الاتفاق التركي الأرميني حظي بدعم دولي واسع (الفرنسية)


تتساءل الكاتبة كريستيان كاريل في مقال بمجلة فورين بوليسي: هل حان وقت حل النزاع التركي الأرميني، وترى الحل بعيد المنال. وإن كانت الاتفاقيتان اللتان وقعهما البلدان تضعانه على المسار. وتبين أن لتطبيع العلاقات بين البلدين فوائد كثيرة عليهما وعلى جهات أخرى كأميركا وروسيا.

تقول كاريل إنه لو سئل عن جزء من العالم تتفق فيه وجهتا نظر كل من روسيا والولايات المتحدة، لكان الجواب الصحيح هو أرمينيا وتركيا، حيث بدأت القوتان في التعاون مؤخرا.

ولعل هذا النزاع بما فيه من تعقيدات كبيرة ومشاعر متفجرة لا شبيه له سوى عملية البحث عن السلام في الشرق الأوسط, فقد شكل مسارا عاصفا لم ينته بعد.

وقعت أنقرة ويريفان اتفاقيتين تاريخيتين يمكن أن تمهدا الطريق لتقارب دبلوماسي رئيسي، وتفتحا حدود البلدين المشتركة البالغ طولها 325 كلم والتي تم إغلاقها منذ نحو ستة عشر عاما.

وفي هذا السياق يقول هيو بوب من مجموعة الأزمات الدولية "أعتقد أننا نشاهد سلسلة من الإشارات الصغيرة عبر عملية طويلة، وهذا في حد ذاته أمر مذهل قياسا إلى ما كنا عليه قبل عشر سنوات".

لكن ما زال أمامنا مشوار طويل كما هو الحال بين الفلسطينيين والإسرائيليين, فهناك ذكريات تاريخية كثيرة مؤلمة يشترك فيها كل من الأتراك والأرمن, وكما هو الحال في الشرق الأوسط, يفرق الدين بين الأتراك والأرمن علاوة على نزاعات مريرة بخصوص الأراضي، ناهيك عن تركة مسممة من عمليات القتل على نطاق واسع قد حفرت في العقول.

ولذلك فإن القليلين فقط هم من يستغربون استحكام العداوة المتبادلة بين الشعبين طيلة معظم السنوات المائة الماضية.

إن القضية التي ترخي بظلالها وتستأثر بالاهتمام أكثر من أي شيء آخر هي ما يعرف "بالكارثة الكبرى" حينما قضى نحو مليون أرمني عام 1915، معظمهم من المسيحيين الأرثوذوكس، على أيدي من هم في غالبيتهم من الأتراك العثمانيين المسلمين خلال الحرب العالمية الأولى.

ويقول المؤرخون الأرمينيون وغيرهم من المؤرخين غير الأتراك إن ذلك كان بمثابة إبادة جماعية، وهو ما ينكر الأتراك حدوثه على الإطلاق منذ زمن طويل وربما كان ذلك بسبب الخشية من أن يؤدي الاعتراف بالمذبحة إلى أن تكون وصمة عار في تاريخ جمهورية تركيا الحديثة التي تشكلت بعد الحرب.

ويشار في هذا السياق إلى أن هناك قانونا تركيا مثيرا للجدل يمنع توجيه الإهانات إلى الأمة التركية، قد استغل لمحاكمة كل من يشيرون إلى أحداث 1915 على أنها إبادة جماعية.

ومن هنا يمكن فهم إصرار العديد من الأرمن على ضرورة اعتراف تركيا بمسؤوليتها عن المذبحة كشرط مسبق لإعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين وهو بالضبط ما لم يحدث, وعوضا عن ذلك وافقت الحكومتان على تجاوز هذه القضية عن طريق تعيين هيئة تاريخية مستقلة لمناقشتها.

وهذا هو ما يشجبه أرمين أفازيان مدير مركز أرارات للبحوث الإستراتيجية في يريفان نيابة عن العديد من القوميين الأرمن الذين يصفون هذه الخطوة بأنها عيب ومثار للسخط.

"
إدانة عملية التطبيع ووصفها بالخيانة والاستسلام لتركيا المصرة على موقفها أمر يتنكب جادة الصواب ويبتعد عن المسألة الأساسية
"
حركة إيجابية

ويقول أفازيان إن ألمانيا طالبت بتشكيل هيئة تاريخية لمناقشة الحديث عن المحرقة, وقد مكن ذلك الأتراك سياسيا من القول بأن على الدول التي تسعى للحصول على قرارات تدين رسميا الأعمال التركية عام 1915, أن تؤجل القيام بذلك خشية أن تضر بالتقارب الحالي.

ولكن بوب يصر على القول بأن إدانة عملية التطبيع ووصفها بالخيانة والاستسلام لتركيا المصرة على موقفها، أمر يتنكب جادة الصواب ويبتعد عن المسألة الأساسية.

ويقول إنه يلاحظ منذ عام 2000 وجود أعداد متنامية من المفكرين الأتراك الذين يتحدون المحرمات والخطوط التركية الحمراء، ويتحدون بصراحة الرواية الرسمية لأحداث 1915 التي تصف الأحداث بأنها فظائع قليلة العدد تم ارتكابها بصورة عشوائية عوضا عن كونها حملة قتل بتدبير الدولة ورعايتها.

ومن بين هؤلاء المنشقين الكاتب الروائي الفائز بجائزة نوبل أورهان بانوك، وهؤلاء الأكاديميون بدأوا في تنظيم المؤتمرات والمطالبة بنشر الوثائق التي تم إخفاؤها منذ أمد بعيد ومن بينها يوميات طلال باشا, أحد كبار المسؤولين العثمانيين التي تكشف بوضوح عن مشاركته في عمليات القتل.

كما أن نحو مائتين من الأتراك تقدموا بعريضة في ديسمبر/ كانون الأول الماضي تعبر عن اعتذار تركي عما جرى عام 1915، وقد وقع عليها منذ ذاك نحو ثلاثين ألفا من الناس.

ولعل من أكثر الأمور مثارا للاستغراب بخصوص عملية التطبيع وعلى ضوء الذكريات التاريخية لكلا الطرفين هو مدى الدعم الذي حصلت عليه تلك العملية, فقد تبين من استطلاعات الرأي التركي عندما أطلق الرئيس التركي عبد الله غل مبادرته الحالية وتوجه في سبتمبر/ أيلول 2008 إلى يريفان من أجل حضور مباراة كرة قدم أن 69.6% يوافقون على تلك المبادرة بينما قال 62.8% إن على تركيا تطوير روابط اقتصادية وسياسية مع أرمينيا.

وفي هذا السياق تقول ديبا نيغار كوغسيل من مبادرة الاستقرار الأوروبية "كلما كثرت اللقاءات بين الأتراك والأرمن زاد إدراكهم لمدى التشابه بينهم".

ويوجد حاليا نحو سبعين ألف عامل أرميني في تركيا، إلا أن الرأي العام الأرميني ما زال أكثر تعقيدا, إذ غالبية الأرمن توافق على فتح الحدود ولكن بشرط اعتراف تركيا بمسؤوليتها عن الإبادة التي ارتكبتها عام 1915.



عامل تعقيد

هنالك عامل مثير للتعقيد وهو حالة الصراع المجمد بين أرمينيا وأذربيجان, حيث ينظر إلى الأذريين من أصول تركية بعين الريبة والشك من قبل الأرمن، رغم كون العرقيتين كانتا تعيشان في ظل حكم الاتحاد السوفياتي السابق.

وقد أدى ذلك إلى اندلاع القتال عام 1988 حين أصرت الغالبية الأرمينية في إقليم ناغورني كراباخ داخل أذربيجان على الانضمام إلى إخوانهم في أرمينيا، وهي الحرب التي وضعت أوزارها عام 1994 حين أحكمت القوات الأرمينية سيطرتها على ناغورني كراباخ، ومنذ ذلك الوقت استحكمت العداوة واستمرت حتى اليوم.

في البداية لم تشترط تركيا حل النزاع الأرميني الأذربيجاني كشرط مسبق لتطبيع العلاقات مع أرمينيا, ولكن بسبب الضجة التي أثيرت في باكو ومقاومة القوميين الأتراك في البرلمان التركي لذلك, أجبر رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان على وضع قضية ناغورني كراباخ على جدول الأعمال رغم الوعود التي قطعها للأرمن في هذا الخصوص.

ولكن الحكومة التركية أكدت مؤخرا أن التقارب مع الأرمن سيمضي قدما بغض النظر عن التقدم في محادثات السلام الأذرية الأرمنية.

"
المصادقة البرلمانية هي الأمر الحاسم وهذا لن يتأتى إلا في حالة توصل أذربيجان وأرمينيا إلى اتفاقية حول كراباخ، وهو أمر بعيد المنال على ضوء التاريخ الطويل من عدم الثقة بينهما
"
فوائد الاتفاق

إغلاق تركيا حدودها مع أرمينيا عام 1993 ردا على احتلال أرمينيا لناغورني كراباخ جعل أرمينيا تعتمد على جورجيا من أجل الاتصال ببقية دول القوقاز, وسوف يؤدي فتح الحدود إلى دفعة قوية للاقتصاد الأرميني.

كما أن الأتراك سيتعزز نفوذهم على المدى البعيد في منطقة القوقاز الحساسة من الناحية الإستراتيجية, ناهيك عن أن الحكومة التركية ستنال مصداقية أكبر في تعاملها مع القبارصة اليونانيين ومن ورائهم الاتحاد الأوروبي الذي لديه تحفظات على سجل حقوق الإنسان في تركيا، وعلى إخلاصها بخصوص الديمقراطية.

كما أن تركيا ستكون قادرة على مواجهة سمعتها السيئة بخصوص نفيها المستمر لحصول الإبادة الجماعية، وهو أمر ليس بالبسيط على ضوء الجالية الأرمينية الكبيرة في كل من أوروبا والولايات المتحدة.

وتعتقد الولايات المتحدة وروسيا أن هناك مكاسب يمكن تحقيقها, إذ أن لأميركا -كما يرى بوب- مصلحة في خفض حدة النزاعات في القوقاز على أمل إيجاد طرق بديلة تضمن سلاسة انسياب مصادر الطاقة من المنطقة، والدول المجاورة في آسيا الوسطى إلى الغرب، وهي رغبة يشاركها فيها الاتحاد الأوروبي ولو بنسبة أقل.

أما موسكو فتعتقد أن الجمع بين حليفها القديم أرمينيا وصديقها الجديد تركيا من شأنه إبعاد النفوذ الخارجي عن القوقاز، والمتمثل في الولايات المتحدة والأوروبيين، كما أن إزالة السور الحديدي بين كل من أرمينيا وتركيا من شأنه تقليل الثقل الإستراتيجي لجورجيا عدو روسيا المعلن.

ومع ذلك فإن الطريق ما زالت طويلة أمام التوصل إلى الصفقة, فكلا البروتوكولين اللذين تم التوقيع عليهما بحاجة إلى مصادقة البرلمان في كلا البلدين.

وفي هذا السياق يقول سنان أولغين من مركز الدراسات الاقتصادية والسياسة الخارجية في إسطنبول إن "مصادقة البرلمان يعتبر الأمر الحاسم، وهذا لن يتأتى إلا في حالة توصل أذربيجان وأرمينيا إلى اتفاقية حول كراباخ، وهو أمر بعيد المنال على ضوء التاريخ الطويل من عدم الثقة بينهما".

ويقول لورنس برورز من منظمة غير ربحية تعنى بشؤون المصالحة إن "هنالك سوابق من قبل زعماء أتراك وأرمن حاولوا بناء تقارب بين البلدين دون الحصول على دعم كاف من قبل شعبيهما وفشلوا, ولذلك فأنا لا أشعر بالتفاؤل".

المصدر : فورين بوليسي