في مقال تحليلي له بمجلة فورين بوليسي، حذر جوش كيريل من أنه إذا لم يُدخل عالم المخابرات تغييرات أساسية وجوهرية على الطريقة التي ينفذ بها عمله فإن فعالية المخابرات لا يمكنها سوى الانحدار نحو الهاوية.
 
ويضيف كيريل أن جهاز المخابرات الأميركية ما زال يعمل كما كان في عهد الحرب الباردة وهو جهاز من نمط سري ومركزي, فالمحللون يعملون على تحليل المواد السرية ذات المصدر المكشوف والتي تؤدي بشكل لا مناص منه إلى عملية التصنيف والتبويب، والدافع لمحلليها هو توفر المعلومات وليس المتطلبات التحليلية.
 
ونظرا لعدم وجود حقائق يمكن جمعها بخصوص المستقبل، يميل المحللون إلى التركيز على الحاضر رغم التأكيد على محاولة منع حصول مفاجآت من قبيل 11 سبتمبر/أيلول 2001، وختاما فإن معيار نجاح جهاز المخابرات هو بكمية المعلومات التي يحصل عليها وليس من خلال سياسة ما هي المساعدة التي توفرها تلك المعلومات.
 
لقد أقيم هذا الجهاز الارتدادي أو الرجعي -حسب الكاتب- من أجل الزمن الماضي أيام حقبة الحرب الباردة حيث كان العالم أكثر ثباتا وأقل تحركا، بحيث كان من الممكن أن تعرف بالضبط إلى أين توجه ناظريك "على الاتحاد السوفياتي"، وحيث كانت السرية تفرض قيودا صارمة على الدخول إلى المعلومات، وكان التحذير خاصة حول العمل العسكري على درجة قصوى من الأهمية.
 
غموض والتباس
لكن إستراتيجية اليوم المعدة -يضيف كيريل- لا تبدي سوى القليل من هذه السمات هذا إن وجدت على الإطلاق, ونظرا لأن الأخطار يمكن أن تبرز من أي مكان, فإنه لا توجد نقطة محددة للمحللين ليركزوا عليها، فكثرة الأهداف والعلاقات باتت أكثر ديناميكية، وعليه فإن مضمون المعلومات الاستخبارية الخام التي يجب تحليلها بات أكثر غموضا والتباسا.
 
ويرى كيريل أن جهاز المخابرات بذل بعض الجهود لتبني حقبة ما بعد 11 سبتمبر/أيلول وحرب العراق، ومع ذلك فمن الصعب عدم رؤية معظم هذه المبادرات بدءا من إنشاء مكتب مدير المخابرات القومية باعتبارها أقل أهمية.
 
وفي أحسن الأحوال فهذه معايير تظهر وجود تغييرات أكثر مما تعرضه في الحقيقة, ولكنها في أسوأ الأحوال عبارة عن مضللات تجعلنا نشعر بتهنئة أنفسنا على تبنينا نهج التحديث في الوقت الذي ما زلنا فيه على عهدنا القديم من حيث ما نقوم به من عمل ولم يحدث تقدم في نظام عملنا.
 
"
جوش كيريل: ما نحتاجه اليوم هو مركزية التحليل وليس مركزية جمع المعلومات، وهو الأمر الذي من شأنه تعزيز أهمية المعلومات غير المصنفة
"
مركزية التحليل
ويضيف الكاتب أن ما نحتاجه اليوم هو مركزية التحليل وليس مركزية جمع المعلومات وهو الأمر الذي من شأنه تعزيز أهمية المعلومات غير المصنفة ويخفف من تقسيم وتبويب تلك المعلومات، وسيشجع المحللين على اقتناص المعلومات عوضا عن العيش في عالم هاجس السرية، وهنا فإن مصادر المعلومات المكشوفة على قدر كبير من الأهمية وكذلك فرق المعلومات التي يغذيها النظام الحالي.
 
ويقترح كيريل على أجهزة المخابرات أن توفر مضامين ومحتويات والسماح بالافتراضات الخيالية، ولعله من الأهم بالنسبة للمخابرات العصرية أن تربط المحللين بعلاقة مع صناع القرار السياسي والتخلي عن علاقة المنتج والمستهلك كما كان في الماضي، وهنا يمكننا تحديد الفرص وليس مجرد الأخطار فحسب.
 
وأبدى الكاتب استغرابه من أن هناك العديد ممن يقولون إن جهاز المخابرات يعاني من مكابدة إعادة التنظيم وأن ما يحتاجه الآن هو أن ندع النظام المتكامل المتماسك وشأنه، ولكن تبني ذلك التوجه يعتبر خطأ كبيرا إذ إن الواقع هو أن الذي يمكنه إعادة الاعتبار لنا هو إجراء تغييرات أساسية فقط، وبخلاف ذلك ستهوي مؤسسة المخابرات نحو نقاش تافه بخصوص الإستراتيجية القومية والسياسية.
 
يذكر أن جوش كيريل محلل مخابرات سابق في كل من البحرية الأميركية ووكالة المخابرات المركزية (سي.آي.أي) ويعمل في مكتب مدير المخابرات القومية. وما ورد في المقالة يعبر عن رأيه الشخصي فقط ولا يعبر عن نية مستترة للموافقة عليها من قبل مكتب مدير المخابرات القومية أو أي وكالة أميركية أخرى.

المصدر : الصحافة الأميركية