كلينتون: بدأت مهام منصبي بالتشديد على الحاجة إلى تعزيز دور الدبلوماسية والتنمية جنبا إلى جنب مع الدفاع (الفرنسية-أرشيف)

في مقال نشرته مجلة فورين أفيرز تتحدث وزيرة خارجية الولايات المتحدة هيلاري كلينتون عن التحديات التي تواجه زعامة أميركا للعالم، وعن إعادة تحديد دور التنمية والدبلوماسية الأميركية، في عالم اليوم المليء بالتحديات.

عالم اليوم مليء بالتحديات التي تختبر زعامة أميركا للعالم ومنها: المشاكل العالمية بدءا من التطرف العنيف إلى الكساد العالمي إلى تغير المناخ وإلى الفقر.

وهذه المشاكل بحاجة إلى حلول شاملة في عالم أصبحت فيه القوة أكثر استخداما وانتشارا، مما يستدعي تعاونا دوليا فعالا.

غير أن تحقيق ذلك أصبح أكثر صعوبة لكون تلك المشاكل لا يمكن حلها ما لم تكن هناك دولة راغبة في تحمل مسؤولية حشد العمل، وتلك الدولة هي الولايات المتحدة.

بدأت مهام منصبي بالتشديد على الحاجة إلى تعزيز دور الدبلوماسية والتنمية جنبا إلى جنب مع الدفاع، وهو ما يعرف "بالقوة الذكية"، وهي مقاربة لحل المشاكل العالمية، ومع ذلك فإنه من أجل إنجاح تلك المقاربة يجب تعزيز القوة الأميركية المدنية وتوسيعها.

وكما قال وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس عبر هذه الصفحات فإنه يجب أن تكون تلك القوة متوازنة بشكل أفضل قياسا مع القوة العسكرية الأميركية، موضحا "يجب إحداث تغير في مواقفنا بالاعتراف بالدور المهم الذي تلعبه تلك الوكالات مثل وزارة الخارجية والوكالة الأميركية للتعاون الدولي وعليها أن تقوم بالدور الرائد الذي أعتقد أن عليها أن تلعبه".

هذا المسعى قيد التنفيذ, فقد وافق الكونغرس منذ وقت قريب على تخصيص الأموال لتوظيف 1108 مسؤولين جدد في الخدمة الخارجية والخدمة المدنية لتعزيز قدرة وطاقة وزارة الخارجية حتى تتمكن من رعاية ومتابعة المصالح الأميركية ومن تعزيز القيم الأميركية والترويج لها.

وهذا هو ما تقوم به الوكالة الأميركية للتنمية الدولية حيث تضاعف كوادر التنمية فيها بتوظيف 1200 من مسؤولي الخدمة الخارجية من ذوي المهارات الخاصة والخبرة المطلوبة من أجل مواجهة تحديات التنمية المتصاعدة، وهي تحسن استخدام الموظفين المحليين الذين لديهم معرفة عميقة ببلدانهم في مهمات ما وراء البحار.

وبدأت إدارة أوباما في إعادة بناء الوكالة الأميركية للتنمية الدولية لجعلها منظمة التنمية الرئيسية في العالم، ولتعزز النمو على المدى البعيد والحكم الديمقراطي، ولها ذراعها البحثي الخاص بها، وهي ترسم أو تشكل السياسة والابتكارات متقيدة بالمعايير لضمان سلامة وفعالية استثماراتنا.

لكن علينا فعل المزيد, فيجب ألا نكتفي بإعادة البناء فحسب, بل علينا إعادة التفكير والإصلاح وإعادة التقويم.

ورأيت خلال عملي في لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ كيف أن وزارة الدفاع استخدمت مراجعة وزارة الدفاع التي تجري مرة كل أربع سنوات من أجل ترتيب مواردها وسياساتها بما يتناسب مع إستراتيجياتها الحالية والمستقبلية، ولكن لم توجد آلية مشابهة لتحديث وزارة الخارجية أو وكالة التنمية الدولية الأميركية.

وقد أطلقت في يوليو/ تموز 2009 أول مراجعة تجري كل أربع سنوات للدبلوماسية والتنمية وكذلك مراجعة شاملة لوزارة الخارجية والوكالة الأميركية للتنمية الدولية من أجل تقديم توصيات لتحسين وتجهيز وتمويل وتدريب وتنظيم أنفسنا من أجل ترتيب أولوياتنا الدبلوماسية والتنموية الحالية، ولكيفية البدء في إعادة بناء الناس والمؤسسات والعمليات ومواردنا الحالية من أجل مجابهة التحديات العالمية في السنوات القادمة.

إن المراجعة التي تجري كل أربع سنوات ليست بالأمر السهل, فهي تحدد كيفية التنسيق والتكامل بين الدبلوماسية والتنمية، وكيف يعزز كل منهما الآخر بشكل متبادل, وهي تقيم لما تم فعله في الماضي ومعرفة ما الذي لم يتم القيام به، وهي تتنبأ بخيارات المستقبل الإستراتيجية والموارد اللازمة.

وبالرغم من الأدوار والمهمات المميزة لوزارة الخارجية ووكالة التنمية الأميركية, فإن الدبلوماسية والتنمية كثيرا ما تتداخلان وتتشابكان. ويجب أن تعملا بترادف وتكامل.

وتستدعي التحديات العالمية الخلط بين الاثنتين بشكل متزايد مما يتطلب مقاربة أكثر شمولية تجاه القوة المدنية.

كثيرا ما يتم تحقيق الأهداف الدبلوماسية عن طريق التنمية, وكان استئناف المفاوضات المباشرة بين الإسرائيليين والفلسطينيين نهاية فصل الصيف إنجازا وثمرة لدبلوماسية مثابرة موهوبة, ولكن تحقيق التقدم على طاولة المفاوضات يرتبط ارتباطا مباشرا بالتقدم في بناء مؤسسات قوية ومستقرة لدولة فلسطينية وتوفير الأمن الذي تحتاجه إسرائيل.

كما أن الأهداف التنموية كثيرا ما يتم تحقيقها عن طريق العمل الدبلوماسي, فمستقبل برامج مثل برنامج إطعام جوعى العالم في المستقبل ومبادرة الصحة العالمية ستعتمد جزئيا على ثمرة تشجيع ودعم الإصلاحات السياسية في الدول الشريكة.

كما أن اتفاقيات تحديات الألفية تعود في جزء منها إلى نتاج العمل السياسي الدؤوب الذي صمم من أجل خلق ظروف إيجابية للتنمية.

وفي العديد من الأماكن بما فيها أفغانستان والعراق، فإن التعزيز المتبادل للإستراتيجيات السياسية والتنموية ينبع من أسباب وتأثيرات النزاع العنيف وعدم الاستقرار.

وتتبين من خلال المراجعة الرباعية للتنمية والدبلوماسية صورة العالم كما تراه وزارة الخارجية اليوم ورؤيتها له في المستقبل.

وعملية المراجعة تعتمد على الحكمة وموهبة أشخاص متميزين بشكل استثنائي في وزارة الخارجية والوكالة الأميركية للتنمية الدولية، يعملون بدون كلل لإصدار كراس أو جدول بالإصلاحات التي ستنفذ خلال السنوات الأربع القادمة والتي سيكون لها تأثير على مدى أطول.

أما المراجعة الرباعية الافتتاحية لهذا العام فتحدد مقاربات جديدة ومهارات الخبراء في مجال السياسة والتنمية وتضع أولويات الميزانية، وتؤسس إجراءات عملية التخطيط ومراجعة ودعم الحوافز وتوصي بإصلاحات تنظيمية وبالتنسيق الدبلوماسي بين الوكالات الحكومية, وذلك لضمان أن يكون للعمل التنموي أثر دائم وثابت، ولخلق رابطة أقوى بين الدبلوماسية والتنمية، فضلا عن تنسيق أفضل مع شركائنا العسكريين في مناطق الصراع والدول الهشة.

"
يجب أن يذهب الجهد إلى أبعد من التعامل بين الجهات الحكومية فيما بينها, وفي عصر المعلومات هذا فإن الرأي العام يحتل مكانة إضافية حتى في الدول الاستبدادية، حيث يصبح الممثلون غير الحكوميين أكثر قدرة على التأثير في الأحداث الحالية
"
خدمة مدنية عالمية

منذ أمد طويل والدبلوماسية هي العمود الفقري للسياسة الخارجية الأميركية وما زالت كذلك حتى اليوم، فمعظم عملي في وزارة الخارجية يتكون من العمل الدبلوماسي للتعامل مع التحديات العالمية والإقليمية مثل التصدي لطموحات إيران النووية, وتسهيل المفاوضات بين الإسرائيليين والفلسطينيين وتعزيز الاستقرار في شبه الجزيرة الكورية، والعمل مع الحكومات الأخرى من أجل توفير مساعدات طارئة لهايتي.

ومن المؤكد أني والرئيس باراك أوباما لجأنا إلى الدبلوماسية التقليدية من أجل تسهيل إنجاز اتفاق اللحظة الأخيرة في مؤتمر كوبنهاغن حول المناخ في ديسمبر/ كانون الأول الماضي.

خلال الحوارات الإستراتيجية السنوية مع مجموعة من الشركاء الرئيسيين بمن فيهم الصين والهند وإندونيسيا ونيجيريا وباكستان وروسيا وجنوب أفريقيا، كانت الولايات المتحدة تهدف إلى تعميق وتوسيع العلاقات من أجل إقامة قاعدة أقوى لمعالجة المشاكل الحادة والدفع قدما بالمصالح المشتركة وإبقاء الخلافات ضمن نطاق السيطرة.

وتستثمر الولايات المتحدة الآن في تعزيز التجمعات العالمية، مثل قمة العشرين وكذلك المؤسسات الإقليمية مثل منظمة الدول الأميركية، ورابطة دول جنوب شرق آسيا, وهذا جزء من التزام بناء نموذج عالمي جديد من التعاون لا يشمل الشرق والغرب فقط ولكن الشمال والجنوب كذلك.

بالرغم من أن الدبلوماسية التقليدية ستبقى مهمة دائما من أجل المضي قدما في تنفيذ أجندة الولايات المتحدة, فإنها ليست كافية, إذ على وزارة الخارجية أن توسع عملها للوصول إلى مجموعات والتأثير على مجموعات أوسع وأكثر تنوعا عن طريق استخدام مهارات وأساليب جديدة.

ومن هذه الناحية، فإن الوزارة توسع عملها الدبلوماسي بالطريقة التي ترتئيها علاوة على دورها ومسؤوليات عملها.

تتكون الخدمة الأجنبية أو الخارجية في الأصل -وكما يستدل عليه من اسمها- من أشخاص مدربين للإشراف على علاقات الولايات المتحدة مع الدول الأجنبية عبر التشاور مع نظرائهم في الحكومة.

وكان هذا هو العمل الرئيس للسفراء والسفارات فضلا عن كادر العاملين في وزارة الخارجية, لكن تزايد الترابط والتشابك العالمي حاليا يجعل من الضرورة تجاوز الحكومات للاتصال بالمواطنين مباشرة، وتوسيع مجال عمل وزارة الخارجية لتصل إلى قضايا وأمور كانت حكرا على الطيف المحلي مثل التشريعات البيئية والاقتصادية والأدوية والأمراض والجريمة المنظمة والجوع العالمي.

وحيث إن تلك القضايا تخترق الحدود، فإن على الوكالات المحلية التي تعالجها أن تزيد من عملها فيما وراء البحار وخارج السفارات والقنصليات، وبذلك لا يكون السفير الأميركي في العام 2010 مسؤولا فقط عن إدارة المدنيين من وزارة الخارجية والوكالة الأميركية للتنمية الدولية، بل مديرا تنفيذيا لمهمة تنفذها وكالات متعددة.

وعليه أو عليها أن يكون لبقا في الاتصال مع الناس خارج الحكومة مثل القطاع الخاص والمجتمع المدني.

لننظر إلى السفارة الأميركية في إسلام آباد، فهي تشمل كادرا من 800 شخص، منهم حوالي 450 دبلوماسيا وموظفين مدنيين من وزارة الخارجية ومائة من وكالة التنمية الدولية الأميركية.

وجزء كبير من العمل هناك يتم عبر الدبلوماسية التقليدية، وهناك مسؤولون من الخدمة الأجنبية يساعدون الأميركيين على السفر أو القيام بأعمال تجارية في المنطقة، كإصدار التأشيرات والتعامل مع نظرائهم المدنيين والعسكريين الباكستانيين.

ولكن السفير الأميركي هناك يقود مدنيين من إحدى عشرة وكالة فيدرالية، بما فيها تقديم الإغاثة في حالات الكوارث وخبراء للمساعدة في إعادة الإعمار بعد فيضانات الصيف التاريخية، ومختصون في قطاعات الصحة والطاقة والاتصالات والمال والزراعة والعدل.

كما أن الأشخاص العسكريين يعملون مع نظرائهم الباكستانيين لتعزيز القدرات الباكستانية للمساعدة في الحرب ضد المتطرفين العنيفين.

عودا إلى واشنطن، فإن مسؤوليتي كوزيرة هي ضمان أن يعمل الأشخاص، من الخدمة الأجنبية والخدمة المدنية ضمن وزارة الخارجية ووكالة التنمية الدولية، يدا بيد مع زملائهم في الحكومة الفيدرالية.

فالحوار الإستراتيجي الأميركي مع باكستان يشمل عشر مجموعات منفصلة، تضم وزراء حكوميين وخبراء من عدد من الوكالات في كلتا الحكومتين, أما الحوار الأميركي مع الهند فيضم 22 وكالة مختلفة، وعندما سافرت أنا ووزير المالية تيموثي غيثنر إلى بكين في مايو/ أيار من أجل جولة ثانية من الحوار الإستراتيجي والاقتصادي، كان وفدنا يضم مدنيين من أكثر من ثلاثين وكالة .

يشكل مسؤولو الخدمة الأجنبية، أفراد الخدمة المدنية والكادر المحلي في وزارة الخارجية ووكالة التنمية الدواية، العمود الفقري لعملنا على النطاق العالمي.

واعتمادا على وفرة الموهوبين الموجودة في الوكالات الفيدرالية الأميركية والموظفين في ما وراء البحار، تستطيع الولايات المتحدة تأسيس خدمة مدنية عالمية بنفس المعيار والمرونة الموجودة في القوات المسلحة الأميركية، خاصة مع وجود كوادر وخبراء من مؤسسات متنوعة بما فيها وزارة الخارجية ووكالة التنمية الدولية وهيئة تحديات الألفية وهيئة الاستثمار الخاص فيما وراء البحار وبنك التصدير والاستيراد ووزارة العدل ووزارة المالية ووزارة الزراعة ومراكز الوقاية من الأمراض والسيطرة عليها وفرق السلام وآخرون عديدون، كما يجب على السياسة الخارجية الأميركية مكافأة فرق العمل وتشجيع التعاون ودعم نوبات التعاون بين الوكالات.

"
نحن نتحول بعيدا عن الصيغ والنماذج الدبلوماسية التقليدية، وعوضا عن ذلك نقوم بتأسيس روابط وصلات مع السكان الأجانب في مناطق كانت تعتبر ذات يوم بعيدة عن متناول يد الولايات المتحدة
"
يجب أن يذهب الجهد إلى أبعد من التعامل بين الجهات الحكومية فيما بينها, وفي عصر المعلومات هذا فإن الرأي العام يحتل مكانة إضافية حتى في الدول الاستبدادية، حيث يصبح الممثلون غير الحكوميين أكثر قدرة على التأثير في الأحداث الحالية.

وحاليا يقوم السفير الأميركي بإيجاد صلات لا مع حكومة الدولة المضيفة فقط، بل مع مواطنيها، وتؤيد المراجعة الرباعية إستراتيجية دبلوماسية عامة جديدة تجعل من التواصل الشعبي مهمة لكل دبلوماسي من خلال الاجتماعات في قاعات المدن والمقابلات مع وسائل الإعلام والحيل أو التجاوزات المنظمة وأحداث مدن المحافظات والمجتمعات الأصغر وبرامج تبادل الطلاب والاجتماعات المهمة التي تجمع بين المواطنين والمنظمات المدنية.

وفي الواقع -في القرن الحادي والعشرين- فإن دبلوماسيا ما من المتوقع أن يلتقي مع أحد الزعماء القبليين في قرية ريفية كممثل لوزارة الخارجية، وكذلك أن يرتدي بنطال حمالين أو بدلة مزركشة.

يجب أن تبدأ الدبلوماسية العامة من القمة، وقد أجريت مقابلات ثنائية مع مسؤولين حكوميين في كل من إندونيسيا وتركيا، كما التقيت مع زعماء المجتمع المدني، وظهرت كضيف على برامج نقاشات شعبية تلفزيونية، وكذلك عقدت اجتماعات في قاعات المدن مع مجموعة متنوعة من المواطنين في كل قارة زرتها، حيث إن الأحداث العامة كهذه تشكل جزءا كبيرا من وظيفتي كوزيرة للخارجية، مثل اجتماعاتي مع وزراء الخارجية لأن استمرار وبقاء مشاركات الولايات المتحدة في الخارج ستعتمد على اتجاهات المواطنين تماما مثل سياسات حكوماتهم.

وفي واشنطن أيضا فإن وزارة الخارجية تحدث وتنظم الطريقة التي تراها مناسبة وتنفذ الدبلوماسية الشعبية، ونحن نتحول بعيدا عن الصيغ والنماذج التقليدية، وعوضا عن ذلك نقوم بتأسيس روابط وصلات مع السكان الأجانب في مناطق كانت تعتبر ذات يوم بعيدة عن متناول يد الولايات المتحدة.

ومن الهراء تخصيص القدر الأكبر من الموارد لأجزاء من العالم تتمتع فيها الولايات المتحدة بروابط قوية وثابتة، وبذل الحد الأدنى من المساعي في مناطق يعتبر التواصل الشعبي فيها حاسما لتحقيق النجاح.

ويمكننا تعزيز القوة المدنية عن طرق المشاركة في الأعمال التجارية ومع محبي الأعمال الخيرية ومجموعات الموطنين، ومع الحكومات الشريكة لأداء مهمات لا تستطيع الحكومة القيام بها وحدها.

وهنا تقوم التكنولوجيا على وجه الخصوص بتوفير وسائل جديدة للتواصل، وكان أحد النجاحات المهمة في هذا العام تشكيل شراكة خلال عشية بين الولايات المتحدة وشركات الهاتف النقال في هايتي والصليب الأحمر والمؤسسات الاجتماعية وخفر السواحل الأميركي، ومع البحرية الأميركية من أجل خلق نموذج يستخدم الرسائل القصيرة للإعلان عن مواقع ضحايا الهزة الأرضية المحتاجين للإنقاذ.

كما أطلقت الولايات المتحدة برنامجا لتسهيل التبرع بمبلغ عشرة دولارات للصليب الأحمر الهايتي الذي حصل على مساهمات من 31 مليون أميركي.

ونحن في وزارة الخارجية والوكالة الأميركية للتنمية الدولية نستمر في تطوير أساليب جديدة من أجل استخدام 4.6 مليارات هاتف نقال لتحسين حياة الناس الذين يسكنون في المناطق النائية وفي ظروف صعبة.

أدت الزيارات الخارجية التي قامت بها وفود أميركية مع خبراء في التقنية إلى أساليب واعدة لشراكات خلاقة في حقول مثل الزراعة والصحة، وعلى سبيل المثال ساعدت زيارة إلى روسيا في تمهيد الطريق أمام شراكة عامة خاصة سميت "تكست فور بيبي" التي ستوفر استخدام هاتف نقال من قبل النساء الحوامل والأمهات الجديدات، لتلقي مساعدات صحية عبر هواتفهن النقالة والسماح لهن بمراقبة حملهن.

بالنظر إلى القوى التي ستشكل السياسات العالمية في المستقبل، يصبح من الجلي تأثير ظروف الحياة الاجتماعية على أهداف الأمن القومي الأميركي، وفي الوقت الذي تترأس فيه وكالة التنمية الدولية عمال التنمية الأميركية في الخارج، فإن موظفي وزارة الخارجية حاليا -من السفراء والخبراء في مجال الخدمة المدنية- يجب أن يكونوا أفضل تنظيما ويشاركوا بشكل أكبر في قضايا التنمية.

ولهذا السبب طالبت بلجنة لمراجعة برامج المساعدة الأميركية في أفغانستان وباكستان للتأكد من تناغمها مع الأهداف الأميركية الإستراتيجية، وأرسلت سفيرين محنكين لتنسيق المساعدات الأجنبية في كابل وإسلام آباد.

إن مقاربة شاملة تعتبر جوهرية للمشاركة الأميركية في العديد من المناطق، ففي المكسيك على سبيل المثال تستمر الولايات المتحدة في دعم مساعي تنفيذ القانون من أجل القبض على أعضاء عصابات المخدرات وتقديمهم إلى القضاء، ولكنها بدأت في المرحلة التالية من مبادرة ميريدا بالعمل مع الشركاء المكسيكيين في الحكومة والتجار والمجتمع المدني من أجل تعزيز الأنظمة القضائية وتشجيع "ثقافة القانون" في المجتمعات المحلية.

عندما تعمل العناصر المختلفة من القوة المدنية الأميركية بشكل متماسك -كما يجري في العديد من السفارات عبر العالم وعلى أفضل الأحوال في واشنطن- فإن التأثير القوي لخدمة مدنية عالمية تصبح بادية للعيان.

لا توجد ضمانة بأن هذه المقاربة الشاملة يمكنها تحقيق كافة الأهداف -خاصة حينما تكون التحديات كبيرة ومعقدة كما هي الحال في أماكن مثل هايتي وباكستان أو اليمن- ولكنها البديل الأفضل بين يدينا وعلينا الاستمرار فيها.

"
سنتأكد من أن دولارات دافع الضرائب الأميركي لا تذهب هدرا، وذلك عن طريق جمع قاعدة بيانات والقيام بفحص مؤشرات التنمية قبل البدء بتنفيذ المشاريع حيث سنقوم بتكرار الناجح منها وزيادتها، أما في الحالات غير الناجحة فسوف نعترف بذلك ونتعلم من فشلنا
"
تأثير التنمية القوي

توجه لي أحيانا أسئلة عن أهمية التنمية بالنسبة للسياسة الأميركية الخارجية، ولماذا تنفق الولايات المتحدة أموالا على أناس وراء البحار في الوقت الذي تواجه فيه تحديات اقتصادية داخل بلادها.

وبالرغم مما يبدو من تعارض لذلك مع المنطق أو الإدراك العام، فإن الجواب هو أن التنمية حينما تتم بكفاءة تعتبر إحدى أفضل الوسائل لتعزيز استقرار وازدهار الولايات المتحدة، وبإمكانها تقوية الدول الهشة أو الفاشلة ودعم بروز شركاء أقوياء يمكنهم المساعدة في حل المشاكل الإقليمية والعالمية وتعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان.

وعلى وزارة الخارجية ووكالة التنمية الدولية -باعتبارهما ممثلتين لدافع الضرائب الأميركي- أن تتحليا بالنظرة الإستراتيجية، وهما تتابعان أكثر الاحتياجات الملحة واتخاذ القرارات المبنية على الدليل القاطع لضمان أن تؤتي الاستثمارات أكلها.

وعلينا الاستمرار في التركيز على المدى البعيد، وليس ببساطة تلبية الحاجات الملحة الآنية للسكان، لبناء الأسس لغد أكثر رخاء وازدهارا.

وعلى ضوء أخذ ذلك في الحسبان فإن التوجيهات الإدارية للسياسة الرئاسية بخصوص التنمية التي أصدرها الرئيس أوباما في سبتمبر/ أيلول -وهي الأولى من قبل أي رئيس أميركي- تؤكد على أهمية اختيار دول ذات حكومات تتحلى بالمسؤولية، وفيها ظروف مناسبة للتنمية والعمل ضمن عدد أصغر من القطاعات المستهدفة في كل دولة من أجل الحصول على أفضل النتائج، وهي تؤكد أنه يجب تنسيق المساعدات مع التجارة والمال وضمانات الاستثمار وغيرها من السياسات الاقتصادية لتعزيز الأسواق الصاعدة وتقوية وانتشار النمو الاقتصادي واستمراره.

فالنمو الاقتصادي هو الطريق الأفضل للخروج من دائرة الفقر وتوسيع وتقوية الطبقات الوسطى في مختلف أنحاء العالم وسيكون المفتاح لإيجاد نظام دولي عادل ومستمر، وهو ما يقع في صميم إستراتيجية الأمن القومي الأميركي.

تنظر المراجعة التي تتم كل أربع سنوات إلى التنمية على أنها تقدم مساعدة لتعزيز وخدمة المصالح الأميركية وقيم الولايات المتحدة، وعلى الدولة النامية أن تكون مسؤولة عن وضع أهدافها الخاصة لتلبية أهدافها واحتياجات مواطنيها.

وتأتي الحكومة الأميركية إلى الطاولة كشريك وليس كسيد، وتوفر الموارد والخبرة وفي نهاية المطاف تنفض يديها من العملية حينما يصبح البلد المستضيف بإمكانه البقاء معتمدا على نفسه.

واليوم تضع إدارة أوباما هذه الشراكة نموذجا تتم ممارسته في اثنتين من المبادرات الموقع عليها التي تم الإعلان عنها خلال العام الماضي، وهما مبادرة الصحة العالمية ومبادرة قوت المستقبل التي تعتبر جزءا من مبادرة الإدارة الأوسع الخاصة بالأمن الغذائي.

تعترف مبادرة الصحة العالمية بأن الوضع الصحي في العديد من الدول النامية قد تحسن عبر السنين، ويعود ذلك جزئيا إلى خطة الرئيس جورج دبليو بوش لمساعدة المصابين بالإيدز وكذلك مبادرته الخاصة بالملاريا علاوة على مساهمات العديد من الدول والمنظمات الأخرى، ولكن هذه الصورة الحافلة لا تحسن بالضرورة الحصيلة الصحية بصورة فاعلة أو على المدى الطويل.

الهدف الأساسي لمبادرة الصحة العالمية هو وضع حد للرعاية المعزولة والمتقطعة عن طريق الربط بين مبادرة الرئيس لمساعدة مرضى الإيدز ومبادرة مكافحة الملاريا من جهة، وبرامج تتعلق بالأمومة وصحة الطفل والتخطيط الأسري والأمراض الاستوائية المهملة وغيرها من القطاعات الصحية الهامة ضمن نظام رعاية متماسك وموحد ومنسق وقابل للاستمرار تتولى الدول المصابة بالعدوى نفسها مسؤولية تلك المهمات.

أما مبادرة "قوت المستقبل" فهي مبنية على نفس المبادئ، ومثال على ذلك بنغلادش التي تطور خطتها الخاصة بأمنها الغذائي والتي تعتمد جزئيا على استشارة منتدى شعبي يضم أكثر من خمسمائة ممثل من المجتمع المدني والأكاديميين والمؤسسات الفكرية والبحثية والقطاع الخاص.

وتمت مراجعة الإستراتيجية من قبل خبراء فنيين مستقلين كما تعرضت لمزيد من التنقيح من قبل زعماء قوميين وغيرهم من الخبراء، كما تطور الولايات المتحدة خطة استثمار دعما لإستراتيجية بنغلادش بالتعاون الكامل مع الحكومات والمانحين الدوليين.

هذه هي الحال التي تبدو عليها الشراكة خلال التطبيق والممارسة, فمن شبه المؤكد أن الحكومات الشريكة ربما تختار القيام بالأعمال بطريقة ربما تختلف عن طريقة ترتيب الولايات المتحدة، وربما يتطلب التدقيق والاستثمار في خطط تلك الحكومات وقتا أطول مما لو قمنا بتقديم الخدمات بأنفسنا، ولكن النتيجة تعد بإستراتيجية قابلة للبقاء ستستمر حتى انتهاء المساعدات الأميركية.

كما تركز لجنة المراجعة التي تتم كل أربع سنوات على الجانب الدبلوماسي لسياسة تنمية فعالة مطالبة بإقامة عرى أكثر قوة وأكثر منهجية بين وزارة الخارجية والوكالة الأميركية للتنمية سواء في واشنطن أو على الميدان.

"
ستتولى وزارة الخارجية الزعامة في الأزمات السياسية المعقدة بينما تتولى الوكالة الأميركية للتنمية الدولية الزعامة في الرد على الكوارث معتمدة على قدرتها على توفير إمدادات الإغاثة والإنقاذ الميداني خلال24 ساعة من حدوث الكارثة
"
يمكن للدبلوماسية مساعدة سياسة التنمية بطرق مختلفة، وكان أكثر المساعي الدبلوماسية الأميركية أهمية تلك التي جرت مع الصين في السنوات الأخيرة، وهي الحوار الإستراتيجي والاقتصادي الذي يشمل مناقشات على مستوى رفيع بخصوص التنمية وما يعنيه ذلك بالنسبة لمساعي الدولتين الخاصة والشاملة في أفريقيا وأماكن أخرى.

وقبل مؤتمر الدول الثماني الذي عقد في لاكويلا في إيطاليا عام 2009، مكنت مشاركة إيطاليا عالية المستوى مع الحكومات الشريكة، الولايات المتحدة من تأمين عشرين مليار دولار كالتزامات دولية من أجل تطوير الأمن الغذائي وتأسيس ائتلاف من دول ترغب في المساهمة.

وفي مؤتمر قمة الدول الأميركية الذي عقد العام 2009، أطلق الرئيس أوباما شراكة الطاقة والمناخ مع الدول الأميركية، مما جمع بين كافة الحكومات المنتخبة ديمقراطيا في نصف الكرة للعمل قدما نحو هدف توفير مصادر طاقة نظيفة ومتجددة وغير باهظة الكلفة.

وفي هذا السياق -وكجزء منه- تساعد الولايات المتحدة والبرازيل أفقر سبع دول بالطاقة من دول أميركا الوسطى والكاريبي لتطوير مصادر الوقود الحيوي لديها، مما سيشجع تنمية اقتصادية قابلة للاستمرار وتكامل إقليمي والمساعدة في التقليل من الاعتماد على النفط الفنزويلي.

كما أن الدبلوماسية والتنمية يمكن أن تعزز إحداهما الأخرى بطريقة متبادلة في حالة ترتيب الحكومة الأميركية لبيتها، والخطوة الأولى هي التحرك إلى ما وراء ما يعرف بخط المدخنة واستخدام كافة المواهب والخبرات المتوفرة في الحكومة الفيدرالية، فمبادرة الصحة العالمية على سبيل المثال يترأسها بشكل مشترك كل من مدير وكالة التنمية الدولية والمنسق الأميركي لمبادرة مكافحة الإيدز العالمية ومدير المراكز للوقاية من الأمراض ومكافحتها وتلك الوكالات تعمل مع وزارة الصحة والخدمات الإنسانية والمعاهد القومية للصحة وفرق السلام، تحت إشرافي الكامل وتوجيهاتي، وهذه البنية القيادية الفذة تقوي وتعزز التنسيق على كافة المستويات بدءا من البيت الأبيض وما دون.

توصي اللجنة الرباعية كذلك بإصلاحات معينة داخل الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، وقد بدأ العمل في بعضها وأعد مدير الوكالة الأميركية للتنمية الدولية راجيف شاه مجموعة جريئة من العمليات التي تحظى بالأولوية، سميت "وكالة التنمية الدولية إلى الأمام" وقد صممت لجعل الوكالة أكثر فعالية وكفاءة، ولجعلها شفافة ومعرضة للمساءلة, وبالتنسيق مع توصيات اللجنة الرباعية، فإن وكالة التنمية الدولية إلى الأمام تركز على المشتريات والأشخاص والسياسة.

وتهدف الإصلاحات في مجال المشتريات إلى بناء القدرات المحلية في دول تعمل فيها الولايات المتحدة عن طريق اجتذاب مجموعات موهوبة وذات خبرة من أرباب العمل الصغار والمنظمات غير الحكومية.

وعلى سبيل المثال يوجد في السنغال ما يزيد على 1400 مما يعرف بأكواخ الصحة، حيث يتم تدريب العاملين المحليين الصحيين من قبل وكالة التنمية الدولية الأميركية لتوفير المعالجة الأساسية التي كثيرا ما تنقذ الأرواح وتقلل التكاليف وتقرب البلاد من اليوم الذي لا تعود فيه المساعدة الأميركية ضرورية.

لإصلاح السياسة، أوجدت وكالة التنمية الدولية مكتبا جديدا للسياسة والتخطيط والتعلم، ويجب ألا تكون مدلولات التنمية مجرد فكرة غامضة ولكن يجب أن تصبح حقيقة، ولن يكون معيارنا لاستثماراتنا عدد البرامج الموجودة، ولكن عدد الأطفال الذين تتم تغذيتهم وتحصينهم باللقاحات وعدد الأشخاص الذين يستفيدون من توصيل المياه النظيفة والكهرباء والمدرسين والدواء أو الوظائف.

كما أننا سنتأكد من أن دولارات دافع الضرائب الأميركي لا تذهب هدرا، وذلك عن طريق جمع قاعدة بيانات والقيام بفحص مؤشرات التنمية قبل البدء بتنفيذ المشاريع حيث سنقوم بتكرار الناجح منها وزيادتها، أما في الحالات غير الناجحة فسوف نعترف بذلك ونتعلم من فشلنا.

ستعتمد وكالة التنمية الدولية الأميركية على الابتكارات العلمية والتكنولوجيا من أجل المساعدة في العمل بشكل أفضل وأرخص وأسرع في السير نحو تحقيق تنمية ذات تأثير قوي, كما أن الهواتف الخلوية قد حولت حياة عدد لا يمكن حصره من سكان جنوب الصحراء الأفريقية.

وعليك تخيل حال العالم حين تتمكن شبكات الطاقة المتجددة من تزويد الناس الذين يعيشون حاليا في الظلام بالكهرباء أو في حال وجود المزيد من أصناف البذور المقاومة للجفاف لدى المزارعين في العالم النامي، وتصادق اللجنة الرباعية على إيجاد وكالة التنمية الدولية لمشاريع ابتكار تنموية حيث سيتم تمويل الحلول الخلاقة ونشرها ووضعها على محك التنفيذ.

مولت وكالة التنمية الدولية لتوها في تجربة مايكروبيسايد التي من شأنها تقليل انتقال فيروس مرض الأيدز بنسبة 30% وهذه انطلاقة أو اختراق رئيسي في منع انتقال فيروس الأيدز ويمنح النساء مزيدا من السيطرة والتحكم في حياتهن.

وقد وحدت وكالة التنمية الدولية الأميركية هي ومؤسسة بيل وميليندا غيتس جهودها لإيجاد عمليات مصرفية عبر الهاتف في هايتي بناء على برامج ناجحة فعالة في كل من آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، كما أن الوكالة الأميركية للتنمية الدولية توجه الدعوة إلى كبار العلماء والمقاولين للمساعدة في إيجاد وسائل سهلة وقليلة التكاليف لتوفير الماء النظيف واللقاحات وحواسيب رخيصة تخدم مدة طويلة ومولدات صغيرة وبدلات طبية وهواتف خلوية.

في الوقت الذي تبذل فيه وزارة الخارجية والوكالة الأميركية للتنمية الدولية هذه الجهود، سنقوم بتوسيع شراكاتنا، فمنذ عشرين سنة لم يكن لمجتمع التنمية وجود بعيدا عن أسوار وجدران الوكالة، أما اليوم فهي تضم زعماء تجاريين ومحبين للأعمال الخيرية ومؤسسات ومحامين، وكلهم يضيفون مهارات ورؤى جديدة.

وبنفس القدر من الأهمية هناك زعماء ريفيون ومجموعات متدينة وطلاب وغيرهم من الناشطين نذروا طاقاتهم ومشاعرهم للمجهود الإنساني، وهؤلاء المحامون والمقاولون راغبون في تحدي المعتقدات القديمة وإدخال نزعة جديدة إلى عملهم وسنتشارك معهم من أجل تحقيق نتائج.

بناء السلام والاستقرار
عمل المدنيون الأميركيون منذ مدة طويلة في مناطق النزاعات والدول الضعيفة أو الهشة، ولكن الدبلوماسيين الأميركيين وخبراء التنمية مطالبون الآن -للقيام بمهماتهم- بمعايير ومجالات غير مسبوقة, فمهمة أميركا في العراق هي قيادة مهمة كبيرة لدعم الشعب العراقي وهو يبني دولة ديمقراطية متعددة الإثنيات.

وفي نفس الوقت فإن الولايات المتحدة مسؤولة في أفغانستان عن المساعدة لتقليل قوة التمرد هناك وتحسين نظام الحكم وتوفير الاستقرار الذي سيستمر بعد عودة القوات الأميركية إلى بلادها.

وفي باكستان تقوم الولايات المتحدة بمساعدة الحكومة والمجتمع الذي ابتلي بكساد اقتصاد عالمي وكوارث طبيعية وعدم استقرار إقليمي، في الوقت الذي تدعم فيه مكافحة الإرهاب وحملة لمكافحة التمرد.

واليوم، فإن 20% من الكوادر الدبلوماسية الأميركية وحوالي 10% من خبراء التنمية الأميركيين موجودون في هذه البلدان الثلاثة، حيث ما زالت الديمقراطية غضة الإهاب، وحيث تكافح المؤسسات من أجل خدمة السكان المحليين، في مجتمع مقسم إثنيا أو دينيا بينما الأمن يعتبر مشكلة دائمة.

وبعيدا عن تلك الدول تعمل الولايات المتحدة من أجل استقرار الدول الهشة بدءا من الصومال والسودان إلى هايتي وقرغيزستان.

على ضوء هذا الوضع غير المسبوق تحتاج وزارة الخارجية لتوجيه أسئلة غير مسبوقة على النحو التالي: كيف سنحمي سفارتنا في بغداد وقنصليتنا في البصرة، في الوقت الذي نخطط فيه لفترة انتقالية في العراق قبل الانسحاب؟ وكيف سنضمن أمن خبراء إعادة البناء الذين عليهم العمل مع زملائهم العراقيين في القرى والبلدات في مختلف أنحاء البلاد؟ وكيف يمكننا إيجاد القوة البشرية اللازمة للوفاء بالتزاماتنا الحالية والمختلفة الكثيرة في العراق؟

كان للولايات المتحدة 170.000 من القوات بالعراق خلال فترة زيادة عدد القوات عام 2007، أما اليوم فهناك 50.000 من القوات مكلفة بمساعدة قوات الحكومة العراقية، وهناك نحو 1600 من المدنيين والدبلوماسيين وخبراء بمجال الاستقرار وإعادة البناء وخبراء أو مختصون بمجال التنمية في الميدان، يتولون مسؤولية المساعدة في انتقال العراق إلى ديمقراطية مستقرة ومزدهرة.

وبطريقة مشابهة هناك في أفغانستان تساهم الولايات المتحدة في إعادة البناء والتنمية بقيادة نحو 1100 من الدبلوماسيين والخبراء المدنيين الذين سيبقون بعد انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان.

"
حان الوقت لتجاوز الماضي والاعتراف بالدبلوماسية والتنمية كأولويات للأمن القومي وكاستثمار ذكي في استقرار وأمن الولايات المتحدة في المستقبل
"
تقول الأعداد شيئا مهما عن القوة المدنية والزعامة, فالمدنيون المدربون بشكل مناسب والمجهزون جيدا هم قوة مضاعفة، فدبلوماسي كفؤ أو خبير تنمية يمكنه أن ينتج ويؤثر بما يعادل عشرة من الشركاء المحليين، وعندما يقوم الشركاء المحليون ببناء قدراتهم وشبكات أعمالهم تصبح المجتمعات أكثر قوة ومرونة وتكيفا.

تعتمد الزعامة المدنية في مواجهة النزاع وعدم الاستقرار على تنظيم وتعزيز كامل إمكانيات ورصيد الحكومة الأميركية، وتحت زعامة السفراء الأقوياء وممثلي الوكالة وصل التعاون بين المدنيين الأميركيين من مختلف أنحاء الحكومة إلى مستويات جديدة في كل من أفغانستان وهايتي والعراق وباكستان وغيرها من الأماكن.

وتراهن واشنطن على خبرة المدنيين في وزارة الخارجية والوكالة الأميركية للتنمية ووزارة العدل والتجارة والمالية والأمن الداخلي والصحة والخدمات الإنسانية، ومراكز الوقاية من الأمراض والسيطرة عليها وغيرها من الوكالات.

ولا يمكن للولايات المتحدة أن تنجح في تلك الدول الهشة إن لم تكن تلك الوكالات تعمل يدا بيد، وهو ما يعني تنظيم الفروع الداخلية للحكومة الأميركية مع التركيز على التماسك والاندماج لحل المشاكل، وعلى سبيل المثال فإن مكتب الممثل الخاص لأفغانستان وباكستان الذي تمثل فيه ست عشرة وكالة، قد وجد للتغلب على تقسيمات وتفرعات الوكالة وتحقيق إستراتيجية شاملة.

كما أن لجنة المراجعة الرباعية تراهن على الموهوبين من فرق الرد المدني التي تمكنت من تحديد المئات من الخبراء المدنيين داخل الحكومة الذين يمكن نشرهم بسرعة في مناطق النزاعات أو الدول الهشة، وقد أرسلت حملة من فرق الرد المدني بها خبراء في الأمن والنزاعات إلى جنوب السودان حيث تقوم الولايات المتحدة بزيادة عدد المدنيين حول العاصمة الجنوبية جوبا استعدادا لاستفتاء يناير 2011 الذي سيقرر إن كان جنوب السودان سينفصل عن الشمال.

توصي لجنة المراجعة الرباعية بتأسيس فرق دبلوماسية للرد السريع واستثمار الخبراء المدربين بشكل خاص الذين بإمكانهم العمل بكفاءة لأمد طويل وسط النزاع وعدم الاستقرار.

ومنذ أن وضعت الحرب الباردة أوزارها قامت وزارة الخارجية والوكالة الأميركية للتنمية الدولية بشكل مستمر بتنفيذ مهمات في مناطق صعبة وخطيرة من لبنان إلى البوسنة إلى تيمور الشرقية، وفي تحرك إلى الأمام ستؤسس كلتا الوكالتين إطار عمل مشترك وخطة للرد تمكنهما من العمل بكفاءة أكثر مع الوكالات الأخرى.

وفي هذا الإطار ستتولى وزارة الخارجية الزعامة في الأزمات السياسية المعقدة، بينما تتولى الوكالة الأميركية للتنمية الدولية الزعامة في الرد على الكوارث معتمدة على قدرتها على توفير إمدادات الإغاثة والإنقاذ الميداني خلال24 ساعة من حدوث الكارثة.

في اليمن، تقوم السفارة الأميركية بالعمل على معالجة الأحوال الاقتصادية السيئة وما يخلفه الفقر من حرمان في بلد شهد مؤخرا حركة انفصالية في الشمال وتهديدا مستمرا من قبل القاعدة في شبه الجزيرة العربية.

وقد تشكل منتدى من أصدقاء اليمن ومنظمات متعددة الجنسيات، وهو يعمل مع الحكومة اليمنية لإيجاد حلول عملية لمشاكل البلاد من خلال جهود مركزة لاستقرار المجتمعات المحلية الهشة وخلق فرص للنمو الاقتصادي.

وتحاول الولايات المتحدة مساعدة الحكومة اليمنية على توفير خدمات أفضل لمواطنيها والحيلولة دون اندلاع النزاع حيث تقوم لجنة المراجعة الرباعية بتحديد المزيد من المواقع أو الأحوال التي تحتاج إلى نشر الفرق المدنية على جناح السرعة، وكذلك خبراء في مجال الاستقرار وإعادة البناء والمختصين في شؤون التنمية الذين بإمكانهم تلبية احتياجات الولايات المتحدة في مناطق مثل السودان أو اليمن بالتزامن مع مساع أكبر في بلدان أخرى.

لا يتولد الإرهاب من الفقر والقمع بشكل أوتوماتيكي، ولكن البلدان الفقيرة والفاسدة التي لا يطبق فيها القانون والغارقة في دورات عنف متكررة تصبح أكثر احتمالا لأن تكون ملاذا للإرهابيين والمجرمين الآخرين.

وقد عملت القاعدة في البداية انطلاقا من السودان وفجرت السفارتين الأميركيتين في كل من كينيا وتنزانيا قبل الهجرة إلى أفغانستان، البلد المشهور بفقره وكثرة وفيات الأطفال فيه وحكومة طالبان القمعية، وعليه فليس صدفة أن تكون القاعدة الأكثر نشاطا في الدول غير المتطورة مثل مالي وموريتانيا والنيجر وباكستان والصومال واليمن.

علاوة على الإرهاب والتطرف العنيف هناك عصابات المخدرات والمجرمين الذين يتم تمويلهم عن طريق الاستثمار غير الشرعي للثروات الطبيعية، كما أن العنف الجنسي المبني على الذكورة أو الأنوثة يمكنه كذلك تقويض الحكومات بطرق تكون لها تداعيات خطيرة على منطقة بأكملها.

من الجانب الإيجابي، فقد عملت القوة المدنية بكفاءة مع القوات المسلحة لمنع النزاع والمساهمة في نشر الاستقرار، ففي ليبيريا حينما اشتدت حدة القتال بين مجموعات الثوار وقوات الحكومة برئاسة تشارلز تيلور وتدهور الوضع الإنساني، بذلت الولايات المتحدة جهودا دبلوماسية مكثفة -بما في ذلك المطالبة علنا باستقالة تيلور وكذلك نشر قوات عسكرية في المنطقة- لشد أزر جهود حفظ السلام التابعة للمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا.

ومهدت استقالة تيلور الطريق أمام التوصل إلى اتفاقية سلام شامل أدت إلى انتهاء النزاع الليبيري وأعدت الساحة أمام جهود الاستقرار وإعادة البناء، وتستمر كل من الأمم المتحدة والولايات المتحدة في الشراكة مع ليبيريا، وهي تقوم بإعادة البنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية التي دمرت بفعل سنوات من النزاع.

"
عن طريق التوازن الصحيح بين القوة العسكرية والمدنية، تستطيع الولايات المتحدة خدمة ورعاية مصالحها وقيمها وتزعم ودعم الدول الأخرى في حل المشاكل العالمية
"
إن تحقيق عالم أكثر استقرارا وسلما سيعتمد على نجاح كافة أنماط المهمات، من العراق إلى أفغانستان إلى غرب أفريقيا وقدرة الولايات المتحدة وغيرها من الدول على القيام بالمزيد منها.

على الشعب الأميركي أن يفهم أن إنفاق دولارات دافع الضرائب الأميركي على الدبلوماسية والتنمية يصب في مصلحتهم، خاصة حينما تدعم مثل تلك الاستثمارات المهمات في مناطق النزاع والدول الهشة والدول التي يمكنها لعب دور مسؤول في مناطقها وفي العالم، وعلى الكونغرس الذي لديه سجل طويل وحافل في تقديم الدعم للدبلوماسية التقليدية والتنمية من قبل كلا الحزبين، أن يثمن ويقدر مدى ما تقوم به مهمات إعادة البناء والاستقرار التي يطلب من المدنيين الأميركيين تنفيذها.

وقد خصص مجلسا الشيوخ والنواب مئات المليارات من الدولارات للمهمات أو الحملات العسكرية في كل من العراق وأفغانستان، أما النشاطات الدبلوماسية والتنموية هناك فتشكل جزءا من تلك التكاليف ولكن تمويلها غالبا ما تعيقه النقاشات القديمة التقليدية حول المساعدات الخارجية.

وقد حان الوقت لتجاوز الماضي والاعتراف بالدبلوماسية والتنمية كأولويات للأمن القومي واستثمار ذكي في استقرار وأمن الولايات المتحدة في المستقبل، ويمكن لتك المهمات أن تنجح لكن فقط بزعامة الكونغرس ودعمه الضروري، وعلى الكونغرس أن يوفر التمويل الضروري فورا.

أفرع القوة المدنية
إن التركيز على القوة المدنية يتماشى مع تاريخ وتقاليد أميركا، إذ كانت خطة مارشال مبادرة تنمية مدنية تم تنفيذها مع الحكومات الأوروبية، وترأس إلينوي روزفلت لجنة الصياغة التي تمخضت عن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان قبل عقود من بروز ما يعرف بالقوة الناعمة.

أما الرئيس جون كنيدي فقد أنشأ فرق السلام ليري العالم الوجه الآخر والمختلف للولايات المتحدة، كما أن العالم الأميركي نورمان بورلاغ كان مسؤولا عن "الثورة الخضراء" التي وفرت الطعام لملايين الناس الجائعين، كما ساعد دبلوماسيو الولايات المتحدة في التفاوض من أجل إعادة توحيد أوروبا عام 1991 دون إطلاق رصاصة واحدة، في الوقت الذي حظي فيه الأميركيون بإعجاب العالم بسبب وجود روح الابتكار والإبداع لديهم، ووفرة النوايا الحسنة واعتقادهم الراسخ أن التقدم التكنولوجي والاجتماعي والسياسي يمكن ويجب أن يستخدم لتحسين حياة البشر في مختلف أنحاء العالم.

ويجسد الرجال والنساء الأميركيون الذين تطوعوا للعمل في القوات المسلحة الأميركية هذه الروح، وكذلك العدد المتزايد من الأشخاص الذين يعملون للوكالات المدنية التي تسهر على المصالح الأميركية حول العالم.

وعن طريق التوازن الصحيح بين القوة العسكرية والمدنية، تستطيع الولايات المتحدة خدمة ورعاية مصالحها وقيمها وتزعم ودعم الدول الأخرى في حل المشاكل العالمية، وإقامة علاقات شراكة وتنمية مع حلفائها التقليديين والقوى الصاعدة حديثا، كما يمكننا الارتقاء إلى مستوى تحديات العالم في القرن الحادي والعشرين والنجاح في اختبارات زعامة أميركا للعالم.

المصدر : فورين أفيرز