تزايد المعارضة في بريطانيا والولايات المتحدة للحرب على أفغانستان (الفرنسية-أرشيف)

تناولت مجلة إيكونومست البريطانية مجريات الحرب على أفغانستان بالنقد والتحليل، وقالت في مقالها إن أوضاع البلاد هناك تسير من سيئ إلى أسوأ، وإن معظم الأجزاء الجنوبية من أفغانستان باتت خارج نطاق سيطرة الحكومة، في ظل تعاظم قوة حركة طالبان.

وما انفكت القوات الأجنبية والحكومة المدعومة من الغرب تتعرض لمخاطر متزايدة، في ظل الجدل الواسع في الولايات المتحدة وبريطانيا وتساؤلات المعارضين في البلدين بشأن الحرب وجدواها، خاصة إثر تزايد كلفتها وارتفاع الخسائر بين أفراد قواتهما في الآونة الأخيرة.

وأوضحت إيكونومست أن الحكومات الغربية ما فتئت تلجأ إلى مبررات وصفتها المجلة بالواهية لتبرير أهداف تلك الحرب مثل حرمان "الإرهابيين" من الملاذ الآمن الذي توفر لـ تنظيم القاعدة إبان حكم طالبان للبلاد، مضيفة أن زعماء القاعدة لم يعودوا يتواجدون داخل أفغانستان إنما داخل المناطق القبلية في باكستان حيث لا تتواجد أي قوات غربية.

ومن بين الأسباب الأخرى التي تتذرع بها الحكومات الغربية أن مغادرة قواتها لأفغانستان سيضعف من شكيمة الغرب ونفوذه العالمي، إضافة إلى منع البلاد من أن تكون مسرحا لحرب من شأنها زعزعة باكستان، وجر دول أخرى إلى ذلك الصراع مثل الهند وإيران وروسيا، موضحة أن تلك الأسباب لم تعد تقنع الناخبين لدى البلدان الغربية.

الجنود الأميركيون يفرون إلى ملجأ يختبئون فيه في إحدى القرى الأفغانية (رويترز)
سقف الطموحات
ومضت إيكونومست إلى أنه في الوقت الذي يناضل فيه الغرب من أجل الاحتفاظ بسيطرته، بات سقف طموحاته يشهد تراجعا كبيرا بعد أن كان يطمح إلى جلب السلام والازدهار وتشكيل حكومة ديمقراطية لأفغانستان.

وقد تراجعت مؤخرا آمال الدول الغربية من وراء الحرب، وبات الغرب يتحدث عن أهداف مثل قيام دولة فاعلة وتحسين الوضع الأمني، ووفقا لهذين المعطيين بات تحقيق النصر على المدى القريب أيضا بعيد المنال، إضافة إلى أن النقص في الأفراد والمعدات الذي تعانيه القوات الأجنبية والإستراتيجية الخاطئة المتبعة قوضا أي فرص في تحقيق مثل تلك الأهداف.

كما أدى النقص في عدد الجنود إلى الحيلولة دون تحقيق رغبة الجنرالات الغربيين في السيطرة على المناطق الواقعة تحت نفوذ مقاتلي طالبان، ما اضطر القادة العسكريين الأجانب إلى اللجوء إلى القوة الجوية للتعويض عن النقص في الأفراد، ما تسبب في زيادة عدد الإصابات بين المدنيين، وبالتالي إلحاق الضرر بالمجهود الحربي, في ظل تزايد شعبية طالبان وتعاظم قوتها.

ومضت المجلة إلى أن التعزيزات العسكرية الغربية وانتشار المزيد من القوات في البلاد لم تفلح في تحقيق النصر العسكري المرجو على الإطلاق, مضيفة أن الأعداد الكثيفة للقوات الأجنبية وزيادة الكثافة السكانية أسهمتا في تأمين العاصمة العراقية بغداد والسيطرة عليها.

ولا يمكن للقوات الأجنبية أن تنفذ التكتيكات التي استخدمتها القوات الأجنبية في بغداد في مناطق جبلية وريفية مثل أفغانستان, وأنه إذا كان الغرب معنيا بعدم انزلاق الأمور بعيدا عن السيطرة في أفغانستان، فإن ما عليه ليس توفير المزيد من الموارد والمصادر فحسب, وإنما استخدامها بطريقة أفضل، موضحة أن ذلك يعني التعامل مع ثلاث مقاربات مختلفة، وهي المعارضة والحكومة والمساعدات.

واعتبرت المعارضة ويقصد بها طالبان ليست مجرد قوة مسلحة موحدة في بلد متعدد التعقيدات الإثنية، وأنها ليست مجرد زعامات وشخصيات دينية فحسب، بل إنها تضم زعماء قبليين وزعماء حرب وشخصيات محلية قوية النفوذ.

توقيع اتفاقيات

وأضافت أن هناك الكثير من عناصر طالبان ممن لديهم أفكار خطيرة وتوجهات اجتماعية وصفتها بالكريهة, ومضت إلى أنه إذا كان يراد تحقيق الاستقرار في أفغانستان فإن على الغرب أن يشجع حلفاءه في الحكومة على توقيع اتفاقيات مع طالبان.

وأشارت إيكونومست إلى أن مرشح الرئاسة حامد كرزاي دعا خصومه أثناء حملته الانتخابية لتحقيق السلام، مضيفة أن حكومته التي وصفتها بالعاجزة والفاسدة والجشعة بدت غير جديرة لتكون شريكا موثوقا.

واستطردت بالقول إنه في المناطق التي استعيدت من أيادي طالبان لجأ السكان في بعض الأحيان إلى زعماء الحرب الذين هم أقل قابلية للرشوة وأرحم من "زبانية" الحكومة، وإن تطهير الحكومة ليس هو نهاية المطاف في حد ذاته ولكنه يتطلب إقامة دولة فاعلة، فالأفغان لن يؤيدوا حكومة فاسدة كالحالية وعليه فإن على الغرب أن يمارس نفوذه ويصر على أن يهيمن التكنوقراط الأكفاء على الحكومة القادمة بدلا من "العصابات" التي تسعى لخدمة مصالحها الشخصية.

إيكونومست تدعو الغرب لإجراء اتفاقات مع طالبان (رويترز-أرشيف)
وأما بشأن كيفية إنفاق المساعدات فنسبت المجلة إلى القائد الجديد للجيش البريطاني قوله إن
الغرب ينفق أموالا ضخمة لمساعدة أفغانستان، وإنه من المحتمل الاستمرار في ذلك لعقود قادمة.

وأوضحت بالقول إن البنى التحتية كالطرق هي مجال هام للإنفاق لكونها تعد هامة جدا للتنمية والتطوير في البلاد رغم أنها في النهاية تخدم مصالح كل من "المتمردين، واحتياجات تجار المخدرات اللوجستية سواء بسواء.

وذكرت المجلة أن الغرب لم ينفق الأموال على الوجه المطلوب، وأنه بمنحه العقود الكثيرة جدا للأجانب خلق التذمر بدلا من إيجاد النوايا الحسنة، وأن عيون غالبية الأفغان تراقب عمال الإغاثة وهم يركبون سيارات "اللاندكروز" والمحاطين بحراسة أمنية مشددة.

وأضافت أن غالبية الأموال تعود أدراجها إلى خارج البلاد, وأنه لا يمكن الاعتماد على الحكومة في تلقي المساعدات الضخمة وتوزيعها، واتهمت الحكومة بسرقة معظم الأموال التي تصل البلاد, وقالت إنه يجب وضع تلك المخاطرة بعين الاعتبار عند حشد الدعم للغرب أو الحكومة.

تكاليف الحرب
حتى لو نظرنا إلى الأمور في أفغانستان بطريقة وردية متفائلة, يبقى من المحتمل أن تزداد كذلك تكاليف الحرب وتزداد الأحوال سوءا قبل أن تتحسن.

ومن المحتمل أيضا أن تتبع الزيادة في القوات التي مكنت البلاد من إجراء الانتخابات هذا العام زيادة أخرى لأجل احتواء "التمرد" المتنامي, وأن وضع الرئيس الأميركي باراك أوباما سيبقى أفضل مما كان عليه وضع سلفه جورج بوش، مشيرة إلى تعثر الأخير في الحرب على أفغانستان والعراق.





وبينما يحظى أوباما بدعم سياسي وشعبي أوسع بالمقارنة مع بوش, فإن تزايد الإصابات بين قواته سيكثف الضغط السياسي الأميركي من أجل إعلان جدول زمني للانسحاب العسكري من أفغانستان, مضيفة أن الرئيس الأميركي بحاجة إلى مزيد من الرجال إضافة لحاجته إلى إستراتيجية أفضل وقدر كبير من الحظ للوقوف في وجه الضغوط السياسية المحتملة إزاء الحرب على أفغانستان وما يمكن أن تؤول إليه.

المصدر : إيكونوميست