حيرة الأميركيين حول السياسة المثلى تنعكس في آراء المفكرين وصناع القرار هناك (رويترز)

أجرى رئيس تحرير دورية "نيو برسبكتيف" الأميركية مقابلتين مع مفكرين أميركيين بارزين عكستا تباينا في آرائهما بشأن أفغانستان, إذ حذر أحدهما من تحول الحرب هناك شيئا فشيئا إلى مقاومة ضد قوة أجنبية غازية, في حين رأى الآخر أنها حرب تستحق تضحية الأميركيين من أجلها وأن بإمكانهم تحمل استمرارها إلى الأبد.

وقد طرح ناتان غاردلس نفس الأسئلة على كل من مستشار الأمن القومي الأميركي السابق زبغنيو بريجنسكي والأستاذ بجامعة جونز هوبكنز وصاحب كتاب "نهاية التاريخ, والإنسان الأخير" فرانسيس فوكويوما.

"
الخطر الذي يواجه الأميركيين في أفغانستان وباكستان هو أن الناس بدؤوا في كلا البلدين ينظرون لحركة طالبان بوصفها حركة مقاومة ضد محتل أجنبي كافر غالبية عناصره من الأميركيين
"
بريجنسكي
وتمحور أول سؤال يطرحه عليهما حول المخاوف المتزايدة من تحول المهمة الأميركية في أفغانستان إلى مهمة إعادة بناء بلد واضطلاع بالتزامات طويلة الأمد في المكان الخطأ, خصوصا بعدما أجمع مسؤولو الاستخبارات على أن تنظيم القاعدة الذي كان وجوده بأفغانستان مبرر واشنطن لغزو هذا البلد في المقام الأول قد تحول إلى باكستان.

بريجنسكي يرى أن الخطر الذي يواجه الأميركيين في أفغانستان وباكستان على حد سواء هو أن الناس بدؤوا في كلا البلدين ينظرون أكثر فأكثر لحركة طالبان بوصفها حركة مقاومة ضد محتل أجنبي "كافر" غالبية عناصره من الأميركيين.

ويضيف أن السوفيات أصبحوا بعد سنة من غزوهم لأفغانستان يوصمون بالمحتل الأجنبي الكافر, قائلا إن الأميركيين إن لم يتوخوا الحذر فستكون صورتهم في ذهن الأفغاني مثيلة لصورة السوفيات, عندها سيكون ذلك بمثابة "هزيمة إستراتيجية".

فوكوياما: صواب
وعلى نقيض ذلك يرى فوكوياما أن ما تقوم بها أميركا في أفغانستان هو عين الصواب, ويؤكد أنها إنما تنفذ إستراتيجية جيدة لمواجهة التمرد, يقول إنها تستهدف كسب العقول والقلوب، وهو ما يتطلب حسب رأيه خلق الظروف للحكم الرشيد للبلاد.

وتمحور سؤال غاردلس الثاني حول طول نفس الأفغان في الحرب وأنهم قد يتحاشون مواجهة الأميركيين بعد زيادة قواتهم في بادئ الأمر ثم يتحينون الفرصة المناسبة لمعاودة القتال من جديد.

هذا ما يرى بريجنسكي أنه مبرر لانطلاق الأميركيين في تعاملهم مع التمرد من الحقائق السياسية الأفغانية التقليدية المعقدة واضعين في الحسبان أن طالبان ليسوا كلهم ملتزمين بتعهد خاص للقاعدة, ومبرر كذلك لأخذ المصالح الجيوسياسية لباكستان في الاعتبار لإقناع جيشها بالعمل جدياًّ على وقف تدفق المقاتلين عبر الحدود مع أفغانستان.

"
ما تقوم بها أميركا في أفغانستان عين الصواب, وهي تنفذ إستراتيجية جيدة لمواجهة التمرد تستهدف بها كسب العقول والقلوب، وهو ما يتطلب خلق الظروف الملائمة للحكم الرشيد للبلاد
"
فوكوياما

أما فوكوياما فيعتبر أن المهم هو تعزيز قوة الدولة الأفغانية, ويرى أن أميركا لم تقم بما يكفي لمساعدة جيش أفغانستان في التقدم نتيجة قلة عنايتها به ومحدودية الموارد التي خصصتها له, وكذلك نتيجة البدايات المتعثرة لها في هذا البلد, خاصة فيما يتعلق بالشرطة, لكن فوكوياما يرى أنه لا يزال بمقدورها ملء ذلك الفراغ.

أما سؤال غاردلس الثالث فكان "لماذا لا تقتصر أميركا على تعقب القاعدة كما نفعل بالصومال واليمن- بدل محاولة تغيير أفغانستان, الأمر الذي قد يتطلب عقودا من الزمن؟".

هذا هو بالفعل -يجيب بريجنسكي- ما يجب على الأميركيين القيام به, لكنه يرد بسؤال آخر: بما أن القاعدة يمكنها أن تعيد التمركز في هذا البلد أو ذاك, فهل نحن مطالبون بشن حروب طويلة على كل بلد يختبئ فيه عناصره؟

ويتساءل فوكوياما ردا على سؤال آخر للمحرر عما إذا كانت "مصالحنا ستخدم على نحو أفضل لو خرجنا من أفغانستان أو لو بقينا فيه", ويرد بتفضيل البقاء.

المصدر : كريستيان ساينس مونيتور