الإستراتيجية الأميركية بأفغانستان لم تتضح بعد معالمها (رويترز-أرشيف)

يبدو أن خيارات واشنطن وحليفاتها التي تقاتل معها حركة طالبان بأفغانستان أصبحت محصورة بين السيئ والأسوأ, فرجال الإعلام وكذا الساسة في هذه البلدان منهمكون في استقراء الوضع الميداني وسبر الإستراتيجيات الممكنة على الأقل لصيانة ماء الوجه بعد أن تفاقمت خسائر قواتهم بأفغانستان وتراجع تأييد شعوبهم لهذه الحرب.

فلا تكاد تجد صحيفة أميركية خالية في صفحتها الأولى من افتتاحية أو تحليل أو مقال أو تقرير عن الوضع في أفغانستان, فمن محذرة من الخطوات الخجولة في التعامل مع هذه الحرب كصحيفة يو أس أيه توداي, إلى داعية لاستثمار المزيد من الوقت والمال والدم لضمان عدم تحول أفغانستان من جديد إلى مصدر تهديد للمصالح الأميركية كمجلة نيوزويك.

وفي المقابل, فإن مما نشرته تلك الصحف والمجلات تقارير تدعو لرسم خطة انسحاب من هذا البلد ترتكز على مدى النجاح في تفكيك تنظيم القاعدة وهزيمته في كل من أفغانستان وباكستان.

"
الحديث عن زيادة عديد القوات الأميركية بأفغانستان سابق لأوانه
"
بايدن/كريستيان ساينس مونتور
الموقف الرسمي
وهنا تبرز أهمية معرفة موقف أهم الأشخاص الذين يفترض أن يصغي لهم الرئيس الأميركي باراك أوباما صاحب القرار الأخير حول هذه الحرب, وقد رصدت صحيفة كريستيان ساينس مونتور آراء خمسة أشخاص هم أهم مساعدي أوباما فيما يتعلق بالصراع الأفغاني.

تقول الصحيفة إن نائب الرئيس الأميركي جوزف بايدن هو أكثر هؤلاء المسؤولين معارضة لتوسيع الحرب بأفغانستان, فقد طالب في إحدى مقابلاته الإعلامية بالتروي والانتظار.

وأشار في هذا الإطار إلى أن 21 ألف جندي إضافي التي وافق أوباما على إرسالها إلى أفغانستان في مارس/آذار الماضي لم يضطلعوا بعد بكل مهامهم, قائلا "إنهم في طور الانتشار في مواقعهم", ومعتبرا أن الحديث عن زيادة عدد القوات "سابق لأوانه".

وليس رأي وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون ببعيد من رأي بايدن, فهي تقول إنها مستعدة تماما كأوباما لدراسة أي خيار يضمن أن يظل تنظيم القاعدة تحت السيطرة.

ولا ترى كلينتون أن ذلك يرتبط ضرورة بزيادة القوات, بل تقول إن "هناك خبراء عسكريين مرموقين, ممن لديهم خبرة فائقة في التصدي لأنواع التمرد لا يؤيدون تقييم الجنرال ستانلي ماكريستال الداعي إلى إرسال مزيد من القوات إلى أفغانستان, بل يؤيدون عكس ذلك بالضبط".

وأردفت كلينتون تقول "وعليه فإن هدفنا هو استقبال كل المعلومات الخاصة بهذا الموضوع وفرزها".

أما مستشار الأمن القومي الأميركي جيمس جونز, فإنه لم يدل بما يمكن أن يستشف منه موقفه من الإستراتيجية بأفغانستان في الفترة الأخيرة, لكنه قال خلال زيارة له لهذا البلد في يونيو/حزيران الماضي وهو يخاطب قادة الجيش الأميركي هناك "عليكم أن لا تتوقعوا إمدادكم بمزيد من القوات هذا العام".

غير أن رئيس أركان القوات الأميركية المشتركة مايكل مولن أعرب عن تأييده لما في تقرير ماكريستال, قائلا أمام الكونغرس إن مكافحة متمردي أفغانستان بطريقة فاعلة ومناسبة قد تتطلب إرسال مزيد من القوات إلى ساحة القتال هناك.

ويرجح أن يكون رأي مولن هو نفس رأي كبار القادة العسكريين الأميركيين في وزارة الدفاع.

غير أن وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس الذي عبر عن استعداده لدراسة كل التوصيات وخاصة ما جاء في تقرير ماكريستال، لم يخف خشيته من أن يؤدي إرسال مزيد من القوات الأميركية إلى جعل المواطنين الأفغان ينظرون لتلك القوات بوصفها قوات احتلال, الأمر الذي سيعطي المتمردين مزيدا من الدعم في أوساط المواطنين بل ربما يؤدي ببعض الأفغان إلى تصدير العنف إلى خارج بلادهم.

"
يبدو أن عناصر في شتات البشتون بدؤوا ينمون شعور عداء تجاه الغرب, وهو ما يبعث على القلق, حسب مسؤولي مكافحة الإرهاب
"
نيوزويك
تصدير الإرهاب
وهذا ما حذرت منه مجلة نيوزويك في تقرير أوردته في عددها الأخير تحت عنوان "حرب أفغانستان تصلنا إلى عقر دارنا".

فقد ذكرت المجلة أن الأفغان الذين لم يعرف عنهم أنهم كانوا المحرك الأساسي للإرهاب الإسلامي الدولي ربما غيروا نهجهم.

واستعرضت الصحيفة بعض أهم الهجمات الإرهابية التي شهدها العالم منذ أحداث 11/9/2001 فقالت إن غالبية منفذي أحداث سبتمبر/أيلول بأميركا كانوا سعوديين, أما في أوروبا فكان جل منفذي العمليات سواء في لندن أو مدريد من المهاجرين من شمال أفريقيا أو من الأوروبيين ذوي الأصول الكشميرية.

أما الباشتون الذين ينتمي إليهم معظم عناصر طالبان فقد كانوا يقتصرون على عمليات محلية ولم يكونوا إرهابيين دوليين.

لكن هل يعني اعتقال أجهزة الأمن الأميركية ثلاثة أفغان في دنفر بتهمة التورط في مؤامرة لتفجير أهداف بتلك المدينة الأميركية أن حرب أفغانستان بدأت تشمل الشواطئ الأميركية؟ تتساءل نيوزويك.

وتجيب بقولها "يبدو أن عناصر في شتات البشتون بدؤوا ينمون شعور عداء تجاه الغرب, وهو ما يبعث على القلق, حسب مسؤولي مكافحة الإرهاب".

يقول أولئك المسؤولون إن المشكلة تكمن في كون هؤلاء المهاجرين لديهم القدرة كلما زاروا ذويهم في أفغانستان أو باكستان على الالتحاق بمواقع تدريب عناصر القاعدة وطالبان وأن يتعلموا هناك المهارات الأساسية لصناعة القنابل, وهو ما حصل بالفعل مع بعضهم.

الاستمرار هو الخيار
لكن رغم التداعيات المحتملة لهذه الحرب ورغم تراجع شعبية أوباما بسبب استمرارها, حسب آخر استطلاعات الرأي, فإن هناك من يرى أن كل البدائل المقترحة لوقفها أحلاها مر.

فقد أعرب المسؤول السابق بالاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي أي) بروس ريدل, الذي ترأس لجنة رئاسية لمراجعة الوضع بأفغانستان وباكستان الشتاء الماضي، في مقال له كتبه بالتعاون مع كاتب آخر بصحيفة يو أس أيه توداي عن اعتقاده بأن على أوباما أن يطبق خطة تضمن حماية المواطنين الأفغان وفي الوقت ذاته تضمن بناء مؤسسات الدولة الأفغانية بما في ذلك الشرطة والجيش.

ولا شك حسب الكاتب- أن مثل هذه المقاربة تتطلب وقتا كبيرا وربما توفير مزيد من الموارد, لكن للأسف الشديد في مثل هذه الحرب تظل الخيارات محدودة للغاية, على حد تعبير ريدل.

وحسب صحيفة وول ستريت جورنال فإن حلفاء واشنطن الأوروبيين الذين يحتفظون بقوات في أفغانستان ضمن حلف شمال الأطلسي (ناتو) ينتظرون رد أوباما على تقييم ماكريستال لاتخاذ قرارهم بشأن الحرب.

وأشارت الصحيفة في هذا الإطار إلى المعارضة الشعبية الشديدة والمتنامية للحكومات الأوروبية على ضوء الدور الذي تضطلع به في هذا الصراع.

المصدر : الصحافة الأميركية