عندما بدأ صندوق النقد الدولي في حساب كلفة الأزمة المالية العالمية الحالية وجدها باهظة الكلفة وقد تؤدي إلى تدهور الميزان التجاري للدول العشرين المتقدمة بنسبة 8% من إنتاجها القومي خلال العام المالي 2008-2009، لكنه يرى أنه على المدى البعيد فإن تلك التكاليف ستكون ضئيلة قياسا بالإنفاق على كبار السن.
 
وبحسب صندوق النقد فإن الإنفاق على كبار السن سيزداد ليحتل نسبة 10% من أعباء الأزمة المالية منذ الآن وحتى عام 2050، في حين تنفق 90% على مصروفات التقاعد والصحة والرعاية الطويلة الأمد.
 
جاء ذلك في تقرير لصحيفة الإيكونوميست البريطانية التي تعنى بشؤون الاقتصاد ذكرت فيه أن سكان الدول المتقدمة يشيخون سريعًا وسيليهم عالم الفقراء بعد عقود قليلة فقط.
 
وترى الصحيفة أنه وفقا لتنبؤات الأمم المتحدة فإن متوسط عمر سكان الكون بأسرهم سيرتفع من 29 عاما في الوقت الحالي إلى 38 عاما بحلول عام 2050.
 
وتضيف أن هناك حاليا أقل من 11% من عدد سكان العالم البالغ 6.9 مليارات نسمة ممن هم فوق الستين من العمر، وأنه بحلول عام 2050 ووفقا لتنبؤات الأمم المتحدة سيكون 22%  من سكان الكون فوق الستين من العمر من أصل عدد السكان حينها المتوقع أن يكون 9 مليارات نسمة، وستكون النسبة في الدول المتقدمة 33%.
 
وبعبارة أخرى -يقول التقرير- سيكون ثلث سكان الدول الغنية من المتقاعدين وسيكون عشر هؤلاء تقريبا في سن فوق الثمانين.
 
"
القوى العاملة بدأت تنكمش حاليا في حين يزداد عدد المتقاعدين، وستكون الشيخوخة سهلة المشاهدة بحلول عام 2020 وستكون التغييرات الديمغرافية أكثر من التوقعات البعيدة المدى الأخرى
"
تطور بطيء
إنه تطور بطيء التحرك وستكون له تداعياته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية رغم أن قلة من الدول بدأت ملاحظة هذا التأثير.
 
فالقوى العاملة بدأت تنكمش حاليا في حين يزداد عدد المتقاعدين، وستكون الشيخوخة سهلة المشاهدة بحلول عام 2020 وستكون التغييرات الديمغرافية أكثر من التوقعات البعيدة المدى الأخرى، حيث يوجد في الوقت الحالي مليار من المليارين الذين سيكونون فوق الستين من العمر بحلول 2050.
 
وترى الصحيفة أن هناك سببين يدفعان العالم ليتقدم في السن، أولهما أن الناس بدؤوا يعيشون حياة أطول مما كان عليه الحال في الماضي، وثانيهما أن الناس بدؤوا تقليل الإنجاب بحيث قل عدد السكان الصغار السن مقارنة مع من يتقدمون في العمر، وهي ظاهرة بدأت في الدول المتقدمة ثم انتقلت إلى الدول الفقيرة كذلك.
 
لا داعي لقلق معظم الدول النامية بخصوص العمر, فبرغم تراجع معدل الولادات فيها فإن سكانها ستظل أعمارهم أقصر وسيبقون كذلك خلال العقود القليلة القادمة.
 
إلا أنه -من ناحية أخرى- وعلى المدى البعيد وبسبب قلة المواليد والعمر الأطول سيتحول سكانها إلى أناس متقدمين في العمر أسوة بالدول الغنية, وحتى قبل حدوث ذلك فإن عدد كبار السن سيزداد بشكل ينذر بالخطر لسبب بسيط هو كون تلك البلدان مكتظة بالسكان.
 
وبحسب التقرير فإن هناك 490 مليون إنسان فوق الستين من العمر في الدول النامية، ومن المحتمل أن يتضاعف العدد ثلاث مرات أو أكثر بحلول عام 2050 وسيكون من الصعب مواجهة تلك الأعداد الكبيرة لكون تلك الدول ليست لديها الأموال اللازمة لشبكة الضمان والرعاية.
 
ومن المتوقع تراجع معدل سن التقاعد في الدول الغنية خلال العقود القليلة القادمة, ففي اليابان على سبيل المثال هناك ثلاثة عمال مقابل كل متقاعد، وهي من أقل النسب في العالم، وسينخفض العدد إلى النصف بحلول عام 2050 وسيكون العبء في المستقبل أكثر مما هو عليه في الوقت الحاضر.
 
"
على ضوء تقاعد كبار السن وحلول صغار السن محلهم، ومع انكماش عدد الوظائف, فإن الإنتاج سيتراجع ما لم تتزايد الكفاءة الإنتاجية بطريقة أسرع لأن ما تبقى من العمال الكبار السن هم أقل إنتاجية
"
انخفاض النمو
وقدرت منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي أنه بسبب التقدم في السن سينخفض النمو الاقتصادي في الدول الأعضاء فيها بنسبة الثلث خلال العقود الثلاثة القادمة مقارنة بالعقود الثلاثة السابقة.
 
فعلى ضوء تقاعد كبار السن وحلول صغار السن محلهم، ومع انكماش عدد الوظائف, فإن الإنتاج سيتراجع ما لم تتزايد الكفاءة الإنتاجية بطريقة أسرع لأن ما تبقى من العمال الكبار السن هم أقل إنتاجية.
 
كما أن الشيخوخة ستؤثر على الأسواق المالية حيث سيؤثر التقدم في العمر سلبا على الادخار مع بيع الأصول وهو ما سيؤدي إلى مخاوف من انهيار الأصول على ضوء بيع الجميع في نفس الوقت دون أن تكشف الدراسات عن أدلة تدعم هذه الفرضية.
 
يشكل كبار السن -بحسب الصحيفة- صداعا على الخزينة العامة للدول حيث إنهم سيلتهمون جزءا كبيرا من الميزانية -بسبب زيادة الإنفاق على الرعاية الصحية لهم- أو ستضطر الدولة إلى التقتير عليهم وهو ما سيواجَه بمقاومة سياسية.
 
ما الذي يمكن عمله؟ يقول صندوق النقد الدولي إن سكان الدول الثرية سيشعرون بالإحباط من عدم تلبية توقعاتهم بخصوص معاملتهم بسخاء ورعايتهم صحيا، ولكن عليهم القبول بالعمل لمدة أطول وتلقي تقاعد أقل نظرا لكونهم يعيشون مدة أطول ويتمتعون بصحة جيدة على المدى الطويل.

المصدر : إيكونوميست