أفغانستان خطفت الأضواء من العراق رغم استمرار محنته (رويترز-أرشيف)

هناك شيء ما مشكوك فيه أخلاقيا، رغم حتمية الأمر، عند الحديث عن الطريقة التي حلت بها أفغانستان محل العراق في العناوين الرئيسية. فمع انخفاض عدد الخسائر في صفوف القوات الأميركية في العراق ومع زيادة عدد الخسائر الأميركية والبريطانية في أفغانستان، حلت الثانية محل العراق في جداول الأخبار. وهذا الأمر أعطى انطباعا بأن الوضع في العراق تحسن كثيرا وأن البلد يتقدم على كل الجبهات.
 
هكذا لخص سامي رمضاني، أستاذ عراقي محاضر في علم الاجتماع بجامعة لندن ميتروبوليتان، الوضع في العراق من مذابح وفساد وكيفية تجاهل الغرب لما يحدث واستمرار العراقيين في معاناتهم مع بداية تفسخ إستراتيجية خروج القوات الأميركية من العراق وخروجه من دائرة الاهتمام العالمي رغم عدم انتهاء محنته كما تصوره وسائل الإعلام الغربية.
 
فمن المؤسف أن ترى العراق يتصدر العناوين الرئيسية لوسائل الإعلام المختلفة فقط إذا حدث انفجار مدو قتل وأصيب فيه العشرات. ومذبحة أمس الأول في بغداد هي الثانية من نوعها خلال شهرين ومع ذلك فهي تذكرة مروعة ما زال العراقيون يدفعون ثمنها بدمائهم نتيجة الغزو والاحتلال الأميركي لبلدهم.
 
لا شك أن الوضع قد تحسن للقوات الأميركية، لكن القوات البريطانية نقلت من نيران العراق ليلقى بها في أتون أفغانستان. وقد نجحت الخطة الأميركية للعراق حتى الآن في تقليل خسائرها بدفع المزيد من القوات العراقية إلى المعركة ضد "التمرد" -المعروف في العراق بـ "المقاومة الوطنية الشريفة" تمييزا لها عن أسلوب الهجمات الإرهابية للقاعدة.
 
"
في حين أن العراق بشعبه يستمر في معاناته، مع تجاهل معظم وسائل الإعلام الغربية لمحنته، ما زال الرئيس أوباما يسير على خطى سلفه بوش في العراق بتشكيل حكومة في بغداد متحالفة مع أميركا. وهذا لا ينسجم مع إنشاء عراق مستقر ومسالم وديمقراطي
"
لكنك إذا حاولت إبلاغ العراقيين البسطاء بأن وضعهم قد تحسن منذ الاحتلال فسيذكرونك ليس فقط بعدد القتلى والمصابين الذي لا يحصى ولكن أيضا بملايين الأيتام والأرامل الذين فروا من البلد وأمثالهم من النازحين الداخليين الذين يعيشون في بؤس شديد.
 
سيخبرونك عن فيضان البواليع في شوارع كثير من القرى والمدن وقلة المياه النظيفة والوقود والكهرباء والتدهور المستمر للخدمات الصحية والتعليم.
 
وسيحدثونك عن البطالة التي تزيد عن 50% وخطف الأطفال وخوف النسوة من التحرك بحرية والزيادة السريعة في تعاطي الخمور وممارسة الرذيلة.
 
سيصفون لك الوسائل الجهنمية في التعذيب الذي يصب على عشرات الآلاف في السجون العراقية والأميركية. سيذكرونك بأنه إذا عذب رمز وطني عالمي مثل منتظر الزيدي، الذي رمي الرئيس بوش بحذائه، بأيدي حراس رئيس الوزراء نوري المالكي، فما هي فرصة المواطنين العاديين؟
 
كذلك سيحيلك العراقيون على الفور إلى الحكام الفاسدين الذين أتوا إلى العراق على "ظهور الدبابات الأميركية". وسيخبرونك عن تقسيم الوزارات والمناصب الكبرى بين مختلف الحلفاء السياسيين الطائفيين والعرقيين الموالين للولايات المتحدة.
 
حقيقة لقد وصل الفساد إلى دركات غير مسبوقة حتى إن وزير التجارة وإخوته اتهموا بسرقة مئات الملايين من الدولارات من قبل "لجنة النزاهة"، بينما ضبط نائب وزير النقل متلبسا بتلقي مائة ألف دولار دفعة أولى في قضية رشوة ضخمة.
 
وفي حين أن العراق بشعبه يستمر في معاناته، مع تجاهل معظم وسائل الإعلام الغربية لمحنته، ما زال الرئيس أوباما يسير على خطى سلفه بوش في العراق بتشكيل حكومة في بغداد متحالفة مع أميركا. وهذا لا ينسجم مع إنشاء عراق مستقر ومسالم وديمقراطي. ما على الإستراتيجيين الأميركيين أن يتعلموه هو أن العراقيين لن يرضوا بنظام موال لأميركا في بغداد وأن "إستراتيجية الخروج" ستؤدي لا محالة إلى فساد طويل الأمد ولن تأتي إلا بالمزيد من الدمار وإراقة الدماء.
 
والسؤال الآن لماذا يتوقع من الشعب العراقي أن ينتخب زمرة متباينة من السياسيين الفاسدين والطائفيين الموالين للولايات المتحدة؟
 
إن المخرج الواقعي الوحيد ينبغي أن يبدأ بحق الشعب العراقي في تقرير مصيره بعيدا عن التدخل الأميركي.

المصدر : غارديان