مسلمون فرنسيون في احتجاجات سابقة على الإسلاموفوبيا (رويترز)

اتهمت وسائل الإعلام العالمية فرنسا بمعاداة الأجانب وخاصة مواطنيها المسلمين, ونقلت صورا من استياء وتململ المواطنين الفرنسيين من أصول أجنبية من هذا الأمر, وربط بعضها بين ما تشهده فرنسا من نقاش حول الهوية الوطنية وبين قضية البرقع المثارة حاليا بها, محذرة من الخطاب العنصري الذي طبع هذا النقاش.

فقد حضرت مراسلة صحيفة لوس أنجلوس تايمز الأميركية جزءا من هذا النقاش في إحدى المقاطعات وخرجت مرتبكة, تحمل معها ما قالت إنه تعليق لأحد الحاضرين يقول فيه: "من أراد أن يكون فرنسيا فليكن ما ينساب في عروقه دما فرنسيا".

وهو ما لم يفت على صحيفة واشنطن بوست حين اختارت للحديث عن هذه المسألة عنوان "التوتر يزداد حول قضية المسلمين الفرنسيين", وسط استمرار نقاش البلد قضية هويته الوطنية, واختارت الصحيفة الأميركية أن تغيّر تسمية الحزب الفرنسي الحاكم من "الاتحاد من أجل حركة شعبية" إلى "الاتحاد من أجل حركة وطنية قومية" بعد أن ذهبت إلى بلدة كاستر لمقابلة بعض مسلمي فرنسا غداة تدنيس مسجد لهم هناك, ثم تعرب عن قلقها من "الإشارات" المتزايدة الدالة على أن فرنسا "لم تعد مرتاحة لمسلميها البالغ عددهم خمسة ملايين".

أما كاتب أحد الأعمدة في صحيفة تايمز اللندنية تشارلز برمنر فاختار عنوانا كانت صحيفة ماريان الفرنسية قد اختارته لوصف وزير الهجرة الفرنسي أريك بيسون، هو "أبغض رجل في فرنسا", قبل أن يضيف أن بيسون بالنسبة لوسائل الإعلام ومثقفي نخبة اليسار الفرنسي تنطبق عليه كل صفات الأحمق المتملق الواردة في كوميديا الكاتب الفرنسي موليير", وهو دور تقول مجلة تايم الأميركية إنه يمكن أن يستمر في لعبه ما دام يحظى بدعم الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي.

خطر على اليمين
"إنه نقاش مؤلم بالنسبة لفرنسا بل هو شبيه بجلد الذات", حسب الصحيفة الهولندية أن أر سي هندلسبلاد, التي ترجع أصل هذا النقاش إلى الانتخابات الرئاسية الفرنسية عام 2002 وتذكر بالوعد الذي قطعه ساركوزي على نفسه بالتصدي لهذه القضية كي لا يظل الحزب الوطني الفرنسي (اليميني المتطرف) منفردا بها.

لكن ربما يضر هذا النقاش باليمين الفرنسي نفسه أكثر مما ينفعه, حسب مراقبين دوليين, إذ اختارت الصحيفة الأرجنتينية "باخينا 12" للحديث عنه العنوان التالي: "فكرة ساركوزي السيئة", مقدمة الرئيس الفرنسي كما لو كان مايسترو يجد صعوبة في العزف على أي شيء سوى "اللحن النشاز", فهناك خطر حقيقي, حسب صحيفة البايس الإسبانية, في أن يؤدي تفاقم هذا النقاش يوما بعد يوم إلى عودة "السحر على الساحر" ورجوع السهم إلى نحر راميه (ساركوزي).

مجلة ماليزية: هناك صلة بين نقاش الهوية الوطنية وجدل حظر البرقع بفرنسا (الفرنسية)
شركاء نفد صبرهم
وغالبا ما عكس ردّ وسائل الإعلام الأجنبية نوعا من خيبة الأمل اتجاه فرنسا, فها هي مثلا صحيفة ماليجيان إنسايدر الماليزية, وهي تتحسس نبض قرائها المسلمين, تؤكد وجود صلة مباشرة بين نقاش الهوية بفرنسا وبين الجدل الدائر هناك بشأن البرقع. وتضيف أن أوروبا تشهد منذ مدة ليست بالقصيرة سن قوانين حول الدين, "لكن حتى هذه اللحظة ظلت تلك الإجراءات تتصدى لنقاط محددة ومشاكل قائمة بالفعل, أما سلسلة التدابير الأوروبية الحالية فلا تستند إلا إلى الخرافات", حسب الصحيفة.

ولا تنفي الكاتبة الإماراتية في مجلة خليج تايمز إيمان كردي أن تكون الهوية الفرنسية معرضة للخطر لكن ذلك نتيجة "ازدهار مطاعم ستارباكس وماكدونالدز في باريس أكثر مما هو بسبب الشباب المسلمين".

ولا تختلف نبرة الصحف الأفريقية الناطقة باللغة الفرنسية عن ذلك التوجه, إذ يحذر موقع أفريك دوت كوم من أن "العنصرية أقحمت نفسها في النقاش الرسمي" لقضية الهوية بفرنسا, مستشهدا بعدد من التعليقات المنشورة على الموقع الرسمي المخصص لهذا النقاش.

أما رئيس تحرير المجلة السنغالية كوتش, باركا با فاستشاط غضبا من تصريحات لكاتبة الدولة الفرنسية لشؤون الأسرة نادين مورانو حول "الشباب المسلم" (أدعو الشبان الفرنسيين المسلمين إلى أن يشعروا بأنهم فرنسيون وأن يبحثوا عن وظيفة يشغلونها ويكفوا عن استخدام اللهجة الشعبية) قائلا "قبل سنوات, كان أي مسؤول يدلي بمثل هذه التصريحات يجبر على الاستقالة فورا".

ونفس الاستغراب ميز كذلك نبرة الكاتب السنغالي بصحيفة لوسولي, مودو مامون فاي, إذ يقول "لا يبدو أن بعض السياسيين في فرنسا, التي بها وزير للهجرة والدمج والهوية الوطنية, قد أدركوا أن لا رجعة في مسيرة العالم نحو تلاحم الثقافات والشعوب والأمم وتمازج كل الأجناس والألوان".

المصدر : لوموند