هل يسرع غزو أميركا لأفغانستان في أفول حضارتها كما فعل للسوفيات؟ (رويترز-أرشيف)

نشر الكاتب سيث جي جونز كتابا جديدا بعنوان: "في مقبرة الإمبراطوريات: حرب أميركا بأفغانستان" استعرض فيه كيف هزم الأفغان الإمبراطوريات التي غزتهم منذ عام 330 قبل الميلاد وحتى سقوط الاتحاد السوفياتي في الربع الأخير من القرن الماضي, قبل أن يناقش وضع الولايات المتحدة الأميركية حاليا في هذا البلد, ويستشرف مستقبلها هناك.

وقد قدمت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية عرضا لهذا الكتاب نقلت في بدايته كيف اتخذ السوفيات قرار الحرب على أفغانستان قائلة إنه "في العاشر من ديسمبر/كانون الثاني 1979، استدعى وزير دفاع الاتحاد السوفياتي ديمتري أوستينوف قائد جيشه نيكولا أوغاركوف إلى مكتبه في موسكو, وأبلغه أن عليه أن يرسل فورا 80 ألف جندي إلى أفغانستان، وذلك على أثر انهيار النظام في ذلك البلد, فما كان من أوغاركوف إلا أن استشاط غضبا ووصف هذه الخطوة بأنها متهورة".

 لكن أوستينوف -وفقا لرواية غدت اليوم مشهورة- قاطع رئيس الأركان قائلا "هل أنت بصدد تعليم المكتب السياسي ما يجب فعله"، قبل أن يقول له بعنف "واجبك ينحصر في تنفيذ الأوامر لا غير".

"
دور التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية في أفغانستان هو محاولة إخضاع "مقبرة الإمبراطوريات", فهل سيتمكن من ذلك؟
"
وهكذا بدأت التجربة السوفياتية الوخيمة في أفغانستان, حيث فقد الجيش السوفياتي خلال عقد من الزمن 15 ألفا من جنوده في حملة عسكرية سرعت بانهيار الاتحاد السوفياتي بأكمله, غير أن التاريخ الأفغاني حافل بقصص تدمير الغزاة, فقد عانت قوات الإسكندر الأكبر خسائر مذهلة في المعارك الضارية التي خاضتها مع القبائل الأفغانية, كما تمكن الأفغان في القرن التاسع عشر من رد القوات البريطانية على أعقابها بعد أن خاضوا معها سلسلة من المعارك.

والآن حان دور التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية لمحاولة إخضاع ما يسميه الكاتب "مقبرة الإمبراطوريات", فهل ستتمكن الولايات المتحدة الأميركية -بعد ثماني سنوات من القتال في أفغانستان, وتحت قيادة رئيسها الجديد باراك أوباما- من أن تتحدى مجرى التاريخ في هذا البلد؟

ويحاول الكتاب أن يقيس مدى إمكانية نجاح أميركا وحلفائها في هذه المهمة, مركزا في الأساس على الكيفية التي بدأ بها الفشل يدب في الجهود الأميركية بعد أن كانت واشنطن حققت نجاحا عسكريا منقطع النظير في بداية حملتها العسكرية في أفغانستان في الأيام الأخيرة من عام 2001.

ويحدد جونز, في هذا الإطار, ثلاثة أمور يقول إنها مثلت إخفاقات أثرت بشكل سلبي على هذه المهمة, أولها الوجود العسكري الأميركي في أفغانستان بعد انهيار نظام طالبان, إذ يقول الكاتب إن الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش دفعه هوسه بكسب الحرب في العراق إلى الحفاظ على 8000 جندي أميركي لا غير في أفغانستان في عام 2002, وهو ما قال الكاتب إنه أقل بكثير مما تتطلبه التحديات الأمنية التي تواجهها أفغانستان.

"
أميركا لم تهزم طالبان  وإنما اضطرتها إلى التراجع إلى مناطق القبائل الباكستانية المحاذية للحدود الأفغانية وإعادة تجميع قواتها من جديد
"
أما المشكلة الثانية, فهي حسب جونز, الانهيار الفعلي للسلطة والحكم في أفغانستان, إذ لم يكن للسلطة المركزية أي تمثيل على مستوى المناطق الريفية وأجزاء واسعة من الجنوب, وبحلول عام 2005 لم تكن نسبة الأفغان الذين يحصلون على التيار الكهربائي تتعدى 6%.

أما المشكلة الثالثة, فهي حركة طالبان نفسها وحلفاؤها, فأميركا لم تهزمها وإنما اضطرتها إلى التراجع إلى مناطق القبائل الباكستانية المحاذية للحدود الأفغانية وإعادة تجميع قواتها من جديد.

ومع بدء أوباما في تنفيذ خطته الجديدة في أفغانستان, ينصحه الكاتب باستخلاص العبر من السنوات الثماني الماضية, مؤكدا في هذا الإطار أن على أميركا أن تعزز جهودها الرامية إلى دفع الشرطة والجيش الأفغاني إلى الاضطلاع بمهامهم على الحدود.

كما أن على باكستان, حسب الكاتب, أن تتخذ إجراءات مباشرة ضد مسلحي القبائل, وفضلا عن ذلك كله يتعين على أميركا وحلفائها أن ينصتوا لكبار دبلوماسييهم وقادتهم العسكريين في أفغانستان, الذين ما فتئوا في السابق يخصصون مزيد من الموارد لهذا البلد.

المصدر : فايننشال تايمز