بريطانيا تستخف بالكارثة المالية (رويترز)

تساءل مارتن وولف في مقاله بالفايننشال تايمز هل بريطانيا مقبلة على كارثة؟ فأولئك الذين يعتقدون ذلك يؤكدون استحالة معالجة نكبة سببها الاقتراض الزائد بالمزيد من الاقتراض، وهذه المرة بواسطة الحكومة كمقترض ومقرض كملاذ أخير.
 
وهذه الانتقادات خطأ وصواب: خطأ إذا بقيت الحكومة جديرة ائتمانيا، أي قادرة على سداد الدين. وصواب إذا لم تبق كذلك. إذن ما الذي يمكن استخلاصه من تقرير ما قبل الموازنة الذي نشر الاثنين الماضي عن الحكومة الحالية؟ وهل ينبغي أن نأتمنها على أمولانا، أم لا؟
وقال وولف إن الحكومة الجديرة ائتمانيا تستطيع أن تنقل الدين الزائد من القطاع الخاص وتضعه على كاهل دافعي الضرائب. أما الحكومة غير الجديرة فإنها لا تستطيع. وإذا أصبحت كلفة الدين كبيرة أكثر مما ينبغي، فإن الحكومة الثانية ستكون مجبرة على التخلف عن أداء الدين، إما علنا أو بسبب التضخم.
 
"
الحكومة الجديرة ائتمانيا تستطيع أن تنقل الدين الزائد من القطاع الخاص وتضعه على كاهل دافعي الضرائب. أما الحكومة غير الجديرة فإنها لا تستطيع
"
وفي حالة بريطانيا، فإن التضخم الذي سيجلبه هو مجانبة الإسترليني. حتى إذا مولت الحكومة مبدئيا عجزها بالاقتراض من البنك المركزي (ومن ثم بطبع أوراق نقدية)، فإن التوسع النقدي سيحتاج إلى تعقيم، بمجرد انتعاش الاقتصاد، من خلال بيع السندات. وللقيام بذلك، يجب على الحكومة أن تبقى جديرة ائتمانيا.
 
وأشار وولف إلى الأرقام المخيفة للعجز المالي الموجود في تقرير ما قبل الموازنة وفصل فيها وتساءل بعد ذلك عن كيفية قفز صافي الاقتراض للقطاع العام من 2.6% في السنة المالية السابقة إلى 8% العام المقبل؟ ولماذا قفز العجز المتوقع للعام القادم بمقدار ثمانين مليار جنيه (5.4% من إجمالي الناتج المحلي) منذ تقديم الميزانية في مارس/آذار الماضي فقط؟ ولماذا، وليس آخرا، يجب أن نصدق وزارة الخزانة الآن؟
 
وقال إن جزءا من تفسير الأمر هو قرار تطبيق ترويج مالي مؤقت بمقدار 16.5 مليار جنيه (1.1% من إجمالي الناتج المحلي) العام القادم. لكن هذا يعدل فقط خمس الخطأ. والبقية بسبب "المراجعات والتغييرات المتوقعة". وأضاف أن الاقتصاد البريطاني في عام 2010 من المتوقع الآن أن يكون نحو 5.5% أقل من المتوقع في الميزانية. والأسوأ من ذلك هو أن هذه الخسارة لن تعوض في المستقبل القريب. وفي عام 2015 قد يكون إجمالي الناتج المحلي 4.5% أقل مما كان مأمولا في مارس/آذار الماضي.
 
وعدد وولف التضمينات التي تحملها هذه المراجعات الصارمة فيما يلي:
 
أولا: رؤية الخزانة أن الدورة الأخيرة التي انتهت عام 2006 تبدو سخيفة تماما. والرؤية الصحيحة هي أن بريطانيا فوجئت بدورة خارقة غير محتملة، فيما يتعلق بفقاعة التمويل العالمي والعقار المحلي هي الأولى من نوعها. لذا كان يجب أن تكون السياسة المالية أكثر استحكاما. ولو أنها كانت كذلك، لكانت بريطانيا أفضل حالا اليوم.
 
 ثانيا: لا تستطيع بريطانيا تحمل الإنفاق الذي رجته سابقا. والحكومة تعترف بأنه من المتوقع أن ينمو الإنفاق الحالي إلى 1.2% فقط في تقدير حقيقي، بمعزل عن الأمور النقدية، من عام 2011-2012 وأن يهبط الاستثمار الصافي بنسبة 0.9% من إجمالي الناتج المحلي. ونتيجة لذلك من المتوقع أن يهبط الإنفاق من 44.2% لإجمالي الناتج المحلي العام القادم إلى 41.5% في عام 2013-2014.
 
ثالثا، تبقى وزارة الخزانة رغم ذلك متفائلة: رغم حجم صدمة الاقتصاد للعالم والنظام المالي، فهي تفترض ذروة سنوية لانخفاض الحضيض في الناتج الإجمالي المحلي بمجرد انتعاش الاقتصاد في النصف الثاني من العام القادم وبعد ذلك عودة إلى نمو انحنائي عند 2% في السنة، رغم الحاجة إلى تحويل الإنتاج إلى صناعات تصديرية رأسمالية. وهذا غير معقول.
 
أخيرا، نفترض بدلا من ذلك، أن الناتج الإجمالي المحلي يتضاءل بنسبة 2% في عام 2010 و2011، قبل أن يتمدد بنسبة 1.75% عام 2012. حينئذ سيكون عام 2012 أقل من التوقع الموجود في الميزانية. وعندها ستغرق الحسابات المالية في عجز مالي.
 
وختم وولف مقاله بأن كل شيء يتوقف على تجنب ركود عميق ومطول. وفي هذه الحالة، قد ترفض الأسواق الزيادة المفرطة في الدين الحكومي. أما السماح للإقراض البنكي بالبقاء في حالة تجمد فليس خيارا. والحكومة بالتأكيد تعلم ذلك. لكن ماذا عن أصحاب البنوك؟

المصدر : الصحافة البريطانية