها مشوبة بالأمل والإثارة بين المواطنين العاديين.


ومع ذلك فإن التوقعات العالية ربما تخف حدتها بعد انتهاء التصويت, حينما يبدأ العمل الشاق من أجل بناء الدولة والبلاد, هذا في حالة عدم اعتراض الخرطوم على نتائج التصويت أو حاولت سد الطريق أمام انفصال جنوب السودان, ومن بين كل المؤسسات الحكومية الحديثة العهد هنا, فإن القطاع الأمني هو الذي سيلعب دورا إيجابيا أو سلبيا في جنوب السودان.

واختتمت الكاتبة بالقول إنه وعلى خلاف الشعار القديم للجيش الشعبي لتحرير السودان, فإن "النصر غير مؤكد".

المصدر : فورين بوليسي