محسود الذي تقول باكستان إنه قضى في قصف طائرة أميركية دون طيار (رويترز)

يحاول الكاتب امتياز غول رئيس مركز الدراسات والأبحاث في إسلام آباد ومؤلف كتاب "الإرهاب بالمناطق القبلية ودور القاعدة في باكستان" قراءة ما يعنيه مقتل بيت الله محسود لـطالبان وباكستان بل والمنطقة ككل، فيقول في مقال له بدورية فورين أفيرز الأميركية:

بعد منتصف ليل الأربعاء الماضي بساعة بتوقيت باكستان, أطلقت طائرة أميركية بدون طيار تابعة لوكالة المخابرات المركزية  صاروخا من طراز هيلفاير، شطر جسم بيت الله محسود إلى قسمين بينما كان يعالج على سطح منزل في زنغارا (جنوب وزيرستان). وبينما كان يخضع لتغذية وريدية بالغلوكوز على يد مساعد طبيب محلي يدعى سعيد الله, أمطرت السماء عليهم نارا فأودت بحياة العديد من الأشخاص كان من بينهم محسود وزوجته الثانية.

ولئن صح ما رواه شاهد عيان, وهو عميل مخابراتي, عبر الهاتف إلى الصحفيين في بيشاور العاصمة الإقليمية, فإن أيقونة مسلحي القاعدة التواقين إلى القتل والموت دفاعا عن قضيتهم قد قضى نحبه.

وكانت مجلة تايم قد أدرجت اسم بيت الله محسود في عددها الصادر في ديسمبر/ كانون الأول 2007 ضمن مائة شخصية تعتبر الأكثر نفوذا في العالم, وكان محسود قد أعلن الجهاد على الغرب في ذلك الوقت.

"
هدفنا الرئيسي هو القضاء على بريطانيا والولايات المتحدة وتركيع غير المسلمين, ونبتهل إلى الله أن يمنحنا القدرة على تدمير البيت الأبيض ونيويورك ولندن وسنشاهد معجزات الجهاد في القريب العاجل
"
محسود في حديث مع الجزيرة
وقد سبق لمحسود قوله في مقابلة مع قناة الجزيرة في شهر يناير/ كانون الثاني 2008 "إن هدفنا الرئيسي هو القضاء على بريطانيا والولايات المتحدة وتركيع غير المسلمين, ونبتهل إلى الله أن يمنحنا القدرة على تدمير البيت الأبيض ونيويورك ولندن وسنشاهد معجزات الجهاد في القريب العاجل".

وكانت وزارة الخارجية الأميركية رصدت جائزة بمبلغ خمسة ملايين دولار لمن يأتي برأس محسود بعد أن اعتبرته تهديدا واضحا على المصالح الأميركية.

وقد أذهل الكثيرين عندما أعلن يوم 31  مارس/ آذار 2009 مسؤوليته عن شن غارة كوماندوز قبل ذلك بيوم, إذ كان رجاله نفذوا هجوما دمويا على أكاديمية تدريب الشرطة بضواحي مدينة لاهور في عملية استغرقت ثماني ساعات وأسفرت عن مقتل ثمانية من الشرطة وأربعة من المهاجمين وأسر أربعة آخرين.

وكان محسود أعلن شخصيا عن إقراره بالمسؤولية عن ذلك حينما قال "لقد فعلنا ذلك انتقاما للغارات الصاروخية الأميركية التي تشنها الولايات المتحدة داخل الأراضي الباكستانية بواسطة طائرات بدون طيار".

والمعروف أن بيت الله محسود عارض بشدة الهجمات الصاروخية الأميركية التي تشنها طائرات بدون طيار، شأنه في ذلك شأن معظم المسلحين والعديد من زعماء المعارضة الباكستانية، ولكنه في نهاية المطاف قضى بصاروخ من طراز هيلفاير أطلقته إحدى تلك الطائرات.

ووفقا لمصادر محلية فقد استدعي الممرض سعيد الله -وهو يمت بصلة قرابة لوالد زوجة محسود المدعو إكرام الدين، وله علاقات قوية معه، بعدما اشتكى القائد الشاب من هزال وضعف بسبب الإسهال والجفاف.

وكان المسؤولون الباكستانيون الأمنيون ومعهم وكالة المخابرات المركزية الأميركية أعلنوا أوائل العام 2008 أن محسود هو المشتبه الرئيسي في  حادثة اغتيال رئيسة وزراء باكستان الراحلة في شهر ديسمبر/ كانون الأول 2007.

وكان يؤوي إليه مقاتلين أجانب خاصة مقاتلي القاعدة من آسيا الوسطى الذين فروا من وادي وانا عقب عملية كوماندوز شنها زعيم جماعة مسلحة موالية للحكومة يدعى الملا نزير.

كما أن بيت الله تصدر العناوين الدولية بسبب معسكرات تدريب المفجرين والتي كان يشرف عليها نائبه قاري حسين ومعظمها بالمنطقة ما بين شمال وزيرستان وجنوبها، علما أن طالبان باكستان يعتبران العمليات التفجيرية شكلا ناجعا من أشكال الدفاع عن النفس.

وتسبب هذا كله في وسمه بأنه يخدم مصالح قوى خارجية من أجل زعزعة استقرار باكستان، وأن من بين تلك الجهات الهند والولايات المتحدة.

من هو محسود؟
 يستطرد امتياز غول في رسم ملامح شخصية بيت الله محسود فيقول إنه كان قصير القامة (5.2 أقدام) ولم يكن يكترث بمظهره كثيرا، ولكنه استحوذ على جاذبية وإعجاب أكثر من أولئك الذين حباهم الله بسطة في الطول والبنية والقوة.

ولد بيت الله لأسرة فقيرة من الإثنية البشتونية وشارك في الجهاد ضد السوفيات ومن ثم ساند طالبان أفغانستان في القتال ضد تحالف الشمال، وكان ملهمه ومثله الأعلى الملا عمر رئيس حركة طالبان أفغانستان ومعه بالطبع أسامة بن لادن ونائبه أيمن الظواهري, وقد تبنى محسود رؤيتهم بخصوص الدولة الإسلامية المبنية على الشريعة وفقا لتفسيرهم الخاص بهم.

تزوج محسود الذي يعاني من السكري في سبتمبر/ أيلول 2008 للمرة الثانية بعد أن يئس من إنجاب طفل من زواجه الأول، وكان الصحفيون في وزيرستان وكذلك أنصاره يشيرون إليه بحاكم المنطقة نظرا لنفوذه القوي في أوساط مناطق قبيلته ذات التضاريس الجبلية الوعرة والمناخ القاسي.

شكل محسود حركة طالبان باكستان في ديسمبر/ كانون الأول 2007, وفي الوقت الذي يعتقد أنصاره بأنه جلب السلام إلى منطقة وزيرستان, فإن معارضيه يقولون إن ذلك السلام كان باهظ الثمن ويصفونه بأنه ومساعديه مثل زعماء المافيا الذين يفرضون الإتاوات على الناس نظير توفير الحماية لهم.

وقد درب محسود -وهو أقوى زعماء طالبان نفوذا في باكستان- كادرا جديدا من القادة العنيدين المستعدين للانقضاض على قوات الأمن الباكستانية في حال اندلاع أية مواجهة رئيسية.

وقبل وفاة محسود كان لطالبان باكستان نحو أربعين من القادة يأتمر بأمرهم نحو 25 ألف مسلح، وكانت تعتبر المنظمة الأشد فتكا في المناطق الباكستانية المحاذية للحدود الأفغانية.

تسببت هذه الحركة في إحراج كبير للجيش الباكستاني عندما نصبت كمينا وأسرت نحو 250 من الجنود والضباط الباكستانيين، وذلك في شهر مايو/ أيار 2007 واحتفظت بهم رهائن قبل إطلاق سراحهم أواخر أغسطس/آب بعد مباحثات مضنية، وربما تم ذلك بعد دفع فدية مالية كبيرة.

ويمضي امتياز فيقول: في شهر يوليو/ تموز 2009 تسبب رجال محسود في إحراج آخر كبير لقوات الأمن الباكستانية عندما شنوا هجوما على قافلة عسكرية وقتلوا نحو عشرة جنود بينهم ضابطان.

ومثلت قوات الأمن الباكستانية والشرطة والقوات شبه العسكرية أهدافا خاصة لطالبان باكستان منذ العام 2006. وقد قتل محسود وحلفاؤه نحو ثلاثة آلاف من الشرطة وقوات الأمن شبه العسكرية بمن فيهم من قتلوا في الغارة التي شنوها على أكاديمية الشرطة في لاهور في  مارس/ آذار 2009.

أصيب أتباع محسود بالصدمة بعد غيابه المفاجئ عن المسرح, ورغم عدم احتمال حصول ذعر وهياج بعد خروجه من الساحة فإن التأثير النفسي على مختلف شرائح أتباعه سيكون هائلا.

وقد اتفق معظم المحللين حتى وقت قريب على أن هذه المنظمة المسلحة التي  تتخذ من القاعدة مثلا أعلى أشد تماسكا وأفضل تنظيما عما كانت عليه من قبل، وأنها تشكل خطرا على المنطقة والعالم.

ولهذا السبب يرى محللون أن وفاة محسود يمكن أن تتسبب في شرخ في وحدة  قيادة هذه المنظمة حيث إن المجموعات التي تخلت عن هويتها الإقليمية وانخرطت واندمجت تحت لواء قيادة طالبان باكستان, من المحتمل أن تنفصل مرة أخرى إذا احتدم الخلاف على من سيخلف محسود.

وحتى لو مرت عملية انتخاب خليفة لمحسود بسلام وسلاسة فإن رسالة الطائرات بدون طيار الفتاكة قد وصلت بقوة ووضوح إلى مختلف الرتب والشرائح التي تنضوي تحت لواء مسلحي طالبان باكستان، ومفادها أنه ما من مجموعة أو فرد يتحدى إرادة دولة أو عدة دول سينجو بدون عقاب.

"
الكاتب: بعد أن قضى رمز الإرهاب محسود فوحدة قيادة طالبان باكستان وتماسكها قد رحلت برحيله، الأمر الذي من شأنه أن يحدث هزة في أوساط بنية القيادة المركزية ويجعل الحركة هشة في مواجهة الضغوط
"
اتهامات متبادلة 
تتهم المؤسسة العسكرية الباكستانية الولايات المتحدة بأنها لم تحاول القضاء على محسود عن سابق قصد وتدبير, حيث يدعي كل من مسؤولي وزارة الدفاع والمخابرات الباكستانية بأنه رغم تسببه في إلحاق الضرر بالمؤسسة الأمنية الباكستانية فإن الأميركيين أحجموا عن القيام بعمل حاسم ضد هذا الزعيم, في حين أن الولايات المتحدة كانت تتهم باكستان باستخدامه بعبعا أو هكذا يمكن الاستنتاج، وبذلك كان محسود مصدر احتكاك وفقدان الثقة بين كل من الأميركيين والمؤسسة الأمنية الباكستانية.

والآن لعل هجوم طائرة المخابرات المركزية بدون طيار وما سيليه من تداعيات، سيبدد أجواء الريبة وعدم الثقة بين الجانبين، ويزيل مصدر الاحتكاك بينهما ويمهد الطريق أمام تعاون وتنسيق باكستاني أميركي أوثق في جهود تعقب مسلحي القاعدة وطالبان.

أما الانقضاض على زعماء المسلحين الأفغان مثل جلال الدين حقاني وقلب الدين حكمتيار والملا عمر وأتباعهم المقربين الذين يكبدون قوات الولايات المتحدة والناتو خسائر في أفغانستان، فتلك قضية أخرى.

وبعد أن قضى "رمز الإرهاب" محسود, فوحدة القيادة وتماسكها في حركة طالبان باكستان قد رحلت برحيله، الأمر الذي من شأنه أن يحدث هزة في أوساط بنية القيادة المركزية ويجعل المنظمة هشة في مواجهة الضغوط كما يقول امتياز غول في ختام مقاله.

المصدر : فورين أفيرز