فايننشال تايمز: هل يمكن أن ينهض الاقتصاد العالمي ثانية؟
آخر تحديث: 2008/11/9 الساعة 12:14 (مكة المكرمة) الموافق 1429/11/12 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2008/11/9 الساعة 12:14 (مكة المكرمة) الموافق 1429/11/12 هـ

فايننشال تايمز: هل يمكن أن ينهض الاقتصاد العالمي ثانية؟

2009 عام الانكماش الاقتصادي (رويترز-أرشيف)

في ظل الأزمة المالية العالمية الراهنة، وفوز باراك أوباما بانتخابات الرئاسة الأميركية، نشرت فاينانشال تايمز البريطانية مقالا أسهم فيه ثلاثة من طاقمها وهم كريس غايلز كريشنا غوها ورالف أتكينز.
 
وفيما يلي نص المقال:
 
في خطاب القبول الأسبوع الحالي، لخص باراك أوباما  رسالة أمله للولايات المتحدة والعالم المتحمس بقوله "إن لكل زمان العقيدة الخالدة التي تلخص روح الشعب".

ولكن هل يمكن أن تنهض تلك الروح بالاقتصاد الأميركي أو العالمي؟ وهل ستتمكن السياسة وصانعوها أو القوى الطبيعية الاقتصادية من إنعاش الاقتصاد بعد نكوصه الخريفي الراهن؟
 
وهل هو مقدر للرئيس المنتخب أن يكرر حظوظ سلفه العاثرة، بتحمله عبء الركود الاقتصادي في السنة الأولى من رئاسته، خاصة أنه يشاهد العالم وهو يغرق، بينما جاء ينادي بالأمل.
 
وتستند أرضية الأمل على دعامتين قويتين، تتعلقان بالوضع الاقتصادي العالمي، وهما أولا، قيام السياسة وصانعيها بمنع الانكماش من التحول إلى ركود.
 
ثانيا، أن يؤدي انخفاض أسعار السلع إلى زيادة في الدخل والإنفاق لدى الاقتصاديات المتقدمة، خاصة أن ارتفاع الأسعار أدى إلى حلقة مفرغة من الضعف، أدت بدورها إلى المزيد من الضغط على نظام مالي منهك في الأصل.

ويعبر الخبير الاقتصادي لدى "غولدمان ساكس" عن تفاؤل حذر بشأن دعامتي الأمل هاتين على حد سواء، "إذ على إثر تدهور الوضع الاقتصادي العالمي، ذهب واضعو السياسات وراء هواجسهم بشأن المخاطر المعنوية (بمساندتهم للمصارف).. "وإنني آمل، مع ذلك أن يبقى العالم يطارده الركود على مدار ربع سنة أو ربعين منها".
 
ولكن السحب الداكنة التي اجتاحت العالم في الشهرين الماضيين لا تزال قائمة، فبعد إعلان إفلاس بنك ليمان براذرز بدأ النظام المالي العالمي بالتصدع، ما أدى إلى خلق حالة من الانكماش الاقتصادي، لدرجة أن توقعات صندوق النقد الدولي بالانهيار الاقتصادي ستنتشر لتشمل كل الاقتصاديات الرئيسة في العالم.
 
الحقائق والأرقام الاقتصادية لهذا الأسبوع كانت مروعة مرة أخرى، فمؤشرات المشتريات في أكتوبر/ تشرين الأول بالولايات المتحدة ومنطقة اليورو والمملكة المتحدة، بشأن  قطاعي الخدمات والصناعة كانت منذرة بالشؤم، حيث انخفضت عامة إلى أدنى مستوياتها منذ أواخر تسعينيات القرن الماضي، وبالنسبة لمؤشر قطاع الصناعة في الولايات المتحدة انخفض إلى أسوأ قراءة له منذ 26 عاما. 

"
مؤشر قطاع الصناعة في الولايات المتحدة انخفض إلى أسوأ قراءة له منذ 26 عاما
"

بيانات مثيرة كهذه أدت بخبراء اقتصاديين لتقديم توقعات قصيرة الأجل على أساس كل أسبوع تقريبا.
 
كما انخفضت معدلات توافق الآراء بشأن التوقعات الاقتصادية للعام 2009 باطراد، فوصلت أدنى مستوياتها في أكتوبر/ تشرين الأول. وأظهرت نشرة صندوق البنك الدولي البارحة انزلاقا آخر في التوقعات.
 
وتشير ملاحظات الصندوق إلى أن "انكماش القطاع المالي قد استمر، وأن ثقة المنتج والمستهلك قد انخفضت" منذ تنبؤاته الشهر الماضي.
 
ويتوقع الصندوق أن يوصف العام 2009 بأنه عام الانكماش الكامل في الاقتصاديات المتقدمة، لأول مرة منذ الركود الاقتصادي لثلاثينيات القرن الماضي.
 
وفي ظل هذا الانكماش يفر الأمل من المعركة، لكن نتيجة الانتخابات الرئاسية الأميركية قد تدعو إلى التفاؤل من جديد بسبب ردود الفعل على فوز أوباما على المستويين الداخلي والخارجي.
 
ويقول رئيس معهد تشاتمان هاوس (المعني بالشؤون الدولية بلندن) ديان يوليوس مشيرا إلى القمة المرتقبة لقادة مجموعة الـ20 للدول الصناعية والمتقدمة المقرر عقدها في 15 نوفمبر/ تشرين الثاني، إن "مشهد الرئيس الجديد الشاب وهو يشارك في القمة مع غيره من قادة العالم الأسبوع المقبل في واشنطن، قد يكون الشرارة التي تشعل شمعة التفاؤل المعروفة عن الأميركيين التي تثير الإعجاب".
 
فقد يكون لدى أوباما القدرة على التحدث إلى المستهلكين الأميركيين الخائفين، وتفسير الإجراءات المتخذة لمواجهة الأزمة، وتشجيعهم على الصبر إلى أن تأخذ الإجراءات مفعولها، وبذا يعزز من ثقتهم.
 
ويجادل الخبير الاقتصادي في "يونيكريديت" ماركو أنونزياتا، بالقول إن نتيجة الانتخابات يمكن أن تكون لها آثار هامة على الاقتصاد الحقيقي إذا تمكنت من إثارة عاطفة المستهلك الأميركي.
 
ويضيف الخبير "نحن في عالم لا يزال يشكل فيه المستهلك الأميركي المحرك الأساسي للنمو الاقتصادي.. وإنها للحظة تاريخية تمنح الثقة للمستهلك الأميركي"، وتلك الثقة سرعان ما تنتشر إلى أوروبا.
 
لكن عامل التفاؤل هذا قد يتلاشى في ظل المشاكل الاقتصادية التي ستواجه الرئيس الجديد، ومنها معدل البطالة الذي هو أحد المحددات الطبيعية للأمل في الولايات المتحدة، والمتوقع أن يرتفع من 6.1% إلى 7.5% في الأشهر القادمة، وفي منطقة اليورو من 7.5% إلى 8.4%، ومن 5.7% إلى 7.1% في المملكة المتحدة.
 
لقد تبدل شكل الأزمة في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة من أزمة مالية إلى اقتصادية. وهناك دليل واضح على أن المستهلكين بدؤوا يعانون جراء فقدان الثروة، والحرمان من الائتمان، فضلا عن ارتفاع معدلات البطالة.
 
ويقول غالبية خبراء الاقتصاد إن الاقتصاديات المتقدمة لا تزال في المراحل الأولى من ركود سيكون أسوأ كثيرا من الانكماش الذي عانته في مطلع القرن الحالي.
 
وحاول واضعو السياسات التخفيف من حدة الركود عبر سلسلة من الخطوات الدراماتيكية التي أدت لفرض الحكومات سيطرتها على البنوك، كما وضعت البنوك المركزية في دور الوسيط، وخفضت من أسعار العملات.
 
وتأتي تلك الإجراءات -ضمن سلسلة إجراءات اقتصادية غير عادية منذ الصيف الماضي- في محاولة لإنقاذ الاقتصاديات من الانهيار.
 
ومن ذلك الخفض الحاد الذي يقدر بـ1.5 نقطة في نسب الفائدة في بنك أوف إنغلاند، الذي رافقه تخفيض قدره نصف نقطة في البنك المركزي الأوروبي.
 
وبشكل مشجع بدا أن التحركات على جانبي المحيط الأطلسي كان لها بعض الأثر، خاصة أن عمليات مبادلة الائتمان الافتراضية التي انتشرت بين المجموعات المالية قد انخفضت، ما يشير إلى تقليل المخاوف من فشل تلك التحركات.
 
العملية كانت بطيئة وهامش أسواق المال لا يزال أعلى كثيرا مما كان عليه في أوائل سبتمبر/ أيلول، أي قبيل انهيار بنك ليمان براذرز، لكن اتجاه التغيير ظل ثابتا.
 
ويأمل واضعو السياسات أن تتسارع وتيرة الإصلاح، ويقولون إن المشاركين في السوق أخذوا وقتا طويلا قبل أن يستوعبوا النسق المحير لتدخلات السياسة والضمانات.
 
ومع ذلك، وبمعنى أوسع فجميع البنوك المركزية في العالم قد أصبحت أكثر نجاحا في لعب دور الوسطاء الماليين، ودور بنوك تمويل أسواق الجملة، ولهذه الإستراتيجية حدود مسلم بها.
 
وقد لا تعد هذه السياسات المتبعة حاليا كافية، ففي الولايات المتحدة أنقذت عمليات ضخ الأموال الأنظمة البنكية، لكن القطاعات المالية غير البنكية في البلاد لا تزال تواجه خطر الانهيار.
 
وأكثر من ذلك هناك مخاوف جديدة في جميع الدول من كون السياسات النقدية قد لا تكون كافية.
 
ويقول الخبير الاقتصادي لدى بنك إتش إس بي سي، ستيوارت غرين إن "النقطة المرجعية الواضحة هي تخفيض الاحتياطي الفدرالي لمعدلات الفائدة، التي لا يبدو أنها تركت أثرا مميزا كبيرا على الاقتصاد".
 
وعلى كل الأحوال، فالسياسة المالية هي الخيار التالي الذي ينبغي تجريبه، الذي ينبغي أن يتمثل في خفض الضرائب في الولايات المتحدة، وبعض أجزاء من أوروبا وآسيا على الأقل.
 
ويعد أوباما بولايته القوية، ومع زيادة الأغلبية الديمقراطية في الكونغرس، في وضع جيد للقيام بخفض الضرائب ومحاولة الحد من عمليات حبس الرهن.

هناك شيء مماثل ولكنه أكثر محدودية متوقع هذا الشهر في بريطانيا، وهو محاولة وزير الخزانة أليستير دارلينغ المضي قدما في خطط الإنفاق العام وزيادة ضريبة الدخل والبدلات.
 
كما ظهرت للعيان هذا الأسبوع أدلة على أن الصين تستعد للقيام بتحفيز مالي كبير لاقتصادها، إذ أشارت وسائل إعلامها المحلية إلى رصد بكين مبلغ 500 مليار دولار إضافية للإنفاق على البنية التحتية، وإعادة إعمار المناطق التي دمرها زلزال سيشون في مايو/ أيار الماضي. 

"
قمة واشنطن تسعى لتعزيز الشفافية وتجنب عمليات جني الأرباح الفورية، وتعزيز المزيد من الانضباط في السياسات الكلية على مستوى جميع المشاركين الرئيسيين في الاقتصاد العالمي
"

وفي الختام، القادة الأوروبيون أيضا متحمسون لعقد قمة مجموعة الدول الـ20 الأسبوع المقبل. وقال رئيس البنك المركزي الأوروبي جان كلود تريخيت إن قمة واشنطن سوف تسعى لتعزيز الشفافية وتجنب عمليات جني الأرباح الفورية، وتعزيز المزيد من الانضباط في السياسات الكلية على مستوى جميع المشاركين الرئيسيين في الاقتصاد العالمي".
 
وقليلون هم، خاصة في الولايات المتحدة، من يعتقدون أنه سيكون للقمة تأثير كبير على التوقعات الاقتصادية الراهنة.
 
وإذا كان للتحركات السياسية من فائدة، فربما يكون ذلك بعد مضي فترة زمنية، ولكن لا بد من وجود فرصة للتحول الطبيعي للاقتصاد، كما حصل بعد أحداث أيلول/ سبتمبر 2001 عندما استبدل التشاؤم الشديد في أعقاب الهجمات الإرهابية على الولايات المتحدة بحقيقة أن العالم لم يكن قد تغير تماما.
 
ولكن على الأرجح ، إذا كان هذا التحول سيأتي، فسيكون ذلك عقب وجود طاقة وغذاء رخيصين. فالمستهلكون في ألمانيا الذين تأثروا بالتضخم قاموا بكبح جماح الإنفاق عندما ارتفعت أسعار النفط، ويبدو أن الآثار المفيدة لذلك الإجراء قد بدأت بالظهور.
 
وتتوقع منظمة جي إف كي للبحوث أن يرتفع مؤشر "المناخ الاستهلاكي" في ألمانيا هذا الشهر إثر انخفاض معدلات التضخم هناك.
 
ويقول رئيس البحوث الاقتصادية العالمية لدى "غولدمان" السيد أونييل إن هذه المكاسب الحقيقية في الدخل المعيشي للأسرة ستكون ذات أثر قوي في زيادة الإنفاق السنة القادمة، خاصة في قارتي أوروبا وآسيا، حيث المستهلكون هناك ليسوا مثقلين بمستويات كبيرة من الديون.
 
كما أن انخفاض أسعار النفط وضعف اليورو وانخفاض أسعار الفائدة الأوروبية الرسمية، كلها عوامل تبعث على الأمل، وفق ما يقوله الخبير الاقتصادي في "يونيكريديت" ماركو أنونزياتا، لكنه يوضح أن آثار كل ذلك لن تبدأ بالظهور إلا بعد مرور عدة أشهر.
 
ويحذر بعض الاقتصاديين من أن الآثار الإيجابية ينبغي أن تراعي الهبوط الحاد الناتج عن فقدان الوظائف.
 
كايلوكس من رويال بنك في أسكتلندا يقول "نعم يشعر المستهلكون بحال أفضل تجاه توقعات انخفاض التضخم، فذلك يدعم قدرتهم الشرائية، ولكن ذلك يأتي في وقت تكون فيه المخاوف بشأن سوق العمل آخذة في التزايد".

ولكن ذلك كله يبقي في عالم المجهول، لأن هناك أسبابا تبعث على الأمل في الاقتصاد العالمي، كما أن هناك أيضا أسبابا للتخوف.
 
ويكمن الخطر الكبير في حدوث تدهور أو انكماش حاد في الاقتصاد العالمي، ما يخلق موجة ضخمة ثانية من خسائر الائتمان على قروض المستهلكين والشركات، ما يزيد بدوره من تآكل رؤوس أموال البنوك والمؤسسات المالية الأخرى، كما يزيد ذلك من تكثيف الضغط على الائتمان، وربما يضطر حكومات العالم مرة أخرى إلى ضخ كميات كبيرة من الأموال.
 
ويخشى هذا العام من عدم تمكن البنوك من إصلاح الأضرار الناجمة عن أزمة الرهن العقاري الأولية، قبل أن يضرب الانكماش الاقتصادي ضربته، وربما كان لتلك المخاوف ما يبررها، خاصة ان استمرار الألم لستة أشهر قادمة أمر لا مفر منه.
 
وأما القلق بشأن الوضع الاقتصادي للعام القادم، فيكمن في عدم توفر ما يبعث على الأمل، قبل أن يوجه الهبوط الاقتصادي الذي لا مفر منه ضرباته القوية مرة أخرى للنظام المالي العالمي.
المصدر : فايننشال تايمز