ريتشارد هاس: الركود يؤثر على سياسة واشنطن الخارجية
آخر تحديث: 2008/11/10 الساعة 17:06 (مكة المكرمة) الموافق 1429/11/13 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2008/11/10 الساعة 17:06 (مكة المكرمة) الموافق 1429/11/13 هـ

ريتشارد هاس: الركود يؤثر على سياسة واشنطن الخارجية


تحت عنوان "ما يعنيه الركود بالنسبة للسياسة الخارجية"، كتب رئيس مجلس العلاقات الخارجية الأميركي ريتشارد هاس مقالا في جريدة وول ستريت يقول فيه إن الولايات المتحدة قد وهنت، وكذلك خصومها.

وهذا نص المقال:
من المرجح أن الولايات المتحدة ستواجه عدة فترات من النمو السلبي، تليها سنوات من النمو البطيء، فقد بتنا نسمع قليلا عن الانتعاشات الاقتصادية التي تحمل إشكالا معروفا مثل "V" أي هبوط حاد يتبعه صعود حاد، و"U" أي هبوط ثم فترة ركود أطول من ذي قبل يليها صعود.

ويبدو أن المستقبل القريب سيواجه الشكل "L"، أي انكماش حاد يتبعه فترة غير محددة من الركود.

معظم الحديث الذي يجري حاليا يتناول الآثار الاقتصادية لمثل ذلك المستقبل، وما يمكن وما ينبغي القيام به محليا ودوليا لتخفيف حدة الضربات وسرعة الانتعاش.

ولكن العالم ليس سلسلة من الصوامع، فما يجري في المجال الاقتصادي يلتمس طريقه إلى المجالات السياسية والاقتصادية، وما قد ينجم عن ذلك سيضاف إلى التحديات التي تواجه الرئيس المنتخب باراك أوباما.

من المؤكد أن الضغوط الرامية إلى كبح الإنفاق الاتحادي ستتصاعد، فليس من السهولة بمكان خفض الإنفاق نظرا للحاجة إلى الإيفاء بالاستحقاقات، ودفع الفوائد على ديون تصل إلى 10 تريليونات دولار، وإنقاذ الولايات والمدن العاجزة عن تحقيق التوازن في ميزانياتها.

علاوة على ذلك، هناك إجماع متنام على الحاجة إلى حزمة أخرى من الحوافز. وفي المستقبل المنظور ستتسبب العجوزات المتنامية في التضخم وتفضي إلى مشاكل للدولار.

ومن المرجح أيضا أن الكونغرس سيسعى إلى خفض ميزانيات الدفاع والمساعدات الخارجية لأنه بكل بساطة هناك أهداف أخرى معرضة لخفض الإنفاق الاتحادي، وهذا سيقيد وجود الأدوات الأساسية في تعزيز النفوذ الأميركي في الخارج.

وستكون هناك آثار سياسية أخرى للركود، إذ سيكون صعبا جدا التفاوض على اتفاق حول التغير المناخي لأن دولا مثل الصين والهند ستعارض أي شيء من شأنه أن يعيق النمو.

"
وجود الركود وغياب اتفاقية تجارية دولية من شأنه أن يخفض الواردات الأميركية، الأمر الذي بدوره سيؤدي إلى زيادة الفقر والضغط على الاستقرار السياسي في مختلف أرجاء العالم
"
وارتفاع معدلات البطالة سيعرقل بناء أغلبية هنا في الداخل لإجراء إصلاحات في نظام الهجرة.

ومن المحتمل أن نشهد معارضة تحول دون شراء الأجانب للأصول الأميركية رغم الحاجة الملموسة إلى دولاراتهم.

إن الركود سيعزز بالتأكيد الحمائية التجارية، وهذه نكسة كبيرة لأن التجارة تضمن حوافز تحول دون التضخم. ولكنه في نفس الوقت نعمة للدول النامية، وسبيل لربط الدول في شبكة من التوابع تكبح المشاعر القومية.

إن وجود الركود وغياب اتفاقية تجارية دولية من شأنه أن يخفض الواردات الأميركية، الأمر الذي بدوره سيؤدي إلى زيادة الفقر في العالم والضغط على الاستقرار السياسي في مختلف أرجاء العالم.

العديد من الدول تعاني بالفعل من تباطؤ النمو وانخفاض قيم البورصات والندرة في الائتمان وانخفاض في الصادرات. وهناك دول تعاني أيضا من انخفاض أسعار السلع الأساسية، فلا غرابة أن نرى الحكومات تفشل والمجتمع يعاني العنف.

ومن النتائج السلبية الجديرة بالذكر أن المطالبة بالأسواق الحرة قد تلاشت، فقد استنفد المسؤولون الأميركيين قدرتهم على الترويج لفضائل إصلاح السوق، وستزداد الآثار السلبية على الأسواق في ظل النتائج السلبية للانتعاش الاقتصادي والديمقراطية في العالم.

إننا بالفعل نشهد زيادة في المشاعر المناوئة لأميركا، وذلك نتيجة اعتقادات بأن تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي يعود في جذوره إلى أسواق الرهن العقارية الأميركية.

وصورة العولمة في حد ذاتها قد تعرضت للتشويه، وما نتوقعه هو تدخل حكومي على مستوى عال، وحمائية تجارية في ظل تطلع الحكومات لإجراء ترتيبات تضمن نتائج متميزة.

ولكن هناك دائما جانب مشرق، وهذا لم يكن استثنائيا. فالركود تسبب في هبوط حاد في الأسعار العالمية للنفط يصل إلى 70 دولارا للبرميل بعدما بلغ أكثر من 140 دولارا، وهذا خبر سيئ لإيران وفنزويلا وروسيا المعروفة بمحور الديزل.

إن أكثر آثار التغير المشجعة تلك التي طالت إيران، سيما أنها اقتربت من القدرة على تخصيب اليورانيوم على نطاق واسع. وآخر شيء تريده الإدارة الأميركية الجديدة هو أن تختار بين العيش مع إيران نووية والهجوم عليها حتى لا تصل إلى تلك المرحلة.

وكلا الأمرين سيكون باهظ الثمن، فحتى الآن لم تؤت الدبلوماسية أكلها إلا قليلا، والسؤال المطروح الآن هو عما إذا كان ذلك سيتغير، والعامل الأساسي هو الضغط الاقتصادي.

فالعقوبات الاقتصادية التي لم يكترث لها الملالي في طهران عندما بلغ برميل النفط 140 دولارا، تملك تأثيرا حقيقيا الآن في ضوء انخفاض سعر البرميل إلى النصف تقريبا.

وفضلا عن ذلك الضغط هناك الميزانية الإيرانية من واردات النفط التي  تصاغ على سعر افتراضي للبرميل يتراوح ما بين 90 إلى 95 دولارا، والتضخم والبطالة والعجوزات تزداد مع تراجع احتياطات الدولار.

كل ذلك قد يجعل الإيرانيين أكثر انفتاحا على الدبلوماسية التي ستحد أو تنهي جهود تخصيب اليورانيوم المستقلة مقابل الإعانات الاقتصادية. وقد يؤدي كذلك بالإيرانيين إلى مراجعة دعمهم الباهظ الثمن لحماس وحزب الله والمليشيات الشيعية في العراق.

"
العقوبات الاقتصادية وضغوطات الميزانية بسبب انخفاض سعر النفط يجعل الإيرانيين أكثر انفتاحا على الدبلوماسية التي ستحد أو تنهي جهود تخصيب اليورانيوم المستقلة مقابل الإعانات الاقتصادية
"
وتباطؤ النمو الاقتصادي أيضا قد يجلب أخبارا سارة أخرى قريبة من بلادنا، فها هي فنزويلا بقيادة هوغو شافيز تنفذ سياسة خارجية محفوفة بالمخاطر وتدعم حكومات في كوبا وبوليفيا ونيكاراغوا.

كما أن شافيز يعمل بشكل ممنهج على تقويض الديمقراطية في بلاده، ولكن على فنزويلا -شأنها في ذلك شأن إيران- أن تعود أدراجها، فمصفاة البترول بقيمة أربع مليارات دولار في نيكاراغوا ما زالت معلقة.

وفي ضوء بلوغ التضخم معدل 35% وارتفاع الدين وانخفاض الاحتياطات المالية، يبقى السؤال عما إذا كان شافيز سيملك القدرة على البقاء في السلطة إذا بقيت أسعار النفط حيث هي الآن لسنوات عديدة مقبلة.

إن التطورات التي شهدتها روسيا ربما تشكل جانبا مشرقا آخر، فروسيا الممتعضة من فقدها لمكانتها في المنطقة باتت قوة متمردة، وأصبح الغاز والنفط مصدرين للثروة والنفوذ.

ولكن روسيا تشعر بالألم، ليس بسبب انخفاض أسعار النفط وحسب، بل بسبب هبوط أسواق البورصات التي تراجعت بمعدل الثلثين بعدما بلغت أعلى مستوياتها، وتعرضت للإغلاق من قبل السلطات مرات عديدة.

العديد من الروس يرون ما حدث نتيجة رد الفعل السلبي الذي اتخذه العالم تجاه أفعالهم في جورجيا، وهذا قد يجعل القادة الروس يفكرون مرتين قبل التدخل في أوكرانيا باسم العرقية الروسية التي تقطن القرم.

ولانخفاض أسعار الطاقة أيضا فائدة أخرى، فهي تقلل من العبء الملقى على المستوردين في كل مكان، بدءا من الولايات المتحدة (بالتقليل من الضغط على الدولار) إلى الدول الفقيرة التي لم يسعفها الحظ في العثور على النفط والغاز في أراضيها.

ورغم ذلك، من المؤسف أن يحبط انخفاض أسعار الطاقة الجهود الرامية إلى خفض الاستهلاك الأميركي للطاقة، فمعدلات الاستهلاك الراهنة تجعل الولايات المتحدة عرضة لانقطاع الإمدادات وارتفاع الأسعار، ومساهمة في تغير المناخ.

إن الوفرة المؤقتة الناتجة عن الأسعار المنخفضة للطاقة يجب أن لا يتم تبديدها حتى نتمكن من مواصلة السياسات والسلوكيات التي جعلتنا في موقف ضعيف.

وهذا كله يطرح قضية كبرى، فالقول إنه سيكون هناك ركود يتبعه سنوات من الكساد يضفي الغموض على الأسئلة التي تتعلق بمدى عمقه وكم سيطول.

فقد أظهر بنك الاحتياطي الاتحادي ووزارة الخزانة أن الولايات المتحدة ليست كاليابان، فسياسة الابتكار جزء من ثقافتنا السياسية، وسيكون لدى الرئيس الجديد والكونغرس فرصة لصياغة أبعاد حالة الركود "L" وتعويض واستغلال نتائجه الإستراتيجية. دعونا نأمل أن يتم ذلك بحكمة.

المصدر : وول ستريت جورنال