كروغمان: ألا يجسد مادوف (الصورة) قصة صناعة الاستثمار كلها؟ (رويترز)

قال بول كروغمان الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد هذا العام إن الكشف عن احتيال المستثمر برنارد مادوف وفقدان 50 مليار دولار من أموال زبائنه صدم العالم, لكن الحقيقة هي أن ما فعله مادوف هو ذاته ما أقدمت عليه صناعة الاستثمار في الولايات المتحدة.

وأضاف كروغمان في مقال بصحيفة نيويورك تايمز الأميركية أن صناعة الخدمات المالية نالت حصة من دخل الولايات المتحدة ظلت تتزايد باستمرار خلال العقد الأخير, مما جعل من يديرون هذه الصناعة يكدسون ثروات لا تصدق.

وأشار إلى أنه يبدو في هذه المرحلة كما لو أن جل هذه الصناعة ظل يدمر القيمة بدلا من خلقها, ولا يتعلق الأمر بالمال فحسب بل إن الثروات الهائلة التي جمعها من تولوا إدارة أموال الناس كان لها أثر مفسد على مجتمعنا ككل, على حد تعبير كروغمان.

ولإيضاح ما ذهب إليه يقول الكاتب إن متوسط معدل أجر العامل في "الأوراق المالية وعقود السلع الأساسية والاستثمارات" كان أربعة أضعاف متوسط أجر العامل في مجالات الاقتصاد الأخرى, مشيرا إلى أن جني مليون دولار كأجر سنوي كان أمرا عاديا بل إن الحصول على 20 مليون دولار أو أكثر كان أمرا شائعا إلى حد ما.

فمداخيل أغنياء الأميركيين زادت بشكل مفرط خلال العقد الماضي في الوقت الذي ظلت فيه دخول العمال العاديين راكدة، حسب كروغمان، مرجعا السبب الرئيسي لهذا التباين في الأجور إلى المبالغ العالية التي يتقاضاها عمال وول ستريت.

واعتبر كروغمان في مقاله الذي اختار له عنوان: "اقتصاد مادوف"، أن ما كان يتقاضاه نجوم المال في وول ستريت لم يكن مستحقا "لأن نظام الأجور في وول ستريت يكافئ بشكل مبالغ فيه مظاهر الربح حتى لو تبين لاحقا أن ذلك الربح كان مجرد وهم".

وأورد الكاتب مثالا على الكيفية التي يقوم بها بعض المستثمرين بإغراء زبائن لاستثمار أموالهم لديه ثم يقوم باستثمار تلك الأموال في سندات عالية المخاطر كالسندات المدعومة بالرهن العقاري التي تبدو مربحة ما دامت فقاعة العقار تنتفخ ويجني منها صانع الاستثمار أرباحا وعلاوات كبيرة, لكن عندما تنفجر الفقاعة ويتحول الاستثمار إلى نفايات سامة يخسر الزبائن الكثير بينما يحتفظ المستثمر بعلاواته.

"
الثروات الهائلة التي جمعت -أو التي قد تجمع- عبر صناعتنا المالية المنتفخة تقوض وعينا بالواقع وتحط من قدرتنا على الحكم على الأشياء وهذا بالضبط ما جعل عددا كبيرا من الأشخاص يثق في مادوف
"
وأكد كروغمان أن هذا المثال لم يعد افتراضيا بل هو ما حصل مع الكثيرين بالفعل, مما يدعو -حسب رأيه- إلى التساؤل عن الفرق بين ما تقوم به وول ستريت عادة وما حصل في قضية مادوف.

وقال إن مادوف ربما تجاوز بعض الخطوات عندما أقدم بكل بساطة على سرقة أموال زبائنه بدلا من جمع رسوم كبيرة عليهم وتعريضهم لمخاطر لا يفهمونها, إلا أن النتيجة النهائية هي نفسها: مستثمرو أموال الآخرين أصبحوا أغنياء بينما اختفت أموال زبائنهم.

ونبه الكاتب إلى أن المبالغ التي يتحدث عنها هنا ضخمة للغاية, إذ إن القطاع المالي مثل 8% من الناتج المحلي الإجمالي الأميركي في السنوات الأخيرة بعد أن كان لا يتجاوز قبل عقد من الزمن 5%.

واستطرد قائلا "لو اعتبرنا أن 3% الإضافية كانت مالا مقابل لا شيء -كما هو مرجح- فإننا نتحدث عن 400 مليار دولار سنويا تضيع هدرا واحتيالا وسوء استعمال".

وشدد على أن تكلفة هذا النظام تجاوزت خسارة الدولارات والسنتات, مشيرا إلى أن المكاسب غير الشرعية لوول ستريت أفسدت وتستمر في إفساد السياسيين سواء لدى الحزب الجمهوري أو الديمقراطي.

وأورد الكاتب أمثلة على ذلك قبل أن يستنتج أن "السياسيين دأبوا على الذهاب كلما تكلم المال", متسائلا عن حجم الضرر الذي لحق بمستقبل أميركا بسبب انجرار كثير من أفضل وألمع شبابها إلى الاستثمار المصرفي بغية الثروة الشخصية السريعة على حساب العلوم والخدمة الاجتماعية بل وكل شيء آخر.

والأهم من ذلك -حسب كروغمان- هو أن "الثروات الهائلة التي جمعت -أو التي قد تجمع- عبر صناعاتنا المالية المنتفخة تقوض وعينا بالواقع وتحط من قدرتنا على الحكم على الأشياء".

ويعتقد الكاتب أن ما سماه تجاهل التحذيرات والمؤشرات الدالة على وقوع أزمة مالية وشيكة، سببه "وجود ميل فطري –حتى لدى بعض النخبة- نحو تقديس الناجحين في إحراز الثراء، والتسليم الكامل بكونهم لا يعملون إلا صوابا، وهذا بالضبط ما جعل عددا كبيرا من الأشخاص يثق في مادوف".

وفي ختام مقاله قال كروغمان "الآن ونحن نلقي نظرة عامة على الركام ونحاول فهم الكيفية التي جعلت الأمور تتطور بمثل هذا السوء ومثل هذه السرعة يتبين أن ما نحدق فيه اليوم هو عواقب عالم مادوف الذي ولى".

المصدر : نيويورك تايمز