الباحثة ترى ربط المساعدات الأميركية لباكستان بمتابعة الحرب على "الإرهاب" (الجزيرة-أرشيف)

هذه الشهادة التي وردت في مجلة هيريتيج فاونديشن أدلت بها الباحثة المختصة بشؤون جنوب آسيا ليزا كيرتس في السابع من يوليو/تموز 2009 أمام لجنة مجلس الشيوخ الأميركي عن الأمن الداخلي والشؤون الحكومية واللجنة الفرعية للإدارة المالية الفدرالية والمعلومات الرسمية الحكومية والخدمات الفدرالية والأمن العالمي:

اسمي ليزا كيرتس، باحثة في مؤسسة التراث.. والآراء التي أعبر عنها هي آرائي الشخصية دون أن تعبر رسميا عن وجهة نظر المؤسسة التي أعمل بها.

مقدمة
سيعتمد احتواء الإرهاب العالمي في جنوب آسيا بشكل كبير على قدرة أميركا على إقامة علاقات تعاون وثقة مع باكستان خلال السنوات العديدة القادمة، وسيعتمد مستقبل المنطقة بما فيها نتيجة الحرب في أفغانستان على مقدرة باكستان على التغلب على التحديات الاجتماعية والاقتصادية المتعددة وكذلك على رغبتها في محاربة الإرهاب بكل أشكاله داخل أراضيها وحدودها.

وسوف تتطرق شهادتي إلى التطورات الأخيرة في المنطقة وتقديم التوصيات بخصوص السياسة الخارجية الأميركية خلال الأشهر الثمانية عشر القادمة, وستتركز ملاحظاتي على التطورات في كل من باكستان وأفغانستان حيث رافقت وفدا من قادة الرآي عبر الأطلسي في جولة استمرت من 21 إلى 28 يونيو/حزيران الماضي.

الحملة الباكستانية في سوات ووزيرستان
حدث تغير كبير في التوجه العسكري الباكستاني فيما يتعلق بمحاربة طالبان في شمال غرب البلاد خلال الأسابيع العشرة الأخيرة، وكان ذلك بعد أسبوع فقط من موافقة الرئيس آصف علي زرداري على اتفاق سلام سوات بعدما حثه البرلمان على ذلك، حينما أقدمت طالبان على احتلال إقليم بونر القريبة في منطقة الحدود الشمالية الغربية في منتصف أبريل/نيسان السابق.

وفي الرابع والعشرين من الشهر نفسه دفع الجيش الباكستاني بقوات شبه عسكرية إلى المنطقة، في حين بعث رئيس أركان الجيش الباكستاني الجنرال أشفق كياني برسالة تحذير إلى المسلحين بأن الجيش لن يسمح لهم بفرض نمط حياتهم على المجتمع المدني الباكستاني.

"
العمليات العسكرية الباكستانية في منطقة القبائل بدأت تؤتي أكلها فيما يتعلق بتدفق المسلحين والسلاح إلى أفغانستان، ما يؤيد إستراتيجية طلب القيام بالمزيد من العمل ضد المسلحين، وفي الوقت نفسه توفير المساعدات العسكرية والاقتصادية لهم
"
وكانت الرسالة أول رد إيجابي وخطوة أولى في توضيح السياسة الباكستانية، وتبعها هجوم عسكري أخرج طالبان من وادي سوات، وتقول الحكومة الباكستانية إنها قتلت 1600 من مسلحي طالبان في سوات خلال الأسابيع الثمانية الماضية.

وقد أدى القتال إلى أزمة إنسانية شديدة، حيث تم تشريد نحو ثلاثة ملايين شخص من بيوتهم، وهو ما يعتبر أكبر هجرة منذ العام 1947، وقدمت الولايات المتحدة مساعدات أكثر من غيرها من الدول من أجل التخفيف من وطأة أزمة اللاجئين بتقديمها نحو 300 مليون دولار حتى حينه.

لكن الولايات المتحدة تقول إنها تعاني شحا في الأموال اللازمة للتغلب على هذه الأزمة حيث يعاني اللاجئون من نقص شديد في المنشآت الطبية والخدمات الصحية وفقا لما تقوله منظمة الصحة العالمية.

كما أن الجيش الباكستاني بدأ في شن هجوم في منطقة القبائل في جنوب وزيرستان على ما يبدو، ومن الممكن أن يكون زعيم طالبان باكستان بيت الله محسود يقيم هناك، وربما حتى في شمال وزيرستان حيث توجد قوات الزعيم الأفغاني الإرهابي جلال الدين حقاني في ملاذ آمن.

أما بيت الله محسود فهو حليف لكل من القاعدة وطالبان أفغانستان، لكنه ركز اهتمامه مؤخرا على باكستان عن طريق شن العديد من التفجيرات الانتحارية، كما أن محسود على صلة باغتيال رئيسة وزراء باكستان السابقة بينظير بوتو.

يعتبر جلال الدين حقاني زعيما مستقلا لمسلحين يعملون في المنطقة التي تقع بين ولاية خوست في أفغانستان وشمال وزيرستان، وقد تحالف مع طالبان أفغانستان لمدة تقرب من 15 عاما، وكان يمثله وزير شؤون القبائل في عهد طالبان في أواخر التسعينيات ويسند لقواته القيام بالعديد من الهجمات القوية ومنها تفجير شاحنة في ولاية خوست في مارس/آذار 2008 أودى بحياة جنديين أميركيين وتفجير فندق سيرينا في كابل خلال زيارة مسؤولين نرويجيين رفيعي المستوى في يناير/كانون الثاني 2008.

وذكرت تقارير موثوقة أن شبكة حقاني للقيام بتخطيط وتنفيذ هجمات انتحارية كانت لها صلات مع المخابرات الباكستانية ومنها تفجير السفارة الهندية في كابل في يوليو/تموز الماضي، مما أسفر عن مقتل أكثر من خمسين مدنيا أفغانيا علاوة على اثنين من المسؤولين الهنود.

يكشف وجود مسلحين مؤيدين ومعارضين داخل المنطقة عن تعقيدات أمام العمل بكفاءة من أجل هزيمة الإرهابيين وكذلك عن ميوعة الوضع في باكستان على ضوء معرفة الزعماء الباكستانيين بالخطر الذي تمثله المجموعات المسلحة على استقرار البلاد، بينما عززت الولايات المتحدة من غارات الطائرات بدون طيار على المنطقة خلال الأسبوعين الماضيين.

وقد أكدت تقارير المخابرات الباكستانية مقتل أكثر من 60 شخصا جراء تلك الهجمات في الأسبوعين الماضيين، وإن نجا منها بيت الله محسود الذي غادرها قبل ذلك بساعات قليلة، في حين قتل المسلحون ثلاثين جنديا باكستانيا على الأقل في كمين نصبوه لقافلة عسكرية باكستانية قبل ذلك بأسبوع.

عبر لي قادة عسكريون من الناتو في أفغانستان أثناء جولة لي هناك عن رأيهم بأن العمليات العسكرية الباكستانية في منطقة القبائل بدأت تؤتي أكلها فيما يتعلق بتدفق المسلحين والسلاح إلى أفغانستان، مما يؤيد إستراتيجية طلب القيام بالمزيد من العمل ضد المسلحين من الباكستانيين، وفي الوقت نفسه يتم توفير المساعدات العسكرية والاقتصادية لهم.

رغم شعور الإحباط من استمرار حصول الإرهابيين على ملاذ آمن لهم في منطقة القبائل الباكستانية، فإن إدارة باراك أوباما تعمل من منطلق أن الجيش الباكستاني سينتبه إلى الأخطار التي يمثلها الإرهابيون على المجتمع الباكستاني، ولكنه من سوء الطالع أن هناك التباسا -بسبب الصلات بين المؤسسة الأمنية الباكستانية والمتشددين- بخصوص الخطر الحقيقي على الدولة.

وبالمقابل فإن الازدواجية في التعامل مع مجموعات المتطرفين قد غذت من نظريات المؤامرة ضد الأجانب خاصة الولايات المتحدة والهند، وهي نظريات نشرت في وسائل الإعلام مما أنشأ رأيا عاما يقلل من خطر الإرهاب.

أدت التطورات الأخيرة في باكستان ومن ضمنها إعلان طالبان أن الديمقراطية شرك وكفر إلى تغيير في الرأي العام الباكستاني تجاه طالبان، فمنح الجيش الدعم الشعبي لمحاربتهم.

وفي هذا السياق قال رئيس هيئة الأركان المشتركة الباكستانية الجنرال أشفق كياني مؤخرا "في الوقت الذي يستمر فيه وجود الخطر الخارجي، يجب التعامل فورا مع الخطر الداخلي"، وعلى الولايات المتحدة المساعدة على استمرار الزخم المعادي لطالبان عبر تقديم المساعدات العسكرية والاقتصادية السخية وكذلك المساعدات الإنسانية من أجل إعادة تنظيم وبناء حياة الذين شردهم القتال.

أفغانستان
أود التطرق إلى الوضع في أفغانستان كما أود أن أعرض ملاحظاتي أثناء جولتي هناك من 21 إلى 28 يونيو/حزيران التي التقيت فيها بمسؤولين من الناتو والأفغان، وزرت مركز التدريب العسكري ومدرسة مكافحة التمرد خارج كابل وكذلك منطقة القيادة الجنوبية في قندهار ومنطقة القيادة الغربية في حرات.

التنسيق الدولي
هناك دلائل على تحسن التنسيق بين القوات المتعددة الجنسيات في أفغانستان، فالشركاء من الناتو يرحبون بالموقف الأميركي الشامل والمتكامل الذي أعلن عنه الرئيس باراك أوباما يوم 27 يونيو/حزيران.

وفي هذا السياق أعلن قائد القوات الأميركية وقوات الناتو في أفغانستان أن الهدف الرئيسي للمهمة في باكستان هو حماية السكان أكثر مما هو هزيمة المتمردين.

وهنا يقول قادة الناتو الميدانيون إن هناك تركيزا أكبر على التعامل مع السكان المحليين والقيام بعمليات إنسانية، وهذه التركيبة الجديدة للإستراتيجية الأميركية لقيت استحسان الناتو والدول المشاركة بقواتها هناك.

من المفيد النظر إلى المهمة في أفغانستان على أنها جهد دولي بحق، ورغم أن الولايات المتحدة توفر الغالبية العظمى من القوات في أفغانستان، فإن هناك دولا أخرى تشارك بقواتها مثل بريطانيا وكندا وهولندا، وتقدم مساهمة قوية في العمليات العسكرية، في حين أن هناك من يدعمون الأبعاد الأخرى من المهمة مثل تدريب الشرطة ومراقبة الانتخابات وبناء المؤسسات.

فشركاء الناتو يدركون دور المجتمع الدولي في استقرار أفغانستان، وعلينا عدم السماح للاختلافات التكتيكية بيننا أن تؤدي إلى حدوث شرخ سياسي بيننا.

يركز اللاعبون الأساسيون، وهم الولايات المتحدة وقوات إيساف التابعة للناتو والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، على تنسيق وتناغم جهودهم من أجل تحسين أسلوب الحكم وبناء مؤسسات الدولة والتنمية الاقتصادية.

كما أن على قمة سلم أولويات الناتو إجراء انتخابات نزيهة شفافة، وتدريب وتوجيه الجيش الأفغاني والشرطة الأفغانية والمشاركة الإقليمية، في حين يركز قادة الناتو على حقيقة كون الجيش الأفغاني يتولى قيادة بعض العمليات، وهو الأمر الذي لم يكن ممكنا قبل ثلاث سنوات.

وقد عبر زعماء الناتو عن التزامهم بسياسة للعمل عن كثب مع الحكومة الأفغانية والأمم المتحدة يتم بموجبها تلقي المناطق التي طهرت من المسلحين مساعدات فورية تنموية وفي مجال إعادة بناء مؤسسات السلطة الحكومية الأفغانية.

ساعدت آلية التنسيق المشترك التي تترأسها بعثة المساعدات التابعة للأمم المتحدة والحكومة الأفغانية في تحسين عملية التنسيق الدولي، بينما كان الحال في الماضي أن الدول المختلفة والمنظمات تتحدث بصورة منفصلة مع الحكومة الأفغانية، مما تسبب في إرباك بخصوص الأولويات، وأعاق تحقيق أهدافنا في البلاد.

وقد تنبهت لجنة آلية التنسيق المشترك إلى تصحيح هذا الخلل وهي تقوم الآن بالمساعدة في تنظيم الخطة التي تهدف إلى تعزيز دور الوزارات الأفغانية فيما يتعلق بتقديم المساعدات المدنية التي كانت موكلة في الماضي إلى قوات إيساف عبر الأمم المتحدة، وهي عملية مهمة بخصوص تمكين الزعماء الأفغان من القيام بدور رائد في مجال توفير الاستقرار والأمن لبلادهم.

الانتخابات
من المهم أن تجرى انتخابات 20 أغسطس/آب المقبل في جو من النزاهة يدفع الأفغان إلى الاعتقاد بأن العملية الديمقراطية يمكنها تغيير حياتهم اليومية، علما بأنهم فقدوا ثقتهم في الانتخابات نظرا لما شابها من تلاعب وتزوير.

وهناك عدم مبالاة بهذه الانتخابات أكثر من انتخابات 2004 لأن العديد من الأفغان يعتقدون أن الحكومة الأفغانية ستستغل سلطة الحكومة من أجل نجاح حامد كرزاي وبذلك يعتبرون أن أصواتهم عديمة الجدوى، وإذا ما اعتقد الشعب الأفغاني أنه تم تزوير تلك الانتخابات فسيشكل ذلك ضربة كبرى لأهدافنا في أفغانستان بأسرها.

وفي الوقت نفسه ونظرا لكون هذه الانتخابات هي الأولى بإشراف أفغاني، فهم يرونها خاصة بهم وغير مفروضة من الغرب، وتمت عملية تسجيل الأصوات بسلاسة أكثر مما كان متوقعا حيث تم تسجيل أصوات الناخبين الجدد باستثناء عشر مقاطعات تسيطر عليها طالبان.

ويعترف مسؤولو الأمم المتحدة بأن الانتخابات لن تكون على الوجه الأمثل، وهم يخشون بشكل خاص تصويت من لم يبلغوا سن التصويت أو التصويت أكثر من مرة، وهنا ستلجأ لجان الإشراف على صناديق الاقتراع إلى استخدام الحبر الذي لا يمحى على أصابع الناخبين، كما أن الحكومة قد خصصت عشرة آلاف من رجال الشرطة الإضافيين لنشرها في مناطق البلاد المختلفة خلال الأسابيع القادمة.

الوضع الأمني في جنوب أفغانستان
زاد عدد الهجمات بمقدار 60% في أفغانستان خلال هذه السنة ومعظمها وقعت في بضع مقاطعات في جنوب البلاد، وتعتبر الحملة العسكرية الأميركية الأخيرة في ولاية هلمند جزءا من جهد أوسع من أجل استعادة زمام المبادرة من أيدي طالبان.

وتوقيت هذه الحملة يعتبر على درجة من الأهمية لأنها تأتي قبل ستة أسابيع من الانتخابات في وقت تعاني المناطق التي تقع تحت سيطرة طالبان من نقص في الإعمار والمساعدات وبناء المؤسسات الحكومية.

ومن الضروري دخول قوات التحالف إلى المناطق التي يسيطر عليها المتمردون للحيلولة دون اختباء المتمردين في أعماق تلك المناطق.

شعرت خلال لقائي مع قادة الناتو مؤخرا في مركز القيادة الجنوبية في قندهار بتحمسهم لوصول 17 ألف جندي إضافي إلى جنوب أفغانستان، وهم يعتقدون أن لديهم إستراتيجية سليمة للتصدي للمتمردين ولكن تنقصهم المصادر الكافية لتنفيذها.

وعلق أحد القادة بالقول "لأول مرة ستكون لدى القيادة الجنوبية المصادر التي تحتاجها من أجل المضي قدما، وستسمح القوات الجديدة بالاستيلاء على مزيد من الأراضي مما يمنح الشعب مزيدا من الثقة بأن بمقدور قوات التحالف حمايتهم"، وهم يعتقدون أن زيادة القوات الأميركية من شأنها أن تدير الدائرة على طالبان ربما في أواخر الصيف أو بداية العام القادم.

"
على صناع السياسة الأميركية أن يعبروا لباكستان بوضوح عن أنه لم يعد مقبولا القيام بدور مزدوج حيث تقدم المساعدات لبعض الإرهابيين في حين تحارب البعض الآخر، هذا إن كانت باكستان ترغب في البقاء كدولة مستقرة وتنضم لبقية المجتمع الدولي
"
العلاقات الباكستانية الأفغانية
ترتبط المشاكل في أفغانستان بتلك التي في باكستان، لكن تعقيدات العلاقات الباكستانية الأفغانية وأساليب المتمردين المتطورة باستمرار للتسلل عبر الحدود تجعل من الحلول السياسية أمرا صعب المنال.

وذكر معظم المتحدثين أن العلاقات الباكستانية الأفغانية تسير نحو الحسن منذ سنة من الزمان رغم ما يقوله مسؤولون أفغان رفيعو المستوى من أن التعاون مجرد تعاون سطحي، وأن باكستان ما زالت تدعم طالبان أفغانستان.

في حين ذهب بعضهم إلى القول إن المخابرات الباكستانية توفر لطالبان أفغانستان التنظيم الإستراتيجي والدعم العملياتي، فيما يوفر لها ممولون من الشرق الأوسط غالبية الدعم المالي.

قال قادة الناتو إن التنسيق مع باكستان على الحدود الشرقية قد تحسن في العام الماضي مما أثر إيجابا على القطاع الشرقي من أفغانستان، كما تحسن تبادل المعلومات الاستخبارية في العام الماضي بين كل من باكستان وأفغانستان وقوات إيساف التابعة للناتو.

وفي هذا السياق تأسس مركز تنسيق حدودي في بوابة تورخام في ممر خيبر يعمل فيه باكستانيون وأفغان وأعضاء من قوات إيساف، في حين يتم بناء مركز تنسيق آخر في سبين بولداك.

لكن قادة الناتو ما زالوا يقولون إن باكستان ما زالت الرافد المهم للتمرد في أفغانستان، فقيادة وتوجيه طالبان أفغانستان توجد داخل وحول مدينة كويتا في بلوشستان وتسمح بتدفق الأموال اللازمة لعمليات المتمردين في أفغانستان.

وفي هذا السياق قال بعض العاملين في القيادة الجنوبية إنه لو تم تحييد القيادة في كويتا فإن من شأن ذلك أن يوجه ضربة قوية للتمرد في جنوب أفغانستان، حيث تحرم من التوجيه والتركيز والشرعية.

إن المشكلة الرئيسية التي تعترض التعاون الباكستاني الكامل ضد طالبان أفغانستان هي الخوف المستمر من الدور الهندي في أفغانستان، مما يؤرق المؤسسة الأمنية الباكستانية.

وكان مراسل نيويورك تايمز ديفد سانغر قد أصدر مؤخرا كتابا تحت عنوان "التركة.. العالم الذي يواجهه أوباما والتحديات للقوة الأميركية" يوفر رؤية لأعماق الشكوك العسكرية الباكستانية تجاه النشاط الهندي في أفغانستان، وفيه يقول سانغر إن أميركا ترى في الدور الهندي في أفغانستان عاملا مساعدا من حيث بناء الطرق والجسور وتقديم المساعدات الإنسانية، الأمر الذي تراه باكستان بمثابة تطويق لباكستان من أجل غزوها والسيطرة عليها.

ويقول سانغر إن قوات التحالف ستنسحب في نهاية المطاف من أفغانستان ولذلك من الضروري أن تحتفظ باكستان بعلاقات جيدة مع طالبان أفغانستان، ويؤكد أن الجيش الباكستاني يزود طالبان وغيرها من المنظمات المسلحة بالسلاح بانتظام من أجل دخول أفغانستان ومهاجمة القوات الأفغانية وقوات التحالف.

علينا إقناع باكستان بتضييق الخناق على زعامة طالبان داخل حدودها من أجل تحقيق أهدافنا في أفغانستان، وعلى الولايات المتحدة اعتبار ذلك هو ما يحدد كمية ونوعية المساعدات العسكرية التي ستتلقاها باكستان، وعندما تعلم الحكومة الأميركية بدعم باكستان لعناصر إرهابية عليها إعلام باكستان بأن لذلك عواقب سلبية على هذا الدعم.

العلاقات الباكستانية الهندية
على الحكومة الأميركية أن تبحث عن طريقة للتقليل من المخاوف الباكستانية من الهند ولكن يجب أن تضع الحكومة الأميركية في الحسبان أن تلك مهمة شاقة بسبب العداوة المتأصلة بين الدولتين منذ استقلالهما عن بريطانيا منذ ما يزيد على ستين عاما.

وتزداد صعوبة هذه المهمة بعد أن دارت بين البلدين ثلاث حروب في الماضي، وبعدما أصبحا دولتين نوويتين وبعدما شهدا حرب حدود قصيرة وحشدا عسكريا كبيرا في العامين 2001 و2002.

وقد وفر اجتماع رئيس الوزراء الهندي ماموهان سينغ مع الرئيس الباكستاني آصف علي زرداري على هامش مؤتمر قمة شنغهاي فرصة لأسس حوار مستقبلي بينهما، وقد عبر رئيس الوزراء الهندي عن اهتمامه بضرورة المضي قدما في المباحثات بين الجانبين لكونه التقى زرداري بعد شهر من فوز حزبه في الانتخابات.

لكن ما قاله لزرداري من أنه يحمل تفويضا لإخباره بضرورة عدم استخدام الأراضي الباكستانية ضد الهند، بعث برسالة قوية بخصوص هجمات مومباي في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي التي ستبقى طاغية على الحديث بين البلدين حتى تظهر إسلام آباد موقفا أكثر صرامة ضد منظمة لشكر طيبة التي مقرها في باكستان وكانت وراء مذبحة مومباي.

جاء تصريح سينغ بعد أسبوعين من إطلاق محكمة باكستانية سراح زعيم لشكر طيبة حافظ محمد سعيد من السجن بسبب عدم وجود الأدلة الكافية لاستمرار حبسه، وكانت الحكومة الباكستانية تقدمت بالتماس مؤخرا إلى المحكمة للطعن في إطلاق سراحه.

وفي تطور ذي صلة قررت محكمة باكستانية تنظر في قضايا الإرهاب تأجيل النظر في قضية خمسة أشخاص من لشكر طيبة ممن اعتقلتهم السلطات الباكستانية لصلاتهم مع هجمات مومباي حتى 18 يوليو/تموز.

وستراقب نيودلهي بعناية كيفية تعامل الحكومة الباكستانية مع من خططوا لهجمات مومباي، وتربط ذلك بكيفية المضي قدما في مباحثاتها مع إسلام آباد, خاصة أن وزيري خارجية البلدين التقيا على هامش مؤتمر قمة عدم الانحياز في شرم الشيخ في مصر.

وقد حصلت حادثة مؤخرا على الحدود بين البلدين تظهر ضرورة الاتصال المستمر والمنتظم بين البلدين حين أقدم مسلحون من داخل الأراضي الباكستانية على إطلاق صواريخ على قرية هندية داخل ولاية البنجاب بالقرب من الحدود الدولية، وهذا أول حادث من نوعه يقع عبر الحدود ويبرز القلق الجديد من احتمال قيام مسلحين مقرهم في باكستان بإشعال فتيل حرب هندية باكستانية أوسع.

دعم زيادة النشاطات المدنية الأفغانية
تتلخص الفكرة في زيادة عدد المختصين في الشؤون المدنية داخل الوزارات الأفغانية من أجل بناء قدرة حكومية وتسريع عملية التنمية وإعادة الإعمار، وهو ما يرحب به الأفغان على نطاق واسع، وعلى الكونغرس الأميركي أن يعمل عن كثب مع الإدارة لتزويد السلطات المختصة بما يساعدها على نشر المختصين المدنيين بأقصى سرعة ممكنة.

لا يكفي التزام الرئيس أوباما ببناء جيش وطني أفغاني بقوة 134 ألف عنصر، لأن استخدام المزيد من الموارد لتوسيع الجيش الوطني الأفغاني سيسرع من عمليات تسلم السلطات الأمنية الأفغانية في بلدها، ويمنع المزيد من إهدار الدماء والأموال الأميركية في المستقبل.

وقد تحدث مسؤولون من كل من أفغانستان وباكستان عن رؤية جديدة فيما يخص العلاقات بين البلدين عن طريق توسيع التجارة والتفاعل الاقتصادي.

وفي هذا السياق طالب مسؤول أفغاني ببناء طريق تربط بين ميناء جواذر الباكستاني في بلوشستان ومدينة قندهار كسبيل لتنشيط التجارة في المنطقة.

وعلى الولايات المتحدة أن تظهر للزعماء الباكستانيين بجلاء أن قمع وكبح زعامة طالبان الأفغانية في بلاهم شرط لمنح باكستان المزيد من المساعدات من أجل لعب دور أكبر في مشاريع إعمار أفغانستان.

كما أن على صناع السياسة الأميركية أن يعبروا بوضوح عن أنه لم يعد من المقبول القيام بدور مزدوج، حيث تقدم المساعدات لبعض الإرهابيين في حين تحارب البعض الآخر إن كانت باكستان ترغب في البقاء كدولة مستقرة والانضمام إلى بقية المجتمع الدولي.

توفير المساعدة
تقوم الولايات المتحدة بتقديم المساعدات الإنسانية لسكان وادي سوات الذين شردتهم الحرب، ولكن على صناع السياسة الاستمرار في مراقبة الوضع خشية استخدام طالبان لمحنة المشردين من أجل تجنيدهم.

وهناك تقارير عن قيام منظمة لشكر طيبة بتقديم مساعدات للمشردين عن طريق مؤسسة الفلاح، وذُكر أنها أرسلت نحو ألفين من العاملين لتقديم المساعدة والنقل للمشردين في ثلاثة معسكرات مختلفة، وعلى الولايات المتحدة الإصرار على تكبيل أيادي المجموعات المتطرفة التي تقدم المساعدات للمشردين.

فشلت العمليات العسكرية الباكستانية في الماضي في جلب الاستقرار لمنطقة القبائل أو تشديد قبضة الحكومة عليها، وعلى الولايات المتحدة تشجيع باكستان على وضع وتنفيذ إستراتيجيات عقب العمليات العسكرية التي ستؤدي في نهاية المطاف إلى إيجاد سلطة للحكومة في المنطقة، ومن ثم القيام بإصلاحات من شأنها دمج المنطقة ضمن الإطار السياسي الباكستاني.

كما أن على الولايات المتحدة تشجيع الزعماء الباكستانيين على إيجاد خطة شاملة لمواجهة المتطرفين في البلاد، وهو ما يستدعي أن يعمل الزعماء الفدراليون وزعماء الولايات المدنيون والجيش بانسجام، ويعززون تكتيكات وإستراتيجيات بعضهم بعضا.

وسوف تتوسع موارد الحكومة الباكستانية على ضوء سعي الجيش لفرض الاستقرار في وادي سوات والقضاء على المسلحين في المناطق القبلية، وعلى الولايات المتحدة التحلي بالصبر حيال المساعي الباكستانية، وعدم توقع تحسن الوضع في منطقة القبائل بين عشية وضحاها، بل إن إعادة السيطرة الكاملة على المنطقة يتطلب سنوات عديدة.

"
باكستان على مفترق طرق مهم وتبدي إدارة أوباما رغبة في استخدام موارد مهمة للمساعدة في تحويلها إلى دولة مزدهرة، لكن تحقيق ذلك منوط بتعديل مواقف زعماء باكستان من الأمن الإقليمي، والنظر إلى خطر الإرهاب الداخلي كحالة مستعجلة
"
من المحتمل أن يجد الجيش الباكستاني نفسه مضطرا لتوقيع اتفاقيات سلام جديدة مع المسلحين، خاصة إن تعثر سير المعارك أو زادت العمليات الانتحارية الثأرية، وعلى واشنطن أن تقنع الزعماء الباكستانيين بأن مثل تلك الاتفاقات في الماضي أدت إلى تقويض وضعهم الإستراتيجي ويجب تفادي ذلك بكل ثمن.

وعلى الولايات المتحدة أن تبدي التزامها بشراكة بعيدة المدى مع باكستان في الوقت الذي تتقدم فيه في محاربة طالبان، كما أن المناطق الحرة التي تسمح للولايات المتحدة باستخدام المنتجات في المناطق الحرة على الحدود بين باكستان وأفغانستان ستساعد كذلك دول جنوب آسيا في الاستفادة من التعاون الإقليمي.

وسيؤدي سن قوانين المناطق الحرة إلى تغيير الوضع الأمني في المنطقة، ويبعد كلا من أفغانستان عن حالة الفقر المدقع التي تؤجج التطرف الديني والإرهاب وتتجه نحو التعاون والتكامل الإقليمي.

وعلى الكونغرس دعم المساعي التي من شأنها تحسين صورة حملات الناتو والولايات المتحدة في كل من أفغانستان وباكستان وإلباسها ثوبا أجمل في كيفية التعامل مع الشعب الأفغاني بدلا من الاعتماد فقط على إستراتيجية رد الفعل على الأحداث.

ورغم أنه من المهم التصرف بناء على الحقيقة، فإن هناك أحداثا تستغرق بعض الوقت لتكشف الحقائق حول حادثة ما، مثلما حصل مع الغارات الجوية في ولاية فرح التي تسببت في وفاة العديد من المدنيين الأفغان.

كما يجب على الولايات المتحدة زيادة الوعي بخصوص رسائلها العامة على كل من التمرد والشعب الأفغاني سواء بسواء، فقد أدت الإعلانات الأميركية بأن الوضع في أفغانستان سينقلب رأسا على عقب خلال فترة سنة أو سنتين إلى نتائج عكسية وشجعت العدو الذي يهدف إلى إضعاف عزيمة المجتمع الدولي.

تشجيع التقارب الهندي الباكستاني
على الولايات المتحدة أن تتحلى بالحساسية فيما يتعلق بعمق الخصومة الهندية الباكستانية والتحرك بحرص بخصوص قضية كشمير, وعليها أن لا تقع في فخ الدفع لاستئناف المحادثات الهندية الباكستانية كهدف بحد ذاته، ولكن عليها تشجيع تغييرات في ديناميكية العلاقات الهندية الباكستانية مما يقلل من حدة التوتر واستئصال الإرهاب من المنطقة.

وقد كان من المفهوم إصرار الهند على طلبها بإغلاق مقرات لشكر طيبة في باكستان حتى قبل هجمات مومباي، ولكنه بات من الضروري تقليل فرص القيام بمزيد من الهجمات الإرهابية التي قد تؤدي إلى حرب بين الدولتين النوويتين، أما الدفع نحو استئناف محادثات السلام الهندية الباكستانية دون اتخاذ عمل قوي ضد من خططوا لهجمات مومباي فمن شأنه تقوية منظمات مثل لشكر طيبة.

إن استخدام عبارات غامضة من قبل الولايات المتحدة بشأن مباحثات السلام الهندية الباكستانية مثل القول بأن أي حل يجب أن يضع في الحسبان إرادة الشعب الكشميري لن تساعد كثيرا في إقامة السلام في المنطقة، وبدلا من ذلك تزيد من سقف التوقعات الزائفة بقدرة الولايات المتحدة على التوسط.

وعلى الولايات المتحدة تشجيع المسؤولين الباكستانيين والهنود على إيجاد نمط أمني مختلف للمنطقة يسمح بالتركيز على احتواء الأطراف غير الحكومية الخطرة التي تهدد استقرار كلا البلدين، وأهمها إعراب باكستان عن موقفها القاضي بعدم السماح بتصدير الإرهاب من أراضيها.

وإذا ما اتخذت باكستان عملا حاسما للجم لشكر طيبة فإن ذلك سينسج خيوط الحوار الذي جرى بين باكستان والهند منذ 2004 وحتى 2007 الذي تسبب في تعزيز الثقة المتبادلة عبر زيادة الزيارات المتبادلة لمواطنيهما وزيادة قيمة التبادلات التجارية بينهما إلى ما يزيد عن مليار دولار، وتسيير رحلات بالحافلات والقطارات وتسهيل إصدار التأشيرات لتشجيع السفر بين البلدين.

وقد حصل تقدم في قضية كشمير الملتهبة عن طريق تهدئة لهجة الحكومتين بشأن القضية، والحل النهائي لقضية كشمير عن طريق عدم المس بالحدود القائمة والتوجه نحو تسهيل التعاون بين الشطرين الهندي والباكستاني في كشمير وعدم اعتماد الخط الفاصل بينهما.

الخلاصة
باكستان على مفترق طرق مهم وتبدي إدارة أوباما رغبة في استخدام موارد مهمة للمساعدة في تحويلها إلى دولة مزدهرة ومسالمة وناجحة، لكن تحقيق ذلك منوط بتعديل مواقف زعماء باكستان من الأمن الإقليمي والنظر إلى قضية خطر الإرهاب الداخلي كحالة مستعجلة كما تفعل واشنطن.

وهذا لن يتم إلا بقيام شراكة قوية وموثوق بها بين كل من الولايات المتحدة وباكستان، من شأنها أن تفضي إلى استقرار الاقتصاد الباكستاني ومواجهة المتطرفين الذين يحاولون تدمير تقاليد التسامح لهذا البلد، وإعاقة نموه وتطوره وعزل البلاد عن المجتمع الدولي.

المصدر : الصحافة الأميركية