ماذا حل بأوروبا بعد أن تحول جدار برلين إلى آثار في الساحات العامة؟ (رويترز-أرشيف)

أفرز انهيار جدار برلين جملة من التداعيات والتأثيرات التي كانت بمثابة مفاجأة على أوروبا، وقد فشل المهتمون بقضايا الاتحاد السوفياتي والجواسيس، والضباط العسكريون والدبلوماسيون والصحفيون ومختلف الخبراء الأوروبيين الذين يدرسون الوضع بالاتحاد السوفياتي في التكهن بها.

وقد رصد رئيس تحرير مجلة فورين بوليسي موسيس نعيم في مقاله بالذكرى العشرين لانهيار الجدار أربع عواقب وتداعيات غير متوقعة شهدتها أوروبا جراء انهيار الاتحاد السوفياتي، وهي:

أولا: حلول الصين محل الاتحاد السوفياتي في تشكيل الخطر الرئيسي على الأوروبيين.

لم يكن يدور بخلد أي كان لدى انهيار جدار برلين أن تشكل الصين خطرا مباشرا على أوروبا الغربية كما كان الحال في عهد الاتحاد السوفياتي, وهذا ناجم ليس عن قوتها العسكرية بل نتيجة قدراتها الاقتصادية.

فأوروبا الغربية وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية كانت تحت تهديد المواجهة المدمرة مع الاتحاد السوفياتي, ولكن ومن حسن الحظ أن ذلك التهديد لم يتجسد على أرض الواقع ولم يحصل فعليا.

ومن الناحية العملية فإن حياة الأوروبيين الغربيين لم تتأثر, وعلى النقيض من ذلك فإن صعود الصين الاقتصادي أثر على الحياة اليومية لكافة الأوروبيين من كافة النواحي, وقد أثرت الرأسمالية الصينية على إعادة تشكيل أوروبا أكثر مما فعله الاتحاد السوفياتي على الإطلاق.

ثانيا: اليورو
لم يتنبأ أحد أن سقوط جدار برلين سيعجل بقيام العملة الأوروبية الموحدة (اليورو)  أو قيام الدول الأربع عشرة الأخرى بالتخلي عن عملتها الوطنية لصالح اليورو.

وبنفس المقدار كان من المستحيل تصور سيناريو أن يصبح اليورو -بعد الأزمة الاقتصادية العالمية وآثارها المدمرة على اقتصاديات أوروبا- هو العملة الاحتياطية لمن خشوا من انهيار قيمة الدولار الأميركي, وأضحى اليورو في وضع مميز اليوم كحقيقة عادية، وهذه مفاجأة في حد ذاتها.

ثالثا: الضعف الأوروبي الجيوسياسي.

"
رغم ارتفاع عدد أعضاء التحالف الأوروبي وعظم اقتصادها وما تحظى به من ديمقراطية يحتذى بها، فإن أوروبا تفتقد إلى النفوذ السياسي على المسرح العالمي
"
يرى الكاتب أنه رغم ارتفاع عدد أعضاء التحالف الأوروبي من ست دول عام 1960 إلى 27 دولة اليوم، ورغم أن الاقتصاد الأوروبي يعتبر واحدا من أكبر اقتصاديات العالم, والديمقراطية الأوروبية نموذج يحتذي بها ناهيك عن مساعداتها السخية للتنمية شملت كافة الدول النامية وسياساتها الاجتماعية التي يحسدها بقية العالم عليه, فإن النفوذ السياسي الأوروبي على المسرح السياسي العالمي آخذ في التدهور.

ففي قضية حقوق الإنسان التي هي من صلب القيم الأوروبية والهدف الذي تسعى الدول الأوروبية لتحقيقه, كشفت دراسة للمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية أن نفوذ القارة في الأمم المتحدة فيما يتعلق بحقوق الإنسان في تراجع وتدهور.

وفي أواخر تسعينيات القرن الماضي كانت 70% من دول الأمم المتحدة تدعم المبادرات الأوروبية في هذا المضمار, أما اليوم فإن 117 دولة من أصل 192 هي عدد أعضاء الأمم المتحدة يصوتون بانتظام ضد أوروبا بالأمم المتحدة.

وفي الصراع الفلسطيني الإسرائيلي  دليل آخر على تراجع نفوذ أوروبا حيث ترسل الكثير من الأموال ولكن دون أن تتمتع بتأثير قوي, ويعود السبب في تلاشي واضمحلال النفوذ الجيوسياسي الأوروبي بالعالم إلى كون دول الاتحاد الأوروبي لا تعمل بطريقة واحدة وعزيمة موحدة.

رابعا : الإسلام في أوروبا القديمة وأميركا في أوروبا الجديدة لم يكن أحد يتخيل في قمة الحرب الباردة أن يشعر السكان الأوروبيون أن تدفق المهاجرين من العالم العربي سيشكل خطرا عليهم أكثر من التوسع الشيوعي بالقارة أو حتى من قبيل صراع مسلح مع روسيا.

وكان من المفارقات التي تدعو إلى الدهشة والمفاجأة في ذلك الوقت أن تعرف أن بولندا والتشيك وهنغاريا ستصبح حصونا وقلاعا مؤيدة للأميركيين, ولكن هذه كانت من بعض الحقائق المفاجئة لتداعيات حقبة ما بعد انهيار جدار برلين في أوروبا.

فقد أصبح القلق حول الهجرة خاصة من الدول الإسلامية يحتل صدارة الجدل اليومي بدءا من البرلمانات وانتهاء بموائد العشاء, وبات احتمال تحول أوروبي إلى أوروبا بطابع عربي أو ما يعرف بـ "إيروعربيا" يحتل قمة تلك الهواجس المقلقة.

فالمهاجرون يشكلون اليوم حوالي 10% من سكان معظم دول أوروبا الغربية وتصل نسبتهم في بعض المدن الكبيرة 30%, وهذا أدى إلى شعور 57% من السكان الأوروبيين بأن لديهم عددا كبيرا جدا من المهاجرين وفقا لما تكشف عنه الدراسات.

وفي نفس الوقت فإن هناك توجهات ثقافية وسياسية وحتى عسكرية مؤيدة لأميركا تتنامى في بعض دول الاتحاد السوفياتي السابق, وهو ما يجب أن ينسحب على القارة التي تكثر فيها المشاعر المعادية للأميركيين, وهذه تركة أخرى من التركات الناجمة عن سقوط جدار برلين التي تشكل مفاجأة مثيرة للدهشة والاستغراب.

المصدر : فورين بوليسي