تشييد نفق واحد قد يكلف ثلاثمائة ألف دولار (الفرنسية-أرشيف)

أصبحت الأنفاق التي يشيدها الفلسطينيون عبر حدود قطاع غزة مع مصر أحد أهم شرايين حياة سكان القطاع منذ أن فرضت إسرائيل حصارا اقتصاديا وسياسيا مشددا على هذه المنطقة بعد أن استولت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) على السلطة هناك, ولم تأل إسرائيل جهدا لتدمير هذه الأنفاق.

وتقول إسرائيل إن هذه الأنفاق تستخدم لتهريب السلاح والمتفجرات, لكن المؤكد أنها تغذي السوق المحلية بأنواع السلع المختلفة, بل تعتبر كما يسميها البعض الحبل السري للقطاع.

فخيام سوق النجمة التي يباع فيها كثير من هذه السلع تزخر بالثلاجات والتلفزيونات ذات الشاشات المسطحة وأفران الماكرويف والمكيفات والمولدات الكهربائية, وغيرها من السلع التي تعرض في هذه السوق بأسعار خيالية.

وقد تمكن بعض سكان غزة من شراء سيارات تم تهريب كل قطع غيارها عبر الأنفاق, وقد أدى اليأس من رفع إسرائيل حصارها على القطاع إلى ازدهار صناعة الأنفاق لتصبح إحدى أهم النشاطات المدرة للمال, وتحولت مدينة رفح الحدودية إلى مركز تجاري مزدهر.

"
لو رفع الحصار اليوم لانتهى بي الأمر في الحالات المستعجلة بالمستشفى
"
مالك نفق
مصائب وفوائد
وينطبق على هذه الأنفاق المثل القائل "مصائب قوم عند قوم فوائد" إذ مكنت البعض من التحول إلى أغنياء بعد أن كانوا فقراء, يقول أسامة وهو مالك لأحد الأنفاق "لو رفع الحصار اليوم لانتهى بي الأمر في الحالات المستعجلة بالمستشفى".

وقد رفض أسامة إعطاء اسم عائلته خوفا من منعه من السفر بصورة قانونية خارج غزة إن هو كشف هويته, لكنه يعرف في الحي باسم الدودة.

ولم تكن أنفاق غزة تتجاوز في الماضي بضعة مئات لكنها اليوم تقترب من 1500 نفق يعمل بها ما يناهز ثلاثين ألف فلسطيني من كل أنحاء قطاع غزة.

وقد فتح أحد التجار بقالة في المنطقة سماها "دبي" تفتح 24 ساعة لتزويد عمال الأنفاق بالغذاء والشراب.

يشار إلى أن إسرائيل لا تسمح إلا بدخول الحليب واللبن, أما المشروبات الغازية والفول والشوكولاتة والبسكويت وحتى زيت الطهي, فإنها كلها تأتي عبر الأنفاق.

وغير بعيد من بقالة دبي, فتح رائد العرجة محلا لإصلاح الآلات التي تستخدم في الحفر, ويوجد بداخل محله المظلم مخزون من الإسمنت والمولدات وبراميل زرقاء مربوطة ببعضها بحبال قوية تستخدم لسحب البضائع من الجانب المصري.

فلسطينيون يخرجون سلعا من أحد الأنفاق بينها أسطوانات الغاز (الفرنسية-أرشيف)
ولا شك أن هذه الصناعة تنطوي على مخاطر جمة, فإسرائيل تقصف منطقة الأنفاق كلما تعرضت لإطلاق صواريخ, كما تقوم مصر من حين لآخر بإغلاق بعضها في إطار سياسة الشد والجذب التي تمارسها مع حماس.

وتدير حماس أنفاقها الخاصة, غير أن السكان المحليين يقولون إنها لا تجبي ضرائب على الأنفاق المملوكة للأشخاص.

وقد تشكلت نقابة للإشراف على نظام الأنفاق والدفاع عن مصالح العاملين بها وعن حقوق من يقتلون أثناء عملهم فيها.

ويؤكد أسامة, الذي يقول إنه من مؤيدي حركة فتح, أن كل نفق من أنفاقه الثلاثة كلفه ما يناهز ثلاثمائة ألف دولار وأن أربعة من أصدقائه ساعدوه في تشييد هذا المشروع.

ويضيف بأنه كان في بداية أمره يهرب السلاح والمخدرات, لكنه اليوم لم يعد يستطيع فعل ذلك خشية حماس.

ويذكر ملاك الأنفاق أن دخلهم من كل نفق يناهز مليون دولار سنويا, ويقول أحدهم واسمه عماد "نكسب الملايين, لكننا لسنا متعلمين, وحلمي شخصيا أن أذهب إلى مصر وأدرس الأعمال واستثمر في القاهرة".

المصدر : نيويورك تايمز