بعدما غيب الموت حيدر عبد الشافي عن غزة, ها هم الإسرائيليون يدفعون أولاده للمغادرة(الفرنسية-أرشيف)

على بعد نصف كيلومتر من معبر إيريز الذي تتحكم إسرائيل من خلاله في دخول وخروج الأشخاص من غزة عبر أراضيها, تقيم حركة حماس المسيطرة على هذا القطاع نقطة تفتيش في كوخ متواضع مدمر جزئيا منذ الهجوم الإسرائيلي على غزة بداية هذا العام.

هنا توقف يوم 25 مارس/آذار الماضي المدير المحلي لبرنامج الأمم المتحدة للتنمية خالد عبد الشافي الابن الأكبر للمرحوم حيدر عبد الشافي الذي كان يمثل رمزا "للضمير الفلسطيني" الحي, ليقول في هذا اليوم وداعا لغزة.

فها هي الأمم المتحدة توفر لهذا الرجل المعروف بقلة كلامه والذي لا يزال في الأربعينيات من عمره, ترقية للعمل في مقرها بنيويورك لينضم بذلك إلى أخويه اللذين سبقاه إلى الشتات, فطارق دفعته مآسي حرب غزة الأخيرة إلى الانتقال إلى عمان, أما صلاح فقد عينته السلطة الفلسطينية سفيرا لها في ستوكهولم عام 2006.

وبعد مرور هذا الموظف الأممي الكبير عبر معبر إيريز يكون الستار قد أسدل على ملحمة آل عبد الشافي, وبذلك يكون فصل من تاريخ هذا القطاع قد أغلق بصمت, فصل عائلي متواضع, وإن كانت صفحاته تزخر بالقيم الرمزية, فالمسار الشهير لهؤلاء الإخوة يحكي منحنى السقوط  الذي تهاوت باتجاهه هذه القطعة من الأرض التي لا تكاد تخرج من محنة إلا لتدخل في أخرى.

بالنسبة لابن عم هؤلاء الإخوة سامي عبد الشافي فإن "مغادرة عائلة كهذه لوطنها الأم, عائلة منحت كل ما في وسعها من أجل السلام والتنمية, يعكس مدى التفكك الذي أصاب أمتنا, فالواقع أن إرثا كاملا قد اختفى كما لو كنا قد اقتلعنا جذور شجرة كبيرة. أما بالنسبة لإسرائيل التي ظل هدفها دائما إفراغ فلسطين من نخبتها فهذه نعمة".

"
من الصعب على أي فلسطيني مولود بغزة أن يفكر في الهجرة, فشبح النكبة ونزوح 700 ألف فلسطيني طردوا من أرضهم عام 1948 من طرف القوات اليهودية لا يزال يمثل عبئا ثقيلا على الكواهل, والتصميم على أن ذلك لن يتكرر ثانية يروي بعمق الضميرَ الفلسطيني
"
ومن الصعب على أي فلسطيني مولود بغزة أن يفكر في الهجرة, فشبح النكبة ونزوح 700 ألف فلسطيني طردوا من أرضهم عام 1948 من طرف القوات اليهودية لا يزال يمثل عبئا ثقيلا على الكواهل, والتصميم على أن ذلك لن يتكرر ثانية يروي بعمق الضميرَ الفلسطيني.

بيد أن غزة الشهيدة بدأت تشهد منذ العام 2006 تململا جعل الحديث يزداد حول الحصول على تراخيص العمل بالخارج, فالقصف الإسرائيلي شبه المعتاد صاحبه تفاقم الكساد الاقتصادي بسبب الحصار المفروض على حكومة حماس, وازداد الوضع سوءا نتيجة حرب داخلية بين حركتي فتح وحماس وتصفية للحسابات بين الفرقاء..إلخ

وشيئا فشيئا بدأت هجرة العقول الفلسطينية, وقد انتهزت ابنة خالد, ياسمين فرصة هدنة قصيرة عام 2006 لتذهب صحبة أمها الألمانية إلى ألمانيا لتكمل دراستها, وبقي خالد في غزة أملا في تحسن الأوضاع قرب والده الذي كان في آخر مرحلة من حياته التي تميزت بالاضطراب.

فحيدر الذي ولد عام 1919 ولم تغره العروض السخية بأميركا للبقاء فيها بعد تخصصه في الجراحة، كان من بين عدد قليل من الفلسطينيين قبلوا بتقسيم الأمم المتحدة لفلسطين عام 1948 بوصفه "أقل الحلول سوءا".

ويقول أخوه مصطفى الذي سار على خطاه في أميركا إنهم قرروا أن يعودوا إلى وطنهم ليخدموه، وأن أي شيء غير ذلك سيكون مخالفا للوطنية.

وقد سار أولاد حيدر على نفس النهج, فبعدما درسوا في روسيا وفرنسا وألمانيا عادوا إلى وطنهم تأسيا بوالدهم ولم يمكثوا طويلا قبل أن يحصل كل واحد منهم على وظيفة في مجاله, فشيدوا بيوتهم وأعمالهم بغزة.

ورغم أن أولهم غادرها منذ العام 2006, فإن المفارقة أنهم أحسوا بنوع من الارتياح بعد استيلاء حماس على السلطة بغزة, "لقد كان التغيير كبيرا مقارنة مع أيام فتح" يقول طارق، مضيفا أنه في ظل حماس "أصبحت المليشيات والعصابات تحت السيطرة ولم بعد هناك اختطاف ولا سطو، وأصبح بإمكان المرء التجول وحده ليلا داخل غزة".

واجتمعت العائلة للمرة الأخيرة في سبتمبر/أيلول 2007 قبل وفاة حيدر الذي مات وعمره 88 عاما, ليدشن غيابه بداية تشتت بقية العائلة, خاصة أن السنة التي تلت ذلك تعد إحدى اسوأ السنوات التي عرفتها غزة, إذ لم تتوقف الغارات الإسرائيلية عليها إلا قليلا، وأدى الحصار الذي ضربته عليها تل أبيب إلى نقص حاد في الخبز والماء والكهرباء، ثم توج ذلك بالعدوان الذي تعرضت له غزة أواخر ديسمبر/كانون الأول 2008.

وخلال ثلاثة أسابيع قتلت أكثر من ألف فلسطيني و"دمرت 14 ألف بيت جزئيا أو كليا، وهدمت 85% من مصانع الخرسانة بغزة، وسببت خسائر تقدر بـ140 مليون دولار في القطاع الزراعي"، حسب آخر تقرير لخالد.

فهل سيعود آل عبد الشافي مرة أخرى إلى غزة, "ليست هذه مغادرة نهائية" يقول طارق، "فنحن نخرج من غزة وقلوبنا تعتصر ألما وحزنا".

من تقرير لبنيامين بارت مراسل صحيفة لوموند الخاص بغزة بتاريخ 10 مايو/أيار 2009.

المصدر : لوموند