العراق: من الذي انتصر في الحرب؟
آخر تحديث: 2008/3/17 الساعة 01:44 (مكة المكرمة) الموافق 1429/3/11 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2008/3/17 الساعة 01:44 (مكة المكرمة) الموافق 1429/3/11 هـ

العراق: من الذي انتصر في الحرب؟

نظرا لاقتراب موعد الذكرى الخامسة لغزو العراق ركزت أبرز الصحف البريطانية الصادرة اليوم الأحد على ما نجم عن ذلك الغزو من مآس وعواقب وخيمة, محاولة إبراز الرابح والخاسر منه ومستشرفة آفاق المستقبل.

"
سكان بغداد كانوا يعانون من انقطاع الكهرباء في عهد صدام لمدة ثمان ساعات يوميا, أما الآن فلا يكادون يحصلون على التيار لثمان ساعات يوميا
"
ذي إندبندنت أون صنداي
الوضع اليوم
بالطبع ليس التسعون ألف مدني عراقي ولا الأربعة آلاف ومائتي جندي أميركي وبريطاني من الذين قتلوا في العراق منذ غزوه عام 2003 هم المنتصرون, بل الرابح الأكبر من هذه الحرب هم أولئك الذين كسبوا من ورائها مليارات الدولارات.

بهذه الفقرة لخص ريمون وايت تيكر وستيفن فولي تقريرا أعداه لصحيفة ذي إندبندنت أون صنداي حاولا فيه تحديد الرابح والخاسر من غزو العراق.

لم تكن لدى العراق أسلحة دمار شامل مبرر بريطانيا لغزوه- واعترفت وزارة الدفاع الأميركية الأسبوع الماضي بعد مراجعة ستمائة ألف وثيقة بأن الرئيس العراقي الراحل صدام حسين لم تكن له علاقة بتنظيم القاعدة.

واليوم يوجد في العراق عدد من الجنود الأميركيين أكبر مما كان فيه أيام الغزو, وليست هناك مؤشرات على وجود مخرج واضح من هذا المأزق, كما اعترفت وزارة الدفاع البريطانية أنها لم تتمكن من سحب عدد الجنود الذي خططت لسحبه، ولا يزال لديها أربعة آلاف جندي في ضواحي البصرة بدلا من ألفين وخمسمائة.

أما المدنيون العراقيون فقد قتل منهم ما لا يقل حسب أكثر التقديرات تحفظا- عن تسعين ألف، بينما تقدر بعض الدراسات أن العدد ستة أضعاف ذلك, ولجأ مليونا عراقي إلى خارج بلادهم, كما اضطر عدد مماثل إلى الهروب من أماكن إقامتهم داخل العراق إلى أماكن أخرى أكثر أمنا.

وكان سكان بغداد يعانون من انقطاع الكهرباء في عهد صدام لمدة ثمان ساعات، أما الآن فلا يكادون يحصلون على التيار لثمان ساعات يوميا, ورغم انخفاض عدد القتلى يوميا فلا يزال معدل القتل في بغداد 26 شخصا يوميا.

تقديرات تكلفة الحرب لم تكن تتجاوز في أسوأ الأحوال خمسين إلى ستين مليار دولار حسب وزير الدفاع الأميركي السابق دونالد رمسفيلد، والآن بعد خمس سنوات على الغزو, الفاتورة بلغت عشرة أضعاف ذلك المبلغ, هذا علاوة على ما أنفقته بريطانيا وغيرها من دول التحالف في العراق.

الرابحون
أهم الرابحين -حسب نفس الصحيفة- من هذه الحرب إيران وتنظيم القاعدة, فلا يبدو أن أحدا في واشنطن كان يعتقد أن إسقاط صدام سيؤدي إلى منح السلطة للأغلبية الشيعية في العراق، ولا أن هذه الأغلبية ستوجه وجهها نحو الدولة الشيعية الوحيدة في العالم.

فاحتلال الولايات المتحدة للعراق منح إيران "رهينة" لم تكن أبدا تحلم بها, فملاليها لم يكونوا يتصورون أن الشيطان الأكبر سيطيح بعدوهم الأكبر, صدام, ويضع حلفاءهم الشيعة في الحكم، ويرمي بجنوده رهينة لطيب خاطر طهران, فالرئيس الأميركي جورج بوش موجود الآن حيث يريدونه، مما يثير توتر إسرائيل.

أما تنظيم القاعدة فلم يكن له موطأ قدم في العراق قبل الفوضى التي أوجدها الاحتلال والتي استغلتها القاعدة للتخييم هناك.

والرابح الآخر المهم هو رجال المال, فهناك مقاولو الشركات الأمنية وخبراء الأعمال ومخططو مشاريع البناء ومستشارو الحكومة, كثير من هؤلاء وضعوا حياتهم في خطر بينما ربحت مؤسساتهم مليارات الدولارات.

ومن بين هؤلاء نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني الذي ضمن الآن معاش تقاعد مريح، بعد أن حققت مؤسسته هاليبرتون أرباحا مريحة من صفقات العراق.

والرابح الآخر من الغزو هم الأكراد العراقيون الذين محقت الولايات المتحدة الرجل الذي أذاقهم مر العذاب, وضمنت سلامة أول وطن ذي حكم ذاتي لهم.

"
بلير اعتقد أن غزو العراق سيوفر له فرصة لمزاوجة هدف مبدئي لديه مع آخر إستراتيجي وهما تحرير بلد من الطغيان وجعل الشرق الأوسط ينحاز للمصالح الغربية, لكن الأمور لم تسر كما شاء لها
"
ذي أوبزرفر

الخاسرون
إضافة إلى الخسارة التي لحقت بالعراقيين كما هو موضح فيما سبق ذكره، فإن المؤرخين يناقشون الآن ما إذا كان بوش هو أسوأ رئيس في التاريخ الأميركي, حتى إن كان تشيني ورمسفيلد هما من يجب أن يوجه إليه اللوم أكثر فإن بوش هو المسؤول عن ما لحق بمكانة الولايات المتحدة على مستوى العالم.

كما أن المحافظين الجدد سيظلون لفترات قادمة يعانون من عواقب هذا الغزو.

ومن الخاسرين أيضا الشعب الفلسطيني, فلم يعد لدى واشنطن الوقت أو الرغبة في الضغط على إسرائيل لحملها على الجلوس على طاولة مفاوضات السلام.

ويعد الإعلام الأميركي من بين الخاسرين كذلك, إذ تلقفته هيستريا الحرب فحاد عن موضوعيته ودقته.

كما أن الأمن البريطاني وتطورات الحرب في أفغانستان من بين الخاسرين من هذه الحرب كذلك.

دروس قاسية
وتحت عنوان: "خمس سنوات على غزو العراق: الدروس القاسية التي يجب علينا تعلمها" قالت ذي أوبزرفر في افتتاحيتها إن حرب العراق أثرت على مسار السياسة البريطانية، وغيرت الميزان العام للقوى, وقد جلب الغزو للعراق الحرية والفقر والفرص والتنوير والدمار الشامل.

وكان رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير يعتقد أن هذا الغزو سيوفر له فرصة لمزاوجة هدف مبدئي لديه مع آخر إستراتيجي وهما تحرير بلد من الطغيان وجعل الشرق الأوسط ينحاز للمصالح الغربية, لكن الأمور لم تسر كما شاء لها.

وكانت العواقب وخيمة, ليس للعراق وحده, إذ سيلوّن قرار الغزو كل قرارات الزعماء البريطانيين فيما يتعلق باستعمال القوة في أي شيء غير الدفاع عن النفس, فهو في الواقع صفعة لفكرة "التدخل الليبرالي".

وحاولت الصحيفة أن تبرز كل الإيجابيات والسلبيات التي نجمت عن هذا الغزو, مؤكدة أن علينا في المستقبل أن نتعلم أن للتدخل حدود, وأن علينا أن نكون في مقدمة من يحاولون إعادة الاعتبار للمؤسسات الدولية.

"
لقد دمرنا هذا البلد, وفرخ عنفنا به عنفا آخر, لكن لا يمكننا الخروج منه حتى نعيده كما كان
"
جندي أميركي/صنداي تايمز
مهمة مستحيلة
وتحت عنوان "الإمبريالية المخففة تطيل أمد الرعب العراقي" قال سايمون جينكينس في صحيفة صنداي تايمز إن إعادة بناء العراق تحولت من مهمة بعيدة الاحتمال إلى مهمة مستحيلة.

وذكر جينكينس أنه ليست هناك مؤشرات على أن الاحتلال الأميركي البريطاني للعراق الذي دام الآن خمس سنوات على وشك الانتهاء.

وأضاف أنه لا يوجد في العراق أي مكان خارج إقليم كردستان ينعم بنظام سياسي وأمني مستقر.

وقال إن هناك مؤشرين واضحين لحالة هذا الاحتلال, الأول أنه بعد مرور خمس سنوات عليه, فإن تزويد السكان بالكهرباء ليس أحسن مما كان عليه في عهد صدام, والثاني أنه لا يمكن لأي من قادة الدولتين المحتلتين أن يظهر في الشوارع التي يدعي أنه حررها.

وقد لخص أحد الجنود المزاج العام قائلا: "لقد دمرنا هذا البلد, وفرخ عنفنا به عنفا آخر, لكن لا يمكننا الخروج منه حتى نعيده كما كان".

المصدر : الصحافة البريطانية