رغم وجوده في منصبه فإن الساسة ومعلقي الصحف في إسرائيل يعتقدون أن رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت تجاوز مرحلة الزلزال وغدا تحت الأنقاض، وأن إعلان دفنه رسميا ليس أكثر من مسألة وقت، تلك القناعة لم تنعكس على صراع الأحزاب بشأن موعد الانتخابات فحسب بل تمتد لتطال مجمل التحركات السياسية الإسرائيلية.

هزة شديدة

"
الدولة التي جهدت على مدى 60 عاما في بناء صورة الدولة الحديثة تبدو محاصرة بالنزاعات والفساد ومؤسساتها مشلولة بانتظار انجلاء غبار المعركة عن كرسي رئيس الوزراء
"
كاسبيت/معاريف
مفهوم دولة المؤسسات يتعرض هو الآخر لهزة شديدة في إسرائيل تحت وقع أقدام المتصارعين على خلافة رئيس وزراء تحاصره الفضائح، فالدولة التي جهدت على مدى 60 عاما في بناء صورة الدولة الحديثة تبدو محاصرة بالنزاعات والفساد ومؤسساتها مشلولة بانتظار انجلاء غبار المعركة عن كرسي رئيس الوزراء.

آخر الضربات للصورة وجهها وزير المواصلات شاؤول موفاز حين تعهد بضرب إيران لمنعها من امتلاك سلاح نووي، موفاز وهو رئيس أركان سابق ووزير سابق للدفاع في حكومة أرييل شارون الليكودية منشغل بالسباق مع وزيرة الخارجية تسيفي ليفني للكرسي الأول في الوزارة.

الضجة التي تلت تصريحات موفاز سلطت الضوء على حجم المأزق الإسرائيلي الداخلي إذ نسي الساسة مصالح الدولة أمنيا واقتصاديا وسياسيا في خضم صراعهم المحموم على الكرسي.

في أعقاب التصريح غير الموارب والذي أعلنه موفاز "بوضوح وسلاسة، للاقتباس، باسمه الصريح، بدون ربما وبدون لكن" كما يصفه بن كاسبيت المراسل السياسي لصحيفة معاريف، ارتفعت أسعار النفط بنسبة 8%.

وشدد كاسبيت على أن "الضرر العملياتي والجماهيري والصوري والإعلامي الذي لحق في أعقاب أقواله جسيم"، إذ محظور على إسرائيل أن تقف في مقدمة الحشد الدولي ضد طهران.

المصلحة الإسرائيلية
وعلى منواله نسج المراسل العسكري لصحيفة معاريف عمير ربابورت فقال إن "المصلحة الإسرائيلية الصرفة هي بالذات أن تكون الولايات المتحدة هي التي تبلور ائتلافا عالميا للهجوم.

"
الهجوم على إيران في كل الأحوال حملة عسكرية معقدة للغاية، وعليه فمن الأفضل القيام بكل الاستعدادات للهجوم دون دفع الإيرانيين إلى زيادة حالة التأهب
"
ربابورت/معاريف
وخلافا للحرب الأخيرة في العراق، والتي وجدت الولايات المتحدة صعوبة في تجنيد الدعم الدولي لها، يوجد في أوروبا شركاء مخلصون مصممون على منع إيران من نيل القنبلة النووية (وعلى رأسهم فرنسا). أقاويل إسرائيلية زائدة ستجعل من الصعب بلورة مثل هذا الائتلاف".

لم يكن الضرر إعلاميا أو سياسيا فحسب فموفاز "الثرثار" فوت على إسرائيل عنصر المباغتة، فالهجوم على إيران هو في كل الأحوال حملة عسكرية معقدة للغاية، وعليه فمن الأفضل القيام بكل الاستعدادات للهجوم دون دفع الإيرانيين إلى زيادة حالة التأهب، حسب ربابورت.

يعتقد البعض أن موفاز ألحق ضررا بنفسه حين أطلق تهديداته غير أن ذاكرة الجماهير قصيرة والعسكري المتقاعد فخور بتاريخه، وهو كما قال في مقابلته مع يديعوت أحرونوت الأقدر على قيادة دولة تحيا في بحور عداء تتلاطم حولها.

التاريخ العسكري
وفي مواجهة ليفني القادمة من الاستخبارات الخارجية (الموساد) والعمل في الظل في عمليات تجسس وإسقاط كما يفترض كثيرون، يعتقد موفاز أن التهديد بقصف إيران من شأنه أن يذكر الإسرائيليين بتاريخه العسكري وقدرته على إدارة الأمور بحزم وقوة، وينقل عنه تسيفي بارئيل في هآرتس تصريحات من قبيل "ما الذي فعلته ليفني حتى الآن؟ تحدثت مع عدد من وزراء الخارجية؟"، قبل أن يضيف "الجميع طبعا يعرف أن جوهر العمل هنا (في منصب رئيس الوزراء) عسكري أمني".

لكن "السيد أمن" كما يريد موفاز أن يبدو لم ينقب جيدا في ملفاته القديمة كما فعل بارئيل الذي ذكر الإسرائيليين بأن موفاز "أدرك وإن كان ببطء بعد درس طويل ومؤلم أن لا جدوى من البقاء في لبنان؟ وأن الحرب مع الفلسطينيين ليست بالضبط مجرد درس في الكلية العسكرية؟ وأن الانتفاضة الثانية حيث كان رئيسا للأركان وزيرا للدفاع فيها لم تتأثر كثيرا من أساليب عمله؟".

ويطالب بارئيل في مقالته موفاز ببدائل، فهو اكتفى حتى الآن برفض المعروض، لا تهدئة في غزة، لا سلام مع سوريا، لا تنازل أمام مطالب مفاوضي الرئيس الفلسطيني محمود عباس، لا للسكوت عن جهود إيران النووية، مضيفا "نحن نريد التفاصيل يا سيد موفاز من فضلك".

السباق على كرسي الوزارة

"
نووي إيران يجب أن لا يشل قدرة إسرائيل على الحركة ضد غزة أو يدفعها للتنازل عن مرتفعات الجولان بحجة ضرب التحالف السوري الإيراني
"
أرينس/هآرتس
ولا يبدو المحلل الإسرائيلي متفائلا بالحصول على إجابات، فالمسألة برمتها كما يعتقد رهن بالسباق على كرسي رئيس الوزراء "عندما يكون في السباق الضيق لرئاسة الوزراء جنرالان، واحدٌ من كاديما وآخر من العمل، وعندما يكون اليمين لهم بالمرصاد لا تكون هناك حاجة للحلول السياسية بل المطلوب إبراز التهديدات".

ولأن الأمر جلل والخرق يتسع، فإن وزير الدفاع السابق موشيه أرينس انبرى ليقدم النصائح للساسة رغم انشغالهم الانتخابي المبكر، ويشدد أرينس على أن "كل ما يتوجب فعله يفضل أن لا يحدث علانية"، فالتصريحات في رأي أرينس لا تخدم أحدا "باستثناء مصالح السياسيين الداخلية وهذا ليس بالسبب الكافي لإلحاق الضرر بمصالح إسرائيل البعيدة المدى".

ويؤمن أرينس وهو سفير سابق في واشنطن أن نووي إيران يجب أن لا يشل قدرة إسرائيل على الحركة ضد غزة أو يدفعها للتنازل عن مرتفعات الجولان بحجة ضرب التحالف السوري الإيراني، فالربط المتعسف بين هذه المكونات كلها ليس أكثر من خلطة للسياسة الداخلية لا صلة لها بمواجهة الأخطار المحدقة بإسرائيل، حسب قوله.

المصدر : الصحافة الإسرائيلية