انسحاب القوات الأميركية من الشرق الأوسط سيخفف حدة الهجمات "الإرهابية" (الفرنسية)

أوردت صحيفة كريستيان ساينس مونيتور تعليقا لجيفري إيه ميرون المحاضر ومدير الدراسات الجامعية بجامعة هارفرد الأميركية وعضو معهد كاتو لبحوث السياسة العامة، يرى فيه أن زيادة الإجراءات الأمنية بالمطارات لن تجدي كثير نفع لوقف من سماهم الإرهابيين، وإنما ما سيوقف "الإرهاب" هو مغادرة الشرق الأوسط. كما إن إنهاء التدخل الأميركي، بما في ذلك التأييد العسكري لإسرائيل، يمكن أن يقلل بدرجة كبيرة من منطق اللجوء للأعمال "الإرهابية".

ويرى الكاتب أن ثناء ومصادقة أسامة بن لادن على محاولة الهجوم على طائرة ديترويت الأميركية مؤخرا وكذلك الهجمات الأخيرة في بغداد نذير شؤم بجولة جديدة من الهجمات ضد الولايات المتحدة، ما جعل الساسة وخبراء الأمن والمثقفين يدعون لتشديد الإجراءات الأمنية في المطارات وعلى الطائرات.

"
الإجراءات الأمنية في المطارات لن تنفع دون معالجة الأسباب المؤدية للهجمات التي تستهدف أميركا. فقد تمنع الإجراءات الأمنية بعض الهجمات على الأقل حتى يتعلم المهاجمون التحايل عليها
"
وقال إن هذه الإجراءات الأمنية لن تنفع دون معالجة الأسباب المؤدية لهذه الهجمات كبداية، فقد تمنع الإجراءات الأمنية الإضافية بعض الهجمات على الأقل حتى يتعلم المهاجمون التحايل على السياسات الجديدة. لكن هذه الإجراءات سيكون لها تأثير قليل كما هو الحال في كثير من الأساليب السابقة، لأنها لا تفعل شيئا لتقليل الإقبال على مهاجمة الولايات المتحدة. وإذا لم تقلل الرغبة في الانخراط في نشاط معين فإن محاولات زيادة تكاليف هذا النشاط لا تهم كثيرا.

ولنتأمل الأدلة المتاحة عن السياسات الحالية تجاه المخدرات والدعارة والهجرة. ففي كل حالة تحاول السياسة حظر أو تقييد النشاط على أمل زيادة تكاليف توفيرها. وفي الوقت نفسه لا يبذل كثير جهد لتقليل الإقبال على نشوة الثمالة والجنس والحصول على دخل أكبر.

وعليه فإن المحصلة النهائية هي أن المخدرات والدعارة تصير متاحة إلى حد بعيد، ويقدر عدد المهاجرين غير الشرعيين في الولايات المتحدة بما لا يقل عن تسعة ملايين.

بالتأكيد قد تقلل القوانين الحالية هذه النشاطات إلى حد ما، لكن التأثير النهائي يبدو قاصرا لأن الرغبة في الغالب تفوق القانون. ومن السهل جدا الالتفاف حول القانون. وباستطاعة المخدرات والمهاجرين غير الشرعيين الدخول إلى البلد عبر الحدود الطويلة وعن طريق البحر أو الجو أو الطرق البرية.

ومن ثم لا تستطيع الحكومة فعليا تقليل استخدام المخدرات أو الدعارة أو الهجرة بزيادة العقوبة، لأن الأمر ببساطة هو: إذا كان الإقبال شديدا فستستوعبه الأسواق السرية.

وقال الكاتب إن نفس الشروط المقوضة لسياسات العرض ضد المخدرات والدعارة والهجرة تنطبق على سياسة مكافحة ما يسمى الإرهاب، فهناك أهداف إرهابية محتملة كثيرة جدا وكذلك أساليب شتى للإرهابيين لتجديد أساليبهم كي تعالجها الحكومة الأميركية بجدية بطريقة هادفة.

لكن في حين أن ليس الجميع في أميركا يتفقون على أن المخدارت والدعارة والهجرة أمر ينبغي معالجته، يريد كل الأميركيين خفض عدد الناس أو المنظمات التي تسعى لارتكاب أعمال إرهابية ضد الولايات المتحدة، وهذا هو الطلب بالمصطلح الاقتصادي.

انسحاب سريع
وتساءل ميرون عما يمكن للولايات المتحدة أن تفعله لخفض هذا الطلب، وأجاب بأنه يتلخص في انسحاب سريع للقوات الأميركية من العراق وأفغانستان ودول شرق أوسطية أخرى، إضافة إلى وقف المعونة الاقتصادية والعسكرية لإسرائيل ومصر وباكستان وبقية المنطقة. كذلك فإن تقنين زراعة الأفيون في أفغانستان، كي يستطيع الفلاحون الأفغان زراعة محاصيلهم في أمان سيكون له أثر كبير أيضا في تهدئة التوترات.

وإنهاء تدخل أميركا في الشرق الأوسط شرط لازم لتقليل الهجمات ضدها، لأن الاستياء الإسلامي يأتي مباشرة من هذا التدخل. وحقيقة أن كل الهجمات واقعيا ضد الولايات المتحدة منذ 9/11 كانت تستهدف القوات الأميركية في الشرق الأوسط بدلا من أهداف على أرض أميركا، إنما تؤكد الهدف الأساسي لجعل الولايات المتحدة تغادر المنطقة. وبالطبع فإن إنهاء التطفلات الأميركية في الشرق الأوسط لن تمحو الكراهية للولايات المتحدة.

وبعض المسلمين، كبعض غير المسلمين، يكرهون أميركا فقط لأنها غنية وقوية. لكن إنهاء التدخل الأميركي، الذي الذي لا يعد معتدلا أو عرضيا ولكنه متغلغل ومستشر، سيساعد في تحقيق خفض كبير في الطلب على الأعمال الإرهابية ضد الولايات المتحدة. وهناك أمثلة عديدة لتوضيح هذا الرأي.

فالهجمات الإرهابية ضد بريطانيا على سبيل المثال كانت متركزة تاريخيا ضد أهداف في الشرق الأوسط والهند، لكنها توقفت عندما رحل الإنجليز.

وبالطبع فإن انسحاب أميركا من الشرق الأوسط يجب أن يسير ببطء كاف لحماية المعدات والقوات الأميركية وتجنيب المواطنين الخطر. وهذا الانسحاب قد يزيد العنف وعدم الاستقرار في البداية، عندما تحاول الفصائل الباقية تعزيز سلطتها.

لكن الوضع الحالي مزعزع ومستعر فعلا، ومع الوجود الأميركي المستمر يبدو أن الوضع سيستمر، لذا فإن غياب أميركا هو بمنزلة وصفة لألم قصير الأجل لكن المكسب أطول أجلا.

وقد يرى بعض المراقبين رحيل أميركا بطريقة سلبية لأنها تبدو كأنها تترك مهمة غير منجزة. لكن كثيرين سيقرون بأن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على القيام بأي شيء جديد، ولذلك يثنون على الحس السليم في تقليل الخسائر.

ومع ذلك ليس كل ما سبق يعني أن كل أساليب مكافحة ما يسمى الإرهاب غير حكيمة. لكن هذه الأساليب يمكن أن تفعل الكثير طالما بقيت الرغبة قوية في مهاجمة أميركا.

وختم الكاتب مقاله بأنه يجب على الولايات المتحدة أن تدافع عن نفسها ضد الإرهاب، لكنها يجب أن تفعل ذلك باستخدام أساليب عملية. فعندما يقوم فريق في السياسة الأميركية بتأجيج لهيب الكراهية المناوئة لأميركا يواجه فريق آخر معركة خاسرة في محاولة حماية البلد.

المصدر : كريستيان ساينس مونيتور