أتراح ضابط بريطاني بأفغانستان
آخر تحديث: 2009/8/10 الساعة 17:29 (مكة المكرمة) الموافق 1430/8/19 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2009/8/10 الساعة 17:29 (مكة المكرمة) الموافق 1430/8/19 هـ

أتراح ضابط بريطاني بأفغانستان

هناك مؤشرات على أن الحرب بأفغانستان أنهكت كثيرا من الجنود البريطانيين (رويترز-أرشيف)

في أول شهادة غير مأذونة لضابط بريطاني على الجبهة الأفغانية, كشف نقيب شاب عن ألم فقدان الرفاق، والإحباط لعدم توفر المعدات، وما يولده الإحساس بالتورط في صراع لا تبدو له نهاية ولا أمل فيه بنصر حاسم.

يقول الضابط الذي لم ينشر اسمه "ما دفعني لكتابة هذا التقرير هو محاولة وصف بعض ما ينتاب الجنود البريطانيين من إحباط في أفغانستان, بعد أن أحاط الموت والإصابات والحزن بهم من كل جانب".

"
سيزيف لو رأى حالنا بأفغانستان لقدم لنا خالص تعازيه وعانقنا بشفقة وهو يقول إنه يقدر بحق ما نحن فيه
"
فرغم أني خدمت لفترتين في العراق وأصبحت نقيبا, لا أراني اليوم في أفغانستان سوى ملازم جديد على الخدمة نظرا لصدمة الاستنزاف التي لم يسبق أن واجهتها من قبل.

فمعدلات الموت, وإن كانت أقل كما يقولون من معدلاتها في صراعات سابقة كحرب الفوكلاند, مرتفعة, أما الإصابات فهي مروعة, وأنا هنا أتحدث عن إزالة أطراف آدمي وبتر أعضائه على نحو لم نشهد له مثيلا من قبل.

فالذي يقرأ قصة من "أصيب إصابات بالغة" يدرك أن حياة ذلك الشخص, بل وحياة كل أفراد عائلته, قد تغيرت إلى الأبد.

أما أثر ذلك علينا في أفغانستان فهو الشعور بمزيج من الصدمة والعجز والوهن, فأنت تشعر, خاصة إذا كان المتضرر شخصا تعرفه, أن عليك أن تفعل شيئا ما, وهو ما قد يترجم, إن كنت في بلادك, بالتنحي عن الناس والنوح لتبديد ما بداخلك من ألم, لكن أي شيء من ذلك القبيل مستحيل هنا, فالكل محشور داخل المخيم أو القاعدة العسكرية وليس هناك ملجأ ولا ركن خاص يمكن للشخص أن يعالج فيه أحزانه.

فكل شيء من حولك لا بد أن يستمر في العمل ولا يمكنه أن يتوقف، فالراديو يجب أن يرد عليه والدوريات يجب أن تسير والقوافل العسكرية يجب أن تنظم, فليس هناك إذن وقت للتعامل مع الأتراح، وحتى إن تمكن الشخص من الحصول على يوم راحة فليس أمامه سوى الجلوس في خيمة والتصبب عرقا في درجة حرارة تزيد على 40 درجة مئوية, والبديل المتاح هو الاستمرار في المزاح مع الأصدقاء وتبادل النكات والقصص البذيئة والابتسام الإجباري المتكلف.

طالبان مقاتلون أشداء (رويترز)
إن من يأتون في المروحيات لنقل الجرحى وجثث الموتى ليسوا مثل من يضطرون أن يكونوا أول من يجمع الجثث والأشلاء المبعثرة التي تخلفها التفجيرات ويضعونها في الأكياس
.

لكن تلك الأكياس التي تنقلها المروحيات لا تغادر مخيلة من أعدوها بل تختبئ في مشرحة اللاشعور ليعاد فتحها من جديد بعد عودة الجنود إلى بيوتهم وعندما تسنح لهم الفرصة للتفكير في كل موت وكل جرح شاهدوه وكل صديق فقدوه.

أما نقص المعدات, سواء المروحيات أو الأباتشي فهو أمر آخر يستنزف القوات على الأرض، إذ يجبرهم على العمل لساعات طويلة لتأمين الطرق لمرور قوافل الإمدادات التي لا تكاد تمر إحداها حتى يعلن عن اقتراب الأخرى ما يبدد طاقة الجنود ويقتل الحماس لديهم.

وأعتقد أن سيزيف لو رآنا ونحن على تلك الحال لقدم لنا خالص تعازيه وعانقنا بشفقة وهو يقول بأنه يقدر بحق ما نحن فيه. (سيزيف شخص خيالي حكمت عليه الآلهة في الأساطير اليونانية بأن يكرر أبدا دحرجة صخرة عظيمة كلما أوصلها قمة الجبل سقطت إلى أسفله).

إننا نواجه هنا عدوا عنيدا للغاية, فرغم قصفنا للمواقع التي تطلق علينا منها النار لا نكاد نقضي على مقاتلين حتى يطلع لنا في اليوم التالي مقاتلون جدد.

"
أفغانستان مستقرة لن ترى النور ما لم تكن هناك تسوية تشمل طالبان أو تعطيهم شراكة في الحكم
"
لا ندري ربما كان قادة عدونا أشداء يخشاهم الناس، وهم بذلك قادرون على إرغام المقاتلين المترددين على القتال انطلاقا من تلك المواقع المدمرة أو ربما كان هؤلاء المقاتلون يعودون إلى نفس المواقع التي قتل بها زملاؤهم عن طيب خاطر, ربما يفسر ذلك بقوة عقيدتهم في الحياة الآخرة أو في الجهاد الذي ينتهجونه أسلوبا.

وأيا كانت المبررات, فإن المشاهد هو أنهم يعودون إلى نفس المواقع التي قصفناهم بها رغم ما يتعرضون له من نار لا قبل لهم بها, بل إن أعدادهم لا يبدو أنها تنقص, ما يعني أننا لن نقلص أعدادهم إلى المستوى الذي يصبح فيه التغلب عليهم وهزيمتهم في متناول اليد.

وعليه فإن الحقيقة لا مراء فيها هي أن أفغانستان مستقرة لن ترى النور ما لم تكن هناك تسوية تشمل طالبان أو تعطيهم شراكة في الحكم.

المصدر : إندبندنت

التعليقات