اهتمت كل الصحف البريطانية بتداعيات عملية القدس على الوضع في المنطقة, فقالت إحداها إنها دفعت مباحثات السلام نحو الترنح وذكرت أخرى أن إسرائيل تخشى انتفاضة ثالثة, في حين تناولت ثالثة أثر هذه العملية على مسلسل السلام والخيارات المتاحة لإسرائيل.

"
حل السلطة الفلسطينية وارد لأنها لم تعد قادرة على مواصلة مهمتها، مما يعني أن على إسرائيل أن تستعيد مسؤوليتها الكاملة كقوة محتلة
"
مسؤول فلسطيني/غارديان
حل السلطة الفلسطينية
قالت صحيفة غارديان إن المسؤولين الإسرائيليين صرحوا أمس بأنهم سيواصلون مباحثاتهم مع الزعماء الفلسطينيين تبعا لخطة السلام التي أعيد تنشيطها مؤخرا في أنابوليس بالولايات المتحدة الأميركية, غير أن هناك اعترافا من كلا طرفي النزاع بأن تفاقم العنف في غزة والقدس جعل المفاوضات تترنح.

الصحيفة قالت إنه حتى قبل "حمام الدم" في القدس كان الرئيس الفلسطيني محمود عباس يحاول جاهدا الحفاظ على مصداقيته لأن مباحثات أنابوليس لم تتمخض عن نتائج ملموسة، مما دفع البعض إلى البدء في الحديث عن حل السلطة الفلسطينية.

ونقلت عن مسؤول فلسطيني قوله إن إجراء كهذا سيكون قرارا صعبا للغاية, لكنه سيفضح الواقع الجلي في أن السلطة الفلسطينية لم تعد قادرة على مواصلة مهمتها، مما يعني أن على إسرائيل أن تستعيد مسؤوليتها الكاملة كقوة محتلة.

وقد أدى تفاقم العنف في المنطقة إلى زيادة التوتر والعصبية في كل أنحاء الشرق الأوسط الذي ينظر فيه إلى الصراع الفلسطيني الإسرائيلي على أنه جزء من صراع أوسع بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة وبين إيران والجماعات المسلحة من جهة أخرى.

انتفاضة ثالثة
صحيفة تايمز قالت إن القدس ظلت في أوج الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بين عامي 2001 و2004 مسرحا لعمليات متكررة, ولم تقتصر العمليات فيها على تفجير الباصات وإطلاق النار، بل شملت كذلك قذف سيارات الشرطة بالحجارة.

ونقلت عن الإسرائيلي أييتاي أرييل ييتاكي الذي كان يحضر مراسم دفن الإسرائيليين الذين قتلوا في عملية القدس قوله إن الفزع الذي ينتابه الآن شبيه بما كان يحس به في أوج الانتفاضة, وهو الآن كما كان في تلك الفترة يغير وجهته كلما رأى أحد المارة من ذوي الملامح العربية.

وتنبأت تايمز بأن يزيد حادث القدس من التعقيدات التي تواجه مباحثات عملية السلام.

صحيفة ديلي تلغراف استعرضت أهم مراحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي منذ إنشاء إسرائيل عام 1948، فقالت إن الفلسطينيين ظلوا لعقود متشبثين بأمل أن يساعدهم إخوتهم العرب كي يستعيدوا حقوقهم, إلا أنهم توصلوا بعد الحرب العربية الإسرائيلية عام 1973 إلى قناعة مفادها أنهم هم وحدهم المسؤولون عن تقرير مصيرهم بأيديهم.

ولم يتجل ذلك في حركة ملموسة إلا في عام 1987 عندما اندلعت الانتفاضة الأولى، حين نظم الفلسطينيون احتجاجات شعبية عارمة قذفوا فيها الجنود الإسرائيليين بالحجارة.

وأسفرت هذه الحركة التي دامت ست سنوات عن مقتل 1500 فلسطيني و160 إسرائيليا، كما كانت السبب المباشر لإبرام اتفاقيات أوسلو التي وافقت فيها إسرائيل على تحويل السيطرة على قطاع غزة والضفة الغربية إلى الفلسطينيين.

الصحيفة قالت إن العمليات العدائية المتبادلة أدت إلى نشوب انتفاضة ثانية عام 2000, مشيرة إلى أنها كانت أعنف وأقوى من الانتفاضة الأولى, كما أن الرد الإسرائيلي عليها اتسم بالشدة والصرامة, حين أرسلت دباباتها وعربات جيشها المدرعة إلى مناطق آهلة بالسكان مما نجم عنه مقتل أعداد كبيرة من المدنيين.

إلا أن وقفا لإطلاق النار تم التوصل إليه عام 2005, لكن التوتر تفاقم في السنوات الثلاثة الأخيرة ووصل حدا يشبه الحد الذي وصله قبيل الانتفاضة الأولى والثانية.

وعليه تحذر الصحيفة من نشوب انتفاضة جديدة قائلة إن الظروف التي تؤدي إليها مجتمعة الآن.

"
القاعدة العامة لدى صناع القرار الإسرائيليين هي أنه على الحكومة الإسرائيلية أن تستمر في مباحثات السلام كما لو لم يكن هناك إرهاب وأن تقاتل الإرهاب كما لو لم تكن هناك مباحثات سلام
"
فايننشال تايمز
أمن إسرائيل
يعتقد بعض الإسرائيليين أن الجدار الفاصل هو الذي قلل بالفعل من الهجمات الانتحارية التي كان الإسرائيليون يتعرضون لها حتى عام 2005، ويؤكدون أن الأماكن التي شهدت هجمات انتحارية في الفترة الأخيرة هشة من الناحية الأمنية.

لكن صحيفة ذي إندبندنت تنفي ذلك وتشدد على أن الجدار لا يمكن أن يمثل الحل النهائي لمشكلة الأمن في إسرائيل، إذ لا يمكن لدولة حديثة أن تغلق نفسها عن العالم الخارجي, مهما كانت عداوة البلدان المحيطة بها.

صحيفة فايننشال تايمز ترى أن الرد الإسرائيلي على مثل هذه العملية لن يخرج عن الإطار العام للقاعدة العامة لدى صناع القرار الإسرائيليين التي تقول إن "على الحكومة الإسرائيلية أن تستمر في مباحثات السلام كما لو لم يكن هناك إرهاب وأن تقاتل الإرهاب كما لو لم تكن هناك مباحثات سلام."

وتعدد ديلي تلغراف الخيارات المتاحة أمام الإسرائيليين فتقول:
- يمكن أن لا يحركوا ساكنا أي أن يستمروا في مباحثات السلام مع منظمة فتح ويتعاملوا مع حماس والجهاد كأعداء, محجمين في الوقت ذاته عن أي عمل قد يقوض موقف فتح.

- يشددوا الخناق على عرب القدس الشرقية الذين لا يعتبرون جزءا من الضفة الغربية كما أنهم لا يعاملون كعرب إسرائيل.

- يشددوا الخناق على الجماعات المسلحة في غزة وهو ما دأبت إسرائيل عليه في الفترة الأخيرة دون أن تتمكن من التغلب على الخطر الذي تمثله هذه الجماعات.

- يقمعوا الجماعات المسلحة في الضفة الغربية, الأمر الذي حاولت إسرائيل في الأشهر القيلة الماضية أن تقوم به.

- يقرروا إعادة رسم خريطة إسرائيل إلى الأبد, وتقوم دولة إسرائيل بتحويل مليون و200 ألف من عربها إلى المناطق الفلسطينية، ورغم أن بعض البرلمانيين الإسرائيليين يدعون لهذه الفكرة فإن المجتمع الدولي سيعتبر ذلك "خيار يوم القيامة".

المصدر : الصحافة البريطانية