كاليتسكي: مشكلتا الاقتصاد العالمي تحتاجان حلولا مختلفة
آخر تحديث: 2008/11/14 الساعة 13:47 (مكة المكرمة) الموافق 1429/11/17 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2008/11/14 الساعة 13:47 (مكة المكرمة) الموافق 1429/11/17 هـ

كاليتسكي: مشكلتا الاقتصاد العالمي تحتاجان حلولا مختلفة

ينبغي تأجيل الحلول البعيدة المدى واستبدالها بحلول تناسب حالة الاقتصاد العالمي الطارئة (الفرنسية)
 
في ظل الأزمة المالية العالمية الراهنة، نشرت صحيفة تايمز البريطانية مقالا لمحررها الاقتصادي آناتولي كاليتسكي بعنوان "إنها حالة طارئة ولا مجال الآن للحلول الطويلة المدى".
 
ويستهل كاليتسكي مقاله بأن الاقتصاد العالمي يعاني من مشكلتين منفصلتين، ولسوء الحظ فإنهما تحتاجان حلولا مختلفة.
 
ويضيف أن معدل البطالة في ارتفاع وأسعار الأسهم والممتلكات العقارية آخذة في الانهيار، وأن خطط غوردون براون للاقتراض متهمة بقيادة بريطانيا نحو الإفلاس.
 
يقول محافظ "بنك أوف إنجلاند" ميرفين كينغ إنه من المستحيل التكهن بموعد الركود، والحالة أشبه ما تكون "بفقد الاتصال مع الواقع". فما الذي ينبغي عمله؟
 
فعندما يكون المريض يعاني بشكل جدي -كما هي حال اقتصادات بريطانيا والعالم في الوقت الراهن-  فمن الحكمة أن نقوم بإجراء تشخيصات حذرة قبل أن نبدأ بكتابة الوصفة المناسبة للعلاج.
 
وبينما يستعد "بنك أوف إنجلاند" للتخفيض الثاني في نسب الفوائد وبراون في طريقه إلى واشنطن لحضور القمة الاقتصادية العالمية نهاية الأسبوع، فالخطوة الأولى التي ينبغي القيام بها هي أن نقرر من هو المؤهل للقيام بتشخيص الحالة ومن هو غير مؤهل لذلك.
 

"
هل ينبغي تنحية كل الذين لم يستطيعوا أن يتنبؤوا بخطورة الأزمة؟ الجواب هو لا مشددة
"

ويمضي الكاتب متسائلا: فهل ينبغي علينا تنحية كل الذين لم يستطيعوا أن يتنبؤوا بخطورة الأزمة وهم المجموعة التي قد تشمل كينع وبروان وأليستير دارلينغ وألان غرينسبان ومعظم كبار الاقتصاديين والخبراء الماليين في العالم، مستثنين بشكل جزئي وارين بافيت وجورج سوروس؟
 
ويجيب: ولما كنت عضوا مبتدئا من هذه المجموعة، فالجواب هو "لا" مشددة.
 
والسبب في استمرارنا بأخذ وجهات نظر من يُدعون الخبراء على محمل الجد، الذين أخطؤوا بشأن (تقدير مدى خطورة) الأزمة، هو أكثر تعقيدا، وأكثر تنويرا من التبرير الذاتي الذي قدمه البارحة محافظ "بنك أوف إنجلاند" ميرفين كينغ.
 
فالمحافظ يعفي البنك من تهم إساءات التقدير السابقة بدعوى أن الأداء الاقتصادي بطبيعته غير قابل للتنبؤ وأن "العالم قد تغير بالكامل" منذ أواسط سبتمبر/أيلول الماضي في أعقاب انهيار بنك ليمان براذرز.
 
ويمضي كاليتسكي فيقول إن ذلك التبرير صحيح تماما، لكنه ليس مفيدا بشكل كبير، فالتساؤلات التي يكررها كينع بشأن "تغير العالم في سبتمبر/أيلول الماضي" هي: لماذا حدث ذلك التغير؟ وهل كان بالإمكان تجنب ذلك التغير المفاجئ؟
 
والجواب بالعودة إلى تشخيصي الطبي هو أن العالم كان أصيب فجأة بداء ثان أكثر خطورة في منتصف سبتمبر/أيلول الماضي، داء مختلف بشكل واضح عن المرض المزمن الذي يمكن تدبره، الذي عانى منه الاقتصاد العام الماضي.
 
والتشخيص الصحيح لهاتين العلتين المنفصلتين هو أمر جوهري للغاية، لأنهما تتطلبان علاجات مختلفة ومتناقضة للغاية.
 
فالسرطان الذي كان يستشري ببطء في جسم الاقتصاد العالمي حتى أغسطس/آب الماضي كان ناجما عن الإفراط في الاقتراض وعن المضاربات العقارية والممارسات المصرفية المتهورة وغير الصادقة.
 
وسبب مباشر أكبر لسرطان الائتمان هو عدم التوازن العالمي بين الاستهلاك المندفع وأزمات الرهن العقاري في الولايات المتحدة وبريطانيا وإسبانيا والبلدان الإسكندنافية وأوروبا الشرقية من جهة، والإفراط في الادخار والتقشف في الصين وألمانيا واليابان من جهة أخرى.
 
"
السرطان الذي استشرى ببطء في جسم الاقتصاد العالمي حتى أغسطس/آب الماضي كان ناجما عن الإفراط في الاقتراض وعن المضاربات العقارية والممارسات المصرفية المتهورة وغير الصادقة
"
ويرى الكاتب أن التعامل مع مثل هذا السرطان اقتصادي يتطلب من البنوك أن تكون منضبطة، وأن يتم كبح جماح عمليات الاقتراض ويتم تخفيض أسعار الملكيات العقارية إلى مستويات معقولة.
 
وللتعامل مع المشكلة الأكبر بشأن عدم التوازن العالمي، يتطلب الأمر من المستهلكين في الولايات المتحدة وبريطانيا أن يخفضوا معدلات استهلاكهم واقتراضهم، وعلى البلدان ذات الفائض المالي أن ترفع من معدلات استثمارها وإنفاقها.
 
سرطان نمو الائتمان غير المتوازن على المستوى العالمي هذا لم يكن خطرا مهددا لحياة الاقتصاد العالمي بشكل مباشر، والعلاجات –وهي أنظمة مصرفية أشد وتخفيض منظم لعمليات الإقراض– يمكن التعامل معها ببطء نسبي على مدى فترة طويلة.
 
هذا ما كان "بنك أوف إنجلاند" والبنوك المركزية الأخرى وحكومات العالم تحاول القيام به بنجاحات نسبية حتى أوائل سبتمبر/أيلول الماضي.
 
وأما الانهيار المفاجئ الذي أصاب النظام المصرفي العالمي إثر إعلان إفلاس بنك ليمان براذرز –الذي وصفه كينغ بأنه ربما يعتبر الأزمة المالية الأسوأ في التاريخ المنظور- فكان داء مختلفا.
 
ويشبه الكاتب الأزمة المالية العالمية بالأزمة القلبية التي يتعرض لها مريض ضعيف سبق أن تعرض لعلاج كيميائي، فهي والحالة هذه تتطلب علاجا سريريا مختلفا.
 
وبدلا من تعرض (الاقتصاد العالمي) لأزمة قلبية، فيمكن وصف الأزمة التي يعاني منها النظام المالي العالمي بطلقة أصابته في الرأس.
 
إذ إن سببه المباشر كان قرارا بملء إرادة الخزانة الأميركية لتعريض استقرار الاقتصاد العالمي للخطر، في إطار السعي لهدف سياسي بالضرورة لإظهار أن إدارة بوش كانت مستعدة للعمل بلا رحمة ضد أحد بنوك وول ستريت للاستثمار على الأقل.
 
ويضيف كاليتسكي أنه حتى تلك اللحظة، فإن المدخرين والمستثمرين حول العالم كانوا يعتقدون أن المؤسسات المالية مثل بنك ليمان براذرز كان "من الصعب انهيارها" وأنها ستلقى الدعم من حكوماتها على الدوام.
 
وبموجب مثل هذا الاعتقاد، فقد شجع (وزير الخزانة الأميركي) هنري بولسون جميع كبريات البنوك في العالم على الاستمرار، كما أدى ذلك إلى تزايد الثقة لدى المستهلك ورجال الأعمال، والتي لوحظت على مدار الشهرين الماضيين.
 
وللأسف، فالعلاج اللازم لحالة الانهيار التي أصابت بنك ليمان براذرز مختلف تماما عن الوصفة اللازمة لازدهار الائتمان وحل أزمة الرهن العقاري.
 
فبدلا من تقييد عمليات الإقراض ومعاقبة البنوك وتشجيع الادخار، فعلى صانعي القرار القيام بعكس ذلك.
 
"
على صانعي القرار دعم البنوك لتهيئة الظروف لتسهيل الإقراض والاقتراض ويبذلوا قصارى جهدهم لتشجيع الاستهلاك
"
ويجب على صانعي القرار أن يدعموا البنوك -وعند الضرورة أن يقدموا لها العون المالي– ذلك لتهيئة الظروف لتسهيل الإقراض والاقتراض، وأن يبذلوا قصارى جهدهم لتشجيع الاستهلاك.
 
وأن السبل الواضحة للقيام بذلك هي بالعمل على خفض نسب الفائدة والضرائب، خاصة الضرائب المفروضة على الاستهلاك وعلى السلع المعيشية لذوي الدخل المنخفض، الذين يميلون للإنفاق أكثر من ميلهم لادخار أي مبالغ تمنحها إياهم الحكومات.
 
ويمضي بالقول إنه كي نتجنب ركودا اقتصاديا قاسيا وطويل المدى فيجب على صانعي القرار حول العالم تخفيض نسب الفائدة إلى مستويات لم نكن نتخيلها من قبل.
 
وعند الضرورة تخفيض نسب الفائدة إلى الصفر –كما ألمح كينغ– والسماح بزيادة العجز في الميزانية بغض النظر عن الأنظمة القديمة للقيود المالية.
 
كما يجب على صانعي القرار أن يسمحوا بتعويم أسعار صرف العملات دونما قلق بشأن التضخم. سياسة أخرى مثيرة للجدل أقرها بحق كينع البارحة.
 
ولحسن الحظ، فحالة انكماش بنك ليمان براذرز جعلت ذلك ممكنا عبر التحول في توقعات التضخم، فأسعار النفط والسلع الأساسية انخفضت إلى النصف بما يزيد قليلا عن شهرين.
 
ويختم كاليتسكي بالقول إنه إذا كانت الحكومات حول العالم مستعدة للتراجع عن خطط التوسع (الاقتصادي) التي أوقفتها –خاصة إذا فعلت هذا مع بعض التنسيق المشترك– فإن إمكانية حدوث ركود اقتصادي طويل المدى ستكون أقل مما يعتقد.
 
وإذا ما وصلت نسبة الفائدة إلى الصفر وتم تخفيض الضرائب في شتى أنحاء العالم، فمن المحتمل أن نشهد انتعاشا اقتصاديا بحلول منتصف العام القادم، وسيبدأ الانتعاش في الولايات المتحدة والصين ثم يمتد إلى بريطانيا ويصل في النهاية إلى قارة أوروبا في عام 2010.
 
لكنه يتساءل: ماذا عن المشاكل الاقتصادية في فترة ما قبل انهيار بنك ليمان براذرز؟ ويجيب بأنه ينبغي التحكم بالائتمان على المدى الطويل، وذلك عن طريق فرض أنظمة مصرفية أفضل ومتطلبات رأسمالية أكثر صعوبة.
 
"
التدابير الطويلة الأجل ينبغي تأجيلها حتى يتعافى الاقتصاد قليلا وينمو
"
ويوضح أنه ينبغي أيضا تشجيع الادخار، وخاصة في الولايات المتحدة وبريطانيا، عن طريق نسب فائدة أعلى، كما ينبغي تقييد الاستهلاك بضرائب أعلى.
 
وهذه الضرائب الأعلى في المقابل سوف تقوم بتضييق نسبة العجز المالي الحكومي والتي لا بد أن تتضخم لتعادل حالة إفلاس بنك ليمان براذرز.
 
وأي من هذه التدابير الطويلة الأجل لاستعادة التوازن العالمي وتشجيع المدخرات، يجب أن يتم تأجيلها حتى يعود الاقتصاد إلى حال النمو القوي.
 
فلا فائدة في تقديم علاج كيماوي لمريض قد توقف قلبه.
المصدر : تايمز