آثار الحرب النفسية تفوق الدمار الذي لحق بالمباني (الفرنسية-أرشيف)

إلى أن اقتحمت القوات الإسرائيلة غزة كان ماجد عبد الله العثامنة البالغ ستين عاما يعتبر نفسه محظوظا. فقد كان يمتلك ستة منازل بالضاحية الشرقية لقرية عبد ربه في شمالي قطاع غزة وثلاث سيارات أجرة وعدة أفدنة من الأراضي المزروعة بشجر الزيتون والليمون. وكان كل أبنائه وأسرهم وعددهم 56 رجلا وامرأة وطفلا يعيشون في بيت العائلة.
 
"كنت كالمليونير"، يقول العثامنة وهو يراقب تل ركام الخرسانة الذي كان بيته ذات يوم. وفي أحد الجوانب هناك منزل من غرفتين مبني من الطوب اللبن لم يكتمل بناؤه إلا الأسبوع الفائت فقط سيكون مأواه الآن بعد شهور طويلة من العيش في الخيام.
 
لقد ضاعت ثروة العثامنة في يناير/كانون الثاني 2009 عندما تسللت القوات الإسرائيلية عبر الحدود في الأيام الأولى من الهجوم البري الذي ميز التصعيد الكبير لحرب غزة التي دامت ثلاثة أسابيع. وأبلغت العائلة آنذاك بإخلاء البيت وتم تفجيره عن آخره وكذلك كثير من المباني في المنطقة التي استخدمها الجيش الإسرائيلي كنقطة دخول للقوات والدبابات المقاتلة داخل القطاع.
 
ومن الجدير بالذكر أن الحرب التي توافق هذه الأيام ذكراها الأولى خلفت ألفا وأربعمائة شهيد فلسطيني ودمرت معظم البنية التحتية المتهالكة وكذلك آلاف المنازل. والآن وقد أزيل معظم الركام وأكوام الخرسانة والعمدان الملتوية من قطاع غزة إلا أن  كثيرا من سكان القطاع ما زالوا مثخنين بجراح المرارة والبغض لإسرائيل.
 
ويشير الواقع إلى أن معاناة أهل غزة العاديين أثناء الحرب قد تضاعفت خلال أشهر بسبب غياب إعادة الإعمار الجاد والافتقار إلى مواد البناء وشحنات المعونة للقطاع. وحتى قبل الحرب فرضت إسرائيل حصارا مشددا على الأرض رافضة السماح بدخول أي شيء غير المواد الإنسانية الأساسية إلى غزة التي تؤي 1.5 مليون فلسطيني.
 
ومن جانبه قال إبراهيم رضوان -نائب وزير الإسكان في حكومة حماس- إن إدارته تمكنت من إزالة الركام وتأمين نحو سبعمائة وحدة سكنية كانت مهددة بالانهيار. لكن الحكومة لا تملك المال ولا المواد للبدء في إعادة الإعمار.
ويقدر رضوان تكلفة إعادة بناء المساكن المدمرة وحدها مليار دولار وكل ميزانية وزارته لعام 2009 كانت 350 ألف دولار فقط.
 
ومن المعروف أن حرب غزة دمرت 2800 منزل وأعطبت 56800 ألفا وثمانمائة منزل آخر. أما الضرر الذي أصاب الصحة العقلية لأطفال غزة فحدث ولا حرج.
 
وفي هذا يتنبأ إياد السراج -طبيب نفسي ورئيس برنامج الصحة العقلية لمجتمع غزة- بأن التأثير سيكون هائلا وبعيد الأثر والمدى.
 
ويقول السراج: "هناك نحو 15% من الأطفال تبدو عليهم علامات ما يعرف مرضيا باضطراب ما بعد الأزمة. وهذا يعني أنهم يبدون مجموعة من ثمانية أعراض، بما في ذلك الاكتئاب والقلق والكوابيس الليلية".
 
ويضيف أن "الخوف هو أهم عامل نفسي يحدد مستقبل شخصية الصغار. والأطفال هم نتاج بيئتهم والبيئة الحالية تقودهم إلى التطرف والخوف والإحباط واليأس. وأغلبية هؤلاء الأطفال سيعانون في المستقبل".

المصدر : فايننشال تايمز