تحت عنوان "تودد واشنطن يخيف طهران" كتب محرر الشؤون الخارجية بصحيفة تايمز مقالا أبرز فيه التناقض بين إيران الرسمية وإيران الشعبية, قبل أن يتساءل عن تأثير اللهجة التصالحية للرئيس الأميركي باراك أوباما حيال طهران على نتائج الانتخابات الرئاسية الإيرانية القادمة.

فلئن كانت القوانين الإسلامية المطبقة بإيران تلزم الإيرانيات بتغطية أجسادهن, فإن ريتشارد بيسستون يؤكد أن الشابات الإيرانيات يمططن تلك القواعد لتنكشف لديهن ملابس الموضة والشعر المصبوغ وأنواع الماكياج الثقيل, فضلا عن آخر صيحات جراحات التجميل.

"
الإيرانيون المعروفون بانفتاحهم وكرم ضيافتهم يفاجئونك باعتقادهم في نظرية المؤامرة الغربية وفي أن اليهود هم الذين يتحكمون في العالم
"
أما الإعلام الإيراني المتخم بالدروس الدينية والأفلام الوثائقية للحرب الإيرانية العراقية, ناهيك عن خطابات زعماء البلد, فلا يأخذ حيزا يذكر داخل بيوت الإيرانيين بل يستعاض عنه بالقنوات الفضائية المحظورة الناطقة بالفارسية التي تعج بالموسيقى وبالأخبار التي لا تخضع للمراقبة أو يستعاض عنه بالمواقع الإلكترونية الأجنبية.

والغريب أن نفس الشاب الإيراني الذي يردد "الموت لبريطانيا وأميركا" أثناء خطب الجمعة كثيرا ما ينظر إلى الكرة الإنجليزية كما لو كانت ديانته الثانية, كما أن طوابير الإيرانيين الراغبين في الحصول على التأشيرة تمتد لتلتف حول عمارة السفارة البريطانية.

وهذا لا يعني أن الإيرانيين المعروفين بانفتاحهم وكرم ضيافتهم لا ينزلقون بسهولة وهم يتحدثون معك إلى التأكيد على اعتقادهم في نظرية المؤامرة الغربية وفي أن اليهود هم الذين يتحكمون في العالم.

هذه هي إيران التي تخلد الآن الذكرى الثلاثين لقيام الثورة الإسلامية تجد نفسها في مواجهة أزمة هوية حقيقية, فهي تصارع للحفاظ على مثل الثورة وفي الوقت ذاته تعمل جادة للإبحار بأمان في لج العالم الحديث المتلاطم الأمواج.

وهذا هو بالضبط ما يختلج في صدور مرشحي الرئاسة الإيرانية وهم يفكرون في كيفية التعامل مع مشكلتين أساسيتين تتمثلان في عرض زعيم "الشيطان الأكبر" إنهاء ثلاثين سنة من العداء بين واشنطن وطهران, وفي معالجة الملف النووي الإيراني.

لقد تركت رسالة أوباما -التي بعث بها للشعب الإيراني الشهر الماضي- النظام هناك في حيرة من أمره, فنبرة الرؤساء الأميركيين يجب أن تظل معادية.

"
لقد تركت رسالة أوباما التي بعث بها للشعب الإيراني الشهر الماضي النظام هناك في حيرة من أمره, فنبرة الرؤساء الأميركيين يجب أن تظل معادية
"
ولهذا وجد الزعماء الإيرانيون أنفسهم مضطرين للتقليل من قيمة هذه النبرة, ما بين مؤكد أنها مجرد قناع لحجب مؤامرة جديدة ضد طهران ومشكك في أن يكون "القفاز المخملي" لأوباما يخفي "قبضة من حديد", بل وصل الأمر لدى البعض حد التعبير عن الأسف على أيام الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش الذي كان على الأقل "صريحا".

ومن المعروف أن معاداة أميركا هي أحد الأسس المركزية لفلسفة الثورة الإيرانية, ولذلك تنظر طهران بعين الريبة لمصافحة أوباما مع الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز وللتدابير الأميركية الجديدة للتقارب مع كوبا.

فتغير النظرة لأميركا بوصفها العدو المتعطش للدماء لا يعني إعادة زخرفة كثير من جدران طهران المليئة بالدعاية ضد أميركا فحسب, وإنما يعني كذلك التخلي عن أحد أهم أسس الثورة الإسلامية, وإذا حصل ذلك فما الذي سيليه؟ هل ستجتاح الثقافة الأميركية البلد كما كانت الحال قبل ثورة 1979؟ وهل سيبدأ ملايين المغتربين الإيرانيين في العودة من جديد إلى طهران لتحويلها إلى لوس أنجلوس الشرق الأوسط؟ 

ولا شك أن مسألة من سيكسب الانتخابات الرئاسية الإيرانية القادمة سيكون لها دور كبير في الإجابة عن الأسئلة السابقة, إذ إن نتائج تلك الانتخابات هي التي ستحدد توجه هذا البلد وستكون لها تداعيات ليس على إيران فحسب وإنما على المنطقة بل والعالم أجمع.

المصدر : تايمز