أسهبت الصحف الأميركية الصادرة الخميس في تناول موضوع الإعلان عن مفاوضات غير مباشرة تجرى حاليا بين سوريا وإسرائيل عبر وساطة تركية, وأجمعت على أن هذا التطور يعد انتكاسة جديدة لسياسة الإدارة الأميركية التي ترفض التفاوض مع من سمتهم الإرهابيين والمتطرفين, في إشارة لإيران وسوريا وحركة حماس في فلسطين وحزب الله اللبناني.

فوائد جمة أم وعود جوفاء؟

"
إسرائيل –بإقدامها على التفاوض مع سوريا– باتت أحدث مثال لدولة قررت أن من الأفضل لها التعامل مع أعدائها بدلا من تجاهلهم
"
هيلين كوبر/نيويورك تايمز
"

كتب محرر الشؤون الخارجية بصحيفة نيويورك تايمز إيثان برونر أن دوافع سوريا وراء الدخول في تلك المفاوضات واضحة, وتتمثل في رغبتها باسترداد مرتفعات الجولان التي احتلتها إسرائيل في حرب 1967, وتطبيع علاقاتها مع الولايات المتحدة.

وبالنسبة لإسرائيل فإن محاولة إبعاد سوريا عن إيران قد تتمخض عن فوائد جمة لها لا سيما بعد أن أحكمت حركة حماس قبضتها على قطاع غزة، وأحرزت تقدما في الضفة الغربية, بينما استعرض حزب الله قوته الباطشة في بيروت.

ثم إن إبعادها عن محور إيران وإعادتها إلى معسكر مصر والأردن والسعودية الموالي للغرب يعد في حد ذاته انتصارا كبيرا لإسرائيل على حد قول برونر. ذلك أن إبرام معاهدة سلام حقيقي مع سوريا ستعود على إسرائيل بمزايا هامة في لبنان والأراضي الفلسطينية.

على أن الصورة لا تبدو كلها وردية لطرفي الصراع في الشرق الأوسط, فليس ثمة إجماع على جدوى المفاوضات على الأقل في الدوائر السياسة والبحثية الإسرائيلية والأميركية.

فكاتب المقال يرى أن هناك سببا وجيها يفسر الشكوك التي تساوره بشأن فرص نجاح تلك الخطوة. فرئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت برأيه ضعيف سياسيا كما أنه يواجه تحقيقا جنائيا يدفع كثيرا من الإسرائيليين للاعتقاد بأنه قد يضطر إلى الاستقالة أو الإحجام عن خوض مفاوضات مع أعداء بلاده.

وطبقا للعديد من استطلاعات الرأي التي أجريت في إسرائيل وتصريحات العديد من الخبراء الإستراتيجيين وجنرالات الجيش, فإنه لا طائل وراء التخلي عن الجولان الإستراتيجية مقابل وعود أو حتى معاهدات مكتوبة.

وفي مقال تحليل إخباري في نفس الصحيفة, صوبت المحررة هيلين كوبر سهام نقدها لإدارة الرئيس الأميركي جورج بوش حيث رأت أن إسرائيل –بإقدامها على التفاوض مع سوريا– باتت أحدث مثال لدولة قررت أن من الأفضل لها التعامل مع أعدائها بدلا من تجاهلهم.

وقالت إن المفاوضات بين سوريا وإسرائيل تأتي عكس المسار الذي رسمته إدارة بوش, التي تعارض مثل هذه الخطوة، حتى إن المسؤولين الإسرائيليين رأوا فيها العقبة الوحيدة التي تحول دون ذلك.

البطة العرجاء
أما صحيفة واشنطن بوست فذكرت أن كشف النقاب عن المحادثات يشكل نكسة لإدارة بوش في حملتها لعزل سوريا وإيران وحلفائهما في الشرق الأوسط.

وفي تقرير من مراسليها في القدس, قالت الصحيفة إن الإعلان جاء في نفس اليوم الذي أبرمت فيه الأطراف اللبنانية المتصارعة اتفاق سلام في الدوحة "يقر بتنامي دور حزب الله سياسيا".

ووصف التقرير رد فعل الولايات المتحدة على إعلان الأربعاء بأنه كان مهذبا، ونسب إلى يارون إزراحي -المحلل السياسي بالجامعة العبرية في القدس– قوله إن "عودة سوريا لإقامة علاقات جيدة مع إسرائيل قد يعزز المقاصد الأميركية والإسرائيلية الكبرى من عزل إيران".

وفي تحليل إخباري بالصحيفة ذاتها, كتب الصحفي روبين رايت أن الإعلان المفاجئ عن المفاوضات، واتفاق اللحظة الأخيرة بوساطة قطرية لتجنب حرب جديدة في لبنان، أنجزا بمعزل عن أي دور أميركي، وكلاهما يتعارض مع الإستراتيجية الأميركية في المنطقة.

واستشهد الكاتب بأقوال باحثة في مركز كارنيغي للسلام والتي ترى أن الولايات المتحدة لا تلعب دورا في المبادرات الحاسمة الأخرى الخاصة بالشرق الأوسط, ومن بينها الجهود المصرية للتوفيق بين حركتي فتح وحماس الفلسطينيتين, والمباحثات الجارية بين إيران ودول مجلس التعاون الخليجي, مشيرة إلى أن إدارة بوش "غائبة عن كل تلك القضايا" مما يجعلها تبدو "كبطة عرجاء".

"
مباحثات السلام مع سوريا تعيد التأكيد بأنها محور السلام الإقليمي بعدما ظل التركيز لسنوات منصبا على المسار الفلسطيني
"
كريستيان ساينس مونيتور
همزة الوصل
واتفقت صحيفة كريستيان ساينس مونيتور مع ما خلصت إليه الصحيفتان الأخريان. فهي ترى أن الدخول في مفاوضات مع سوريا يعني انحرافا من جانب إسرائيل عن توجه حليفتها الولايات المتحدة، وذلك لأن سوريا تعد حلقة وصل هامة لاثنين من حلفاء إيران في المنطقة هما حماس وحزب الله اللذين ظلا مصدر تهديد لتل أبيب.

وأضافت الصحيفة قائلة "بالنسبة لسوريا -أقوى جيران إسرائيل بعد مصر– فإن مباحثات السلام تعيد التأكيد بأنها محور السلام الإقليمي بعدما ظل التركيز لسنوات منصبا على المسار الفلسطيني للمفاوضات".

وأردفت قائلة إن الدخول في مفاوضات مع إسرائيل يساعد سوريا كي لا تعوّل تماما على تحالفها مع إيران.

المصدر : الصحافة الأميركية