أهي بداية جسر الهوة بين الغرب والإسلام؟ أم هي خطوة لرأب الصدع بين هذين العالمين؟ أم هل هي بكل بساطة مؤشر على أن ساعة تركيا قد أزفت, رضي الاتحاد الأوروبي بضمها أم لم يرض؟ تساؤلات حاولت الصحف البريطانية الصادرة اليوم الثلاثاء الرد عليها تعليقا على زيارة الرئيس الأميركي باراك أوباما لأنقرة.

"
أوباما يجد عناء شديدا في النأي بنفسه عن سياسات سلفه بوش وطمأنة العالم الإسلامي
"
ديلي تلغراف
إخماد النار باللهيب
لم يفت صحيفة ديلي تلغراف تقديم الرئيس الأميركي للبرلمان التركي باسمه الثلاثي باراك حسين أوباما الذي قالت إنه تحاشاه طيلة حملته الانتخابية للوصول إلى البيت الأبيض العام الماضي.

الصحيفة أشارت إلى أن أوباما يجد عناء شديدا في النأي بنفسه عن سياسات سلفه جورج دابليو بوش وطمأنة العالم الإسلامي.

وأبرزت في هذا الإطار استخدامه للمثل التركي القائل "لا يمكننا إخماد النار بألسنة اللهب" عند حديثه عن العلاقة الأميركية مع المسلمين، مؤكدا أن تلك العلاقة ليست ولن تكون على أساس الموقف المعادي لتنظيم القاعدة وأن أميركا ليست ولن تكون في حرب مع الإسلام.

موقف اعتبرته صحيفة فايننشال تامز في افتتاحيتها مثيرا للدهشة بعد السنوات الثماني لإدارة بوش وما تميزت به من سياسات خاطئة في الشرق الأوسط الموسع, حيث كانت دراسة للمواقف العالمية من السياسة الأميركية أجراها معهد بيو قد أظهرت أن 9% فقط من الأتراك يؤيدون تلك السياسة.

بل إن الأغلبية الساحقة في العالم الإسلامي ممن استطلعت آراؤهم في الدراسة المذكورة أكدوا أن الولايات المتحدة الأميركية تخوض بالفعل حربا ضد الإسلام عبر مواقفها من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ولبنان وأفغانستان وقبل كل هذا وذاك حربها على العراق, وما زيارة أوباما لتركيا إلا بداية لمحاولات مضنية وطويلة الأمد لإعادة بناء الجسور مع الإسلام, على حد تعبير الصحيفة.

ولئن كان أوباما قد تعهد بدعم نظرة الزعيم التركي الراحل مصطفى كمال أتاتورك في تحويل تركيا إلى دولة ديمقراطية حديثة ومزدهرة, فإنه أشاد حسب صحيفة تايمز- في مرحلة لاحقة من زيارته بالإسلام قائلا إنه قدم الكثير على مدى قرون عدة لإعادة تشكيل العالم نحو الأفضل.

وقالت إن أوباما إنما اختار التصريح بهذا في أنقرة بالتحديد لأن إرث أتاتورك يوثق رباط تركيا بالغرب بينما يشدها دين أغلبيتها إلى الشرق الأوسط.

لماذا تركيا؟
فايننشال تايمز
ردت على هذا السؤال بالقول "ليس بسبب كون تركيا حليفا في منظمة حلف شمال الأطلسي فحسب ولا لأنها الجسر الطبيعي بين أوروبا وآسيا ولا حتى لأنها دولة ديمقراطية مسلمة، وإنما أيضا لكون الحزب الحاكم فيها استطاع بنجاح المزج بين أنموذج سياسي إسلامي متطور وبين الديمقراطية في منطقة شرق أوسطية غارقة في الطغيان والاستبداد".

وتضيف الصحيفة أن الولايات المتحدة التي لا تمتلك خطوط تواصل كثيرة في المنطقة تجد ضالتها في قنوات الحليف التركي المفتوحة على سوريا وإيران وحماس وكذلك على السعودية وإسرائيل.

فالدعم التركي في تأمين انسحاب أميركي على نحو منتظم من العراق ضروري للغاية, ناهيك عن كونها تمثل منصة هامة لإمدادات الجيش الأميركي بأفغانستان وحليفا مهما في الحرب هناك.

وتكمن أهمية أنقرة أيضا في كونها مثالا حيا على أن الإسلام والديمقراطية بأبهى صورها يمكنهما أن يتعايشا بصورة عادية حسب تايمز.

والحقيقة المزعجة -حسب صحيفة غارديان- هي أن الدولتين الأقوى نفوذا في الشرق الأوسط هما تركيا وإيران وكلاهما ليست عربية, ولذلك فإن الصحيفة ترى أن أوباما أحسن فعلا عندما اختار تركيا لتسليط الضوء على محاولته جسر الهوة بين الغرب والإسلام.

وعليه فإن صحيفة ديلي تلغراف ترى أن اختيار تركيا هو في الواقع اعتراف بأن ساعتها قد أزفت, مؤكدة أن أهميتها الإستراتيجية تكمن في كونها متراس الغرب ضد كل التهديدات المحتملة القادمة من الشرق سواء كان مصدرها النزعة القومية الروسية المتجددة أو الأصولية على الطراز الإيراني.

كما أشادت الصحف البريطانية بدعوة أوباما للقادة الأوروبيين بقبول انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، وأبرزت أهمية ذلك بالنسبة للطرفين.

"
إذا كان رأي أوباما بشأن انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي يغيظ الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي كما تبين فليمت بغيظه
"
تايمز
الزلزال الجيوسياسي
لقد أصاب أوباما عندما دعا لضم تركيا إلى الاتحاد الأوروبي وكان محقا بالتصريح بذلك علنا, بهذه العبارة لخصت تايمز افتتاحيتها التي حثت فيها الأوروبيين على قبول ضم تركيا لاتحادهم.

وأضافت "إذا كان رأي أوباما بشأن انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي, يغيظ الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي كما تبين فليمت بغيظه, فلئن كان الزعيم الفرنسي محقا من الناحية الفنية في القول بأن القرار النهائي في ضم تركيا سيتخذ من طرف الدول الأعضاء في الاتحاد, فهو مخطئ بل مؤذ في اتهام واشنطن بأن لا دور لها في هذا النقاش الحيوي".

وأبرزت تايمز عددا من الأمثلة على المحاضرات التي ما فتئ الأوروبيون يقدمونها للعالم الجديد حول كيفية العيش وحول المصير والمسؤوليات سواء خلال الحربين العالميتين أو بشأن تعزيز التجارة الحرة.

واعتبرت ديلي تلغراف في افتتاحيتها أن أوروبا بتبنيها تكتيكات ماكرة حيال انضمام تركيا للاتحاد إنما تخسر فرصة لا تعوض لبناء علاقات أوسع مع حليف مسلم، علاقات تكون مبنية على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.

وحذر بروفيسور العلاقات العامة بكلية أورييل بأكسفورد مارك آلموند في مقال له بتايمز من التداعيات الخطيرة لرفض ضم تركيا إلى الاتحاد, قائلا إن صبر الأتراك بدأ ينفد.

آلموند قال إن أوباما يدرك مدى أهمية كسب ود أنقرة لكن الاتحاد الأوروبي على عكسه يعتبر علاقته بهذا البلد تحصيل حاصل.

وشدد على أن حاجة الأتراك إلى أوروبا تتقلص شيئا فشيئا, مشيرا إلى أن كل الأحزاب التركية لا تزال على الأقل في تصريحاتها العلنية تؤيد الانضمام إلى الاتحاد, لكنها في الواقع تدرس البدائل وتتلمسها في هلال يمتد من روسيا إلى دول الخليج.

وبعد أن استطرد ما سيخسره الطرفان وخاصة الأوروبيين من عدم قبول تركيا ضمن اتحادهم، قال إن تخلي السياسيين الأتراك عن طموح الانضمام إلى هذا الاتحاد سيمثل زلزالا جيوسياسيا ستمتد موجاته الارتدادية لتطال أوروبا ومن ثم الغرب كله.

المصدر : الصحافة البريطانية