رقصة الطائرات الإسرائيلية المميتة (الفرنسية-أرشيف)

هذه القصة أوردتها صحيفة لوموند الفرنسية من إحدى المدونات التي تنشرها، لتظهر من خلالها كيف يحول الاعتداء الإسرائيلي والتواطؤ العالمي معه أطفال غزة، وربما أطفال فلسطين إلى قنابل بشرية.

رغم الخوف بقينا في الشرفة مختبئين وراء ساتر ننظر إلى الرقصات المميتة التي تقوم بها الطائرات العمودية الإسرائيلية، ولا يدلنا على أماكن سقوط قذائفها إلا أعمدة الدخان حين تتصاعد.

أنا ولد من غزة عمري نحو 13 سنة، ولكنني لم أعد طفلا منذ فترة طويلة، لأنه لا مجال لحياة الأطفال هنا.

نحن في غزة نعيش في سجن بلا سقف، يضيق السجانون حسب مشيئتهم على رقابنا أو يرخون حصارهم الذي نراه عقوبة جماعية، تضر بنا جميعا سواء كنا من أنصار حماس أم من غيرهم.

أنا أعرف أن هناك في الكون حياة مختلفة عما هو أمامي، إذ كنت كلما عادت الكهرباء أبحث عن أي فرصة للذهاب إلى الإنترنت، وذلك ما جعلني أرغب في الخروج من هذا المكان المليء بالمعاناة والدمار.

رأيت صورا من دبي، ورأيت العمارات العجيبة، وأنا فخور بما يستطيع أن يصنعه العرب قريبا منا، رأيت أيضا الألعاب الأولمبية وألقها، كل ذلك جعلني مقتنعا بأننا نعيش في جحيم.

هنا لا شيء تحصل عليه تلقائيا، بل عليك أن تصارع وتنتزع أي شيء كل يوم، ولكن الخوف كل الخوف هو من أن تصاب بالمرض، لأن المستشفيات ينقصها كل شيء. وأسرتي لا تكاد توفر عيشها.

الطفل الفلسطيني عندما يفقد الأمل بكل شيء (الأوروبية-أرشيف)
لا أمل
أما أنا وإخوتي الثلاثة وأختي فنقضي حياتنا في إعادة بناء حياة لا نعرفها، وفي الأحلام بما ينقصنا، حتى إنني جمعت نقودا يسيرة من العمل في أحد هذه الأنفاق التي نحفرها بين غزة ومصر لجلب الوقود وبعض ما ينقصنا.

ولقد ضقت بهذا العمل لأنه متعب جدا ولكنني قد أعود إليه بسبب الحاجة، فنحن هنا بدل أن نأمل في كل شيء، انقطع أملنا من كل شيء ومن كل أحد، حتى من هؤلاء الذين يقولون إنهم إخوة والذين يحيطون بنا بالملايين، فهم يحبون أن يتكلموا عنا بدل أن يفعلوا شيئا.

الأمم المتحدة أيضا تتكلم عنا، ولكن أرضنا ما زالت مثل قطعة البرتقال مرتمية تحت الشمس ووجهها إلى هذا البحر الذي لم نعد نملكه.

أمي تبكي بعض الأحيان لأنها تربينا تحت الحرمان ولأنها تتسول أحيانا مساعدات لإطعامنا، وقد رأيتها أمس مظلمة الوجه لأن نتيجتي في اللغة العربية لم تكن جيدة، إذ هي غير مدركة أن اكتظاظ الفصول يمنعني من الدراسة إلا في الصباح كما أن عض الجوع كثيرا ما يصرفني عن التفكير في الدرس.

في أحد الأيام رأيت أخي يخفي حزامه الناسف الذي قد حضرت يوما شروحا لكيفية تفجيره، فقمت لعلمي بأن الجيش الإسرائيلي سيأتي لتفتيش المنزل يوما ما بحثا عنه بلف الحزام حول جسدي وتحت ثيابي ثم خرجت إلى لقاء ذلك الجيش لأن هذا وحده هو الذي سينبه العالم إلينا.

وجريت عاضا أسناني ومتحاشيا التفكير في أسرتي حتى التقيت بفرقة من الجيش، فتعثرت عند أقدامها حتى إذا أسندني الجندي أعملت الآلة، ثم تذكرت أمي وأنا أرى كرة اللهب التي تحولت إليها في عيني الجندي.

المصدر : لوموند