كيسنجر يرى أن بوتين حدد لنفسه دور مراجع ما يقرره ميدفيديف (الفرنسية-أرشيف) 

في مقال له بصحيفة إنترناشيونال هيرالد تريبيون حاول وزير الخارجية الأميركي الأسبق هانري كيسنجر تبرير أهمية التقليل من الخلافات الأميركية الروسية, مبرزا المصالح المشتركة بين البلدين وداعيا إلى إعطاء ميدفيديف وقتا كافيا حتى ترسو سفينة الحكم الروسي عند مينائها النهائي.

بقلم هانري كيسنجر نقلا عن صحيفة إنرناشيونال هيرالد تريبيون
حتى الاجتماع الذي عقده الرئيس الأميركي جورج بوش مع نظيره الروسي ديمتري ميدفيديف في هوكايدو مثل فرصة لمراجعة العلاقات مع الزعامة الروسية الجديدة.

ولئن كان الناس قد درجوا على اعتبار تنصيب ميدفيديف رئيسا لروسيا الاتحادية استمرارا لفترتي رئاسة فلاديمير بوتين اللتين تميزتا بالهيمنة على الكرملين وبسياسية خارجية صارمة, فإنني اقتنعت -بعد زيارتي الأخيرة لموسكو ولقائي بكبار الشخصيات السياسية ورجال الأعمال والمثقفين- بأن هذا الحكم سابق لأوانه.

مرحلة جديدة
وأحد أسباب ذلك أن بنية السلطة الناشئة تبدو أكثر تعقيدا مما تقدمه الشائعة, إذ الشكوك لا تزال تحوم حول الأسباب التي جعلت بوتين, إذا كان هدفه الأول هو التشبث بالسلطة, يختار لتحقيق ذلك الطريق المعقد وغير الأكيد فيتحول إلى رئيس للوزراء, خاصة أن شعبيته كانت كافية لتمكينه من إجراء تعديل على الدستور يمدد من خلاله فترة رئاسته.

ولدي انطباع بأن السياسة الروسية على أعتاب الدخول في مرحلة جديدة, وقد يكون تحويل مكتب بوتين من الكرملين إلى البناية التي تؤوي مكاتب الحكومة أمرا رمزيا, فقد قال ميدفيديف إنه سيترأس مجلس الأمن القومي, وإنه سيكون كما يخوله الدستور الروسي, واجهة السياسة الخارجية الروسية.

فالمسؤولون الروس دأبوا على تكرار العبارة السحرية بأن الرئيس هو الذي يرسم السياسة الأمنية والخارجية ورئيس الوزراء يتولى تنفيذها, فلم أقابل أي مسؤول روسي من داخل الحكومة أو من خارجها يشك في أن نوعا من إعادة توزيع السلطات بدأ يبرز, وإن كانوا غير متأكدين مما سيؤول إليه الأمر في النهاية.

فبوتين لا يزال قويا, ينظر إليه معظم الروس على أنه الزعيم الذي أخرج بلادهم من بين براثن إذلال وفوضى تسعينيات القرن الماضي, عندما انهارت الدولة الروسية وانهار معها اقتصادها وأيديولوجيتها، ويتصورون أنه حدد لنفسه دور المراجع لأداء خلفه, ومن المحتمل أنه ترك الباب مفتوحا أمام خيار الترشح لانتخابات رئاسية جديدة.

"
منذ زوال الاتحاد السوفياتي عام 1991, دأبت الإدارات الأميركية المتعاقبة على التصرف كما لو كان إنشاء ديمقراطية روسية مهمة أميركية في الأساس
"

فترة انتقال
وأيا كانت المحصلة النهائية, فإن الانتخابات الروسية تمثل فترة انتقال من طور التماسك إلى طور التحديث, فتخلي زعيم في أوج عزه عن السلطة لم يسبق له مثيل في التاريخ الروسي, والتعقيد المتزايد للاقتصاد ولد الحاجة إلى إجراءات قانونية واضحة, كما أنذر بذلك ميدفيديف.

وفعالية الحكومة –في الفترة الأولى على الأقل- مع وجود مركزين للسلطة, وبالعودة للماضي, تبدو بداية لمرحلة تطور نحو شكل من أشكال سياسة التوازن.

ومن البديهي أن الديمقراطية الروسية ليست قضاء وقدرا, ولا كان التطور الديمقراطي بالغرب كذلك. فما هي تداعيات السياسة الخارجية الأميركية؟

ستعكف روسيا خلال الأشهر القادمة على تحديد الوسائل العملية للتمييز بين رسم وتنفيذ سياسة أمنها القومي, ومن الحكمة أن تعطي إدارة بوش ومرشحي الرئاسة موسكو الوقت لتحقيق ذلك عبر الإحجام عن التعليق العلني على هذا الأمر.

فمنذ زوال الاتحاد السوفياتي عام 1991, دأبت الإدارات الأميركية المتعاقبة على التصرف كما لو كان إنشاء ديمقراطية روسية مهمة أميركية في الأساس, فتكررت إيماءات الحرب الباردة والخطابات التي تنتقد التقصير الروسي.

ويؤكد مروجو مثل هذه السياسات أن تغيير المجتمع الروسي شرط مسبق لوجود نظام دولي أكثر انسجاما, ورغم ذلك فإن التدخل الصارخ في ما يعتبره الروس إدراكهم الذاتي يهدد بخطر إحباط الأهداف السياسية والجيوسياسية في آن واحد.

وما من شك في أن بعض الجماعات والأفراد في روسيا ينظرون إلى الولايات المتحدة بأمل تسريع التطور الديمقراطي في بلادهم.

لكن أكثر المراقبين مجمعون على أن غالبية الشعب الروسي ينظرون إلى الولايات المتحدة بوصفها متغطرسة ومصرة على إعاقة استعادة روسيا لعافيتها.

وهذه البيئة مرجحة لتحفيز رد قومي صدامي أكثر من توليد تطور ديمقراطي.

بل إن هناك أكثر من دليل على أننا  نشهد واحدة من أكثر فترات التاريخ الروسي تفاؤلا, إذ إن انفتاح الروس على المجتمعات الحديثة وارتباطهم بها أطول وأكثر كثافة من أي وقت مضى – حتى في ظل إجراءات تعسفية غير مناسبة, وكلما طال هذا التوجه ترك بصماته على التطور السياسي الروسي.

والروس هم من سيحدد لا محالة وتيرة ذلك التطور, ويمكننا أن نؤثر فيه أكثر بالصبر والتفهم التاريخي بدلا من التنصل المغيظ  والتحريض الجماهيري.

فرصة نادرة
والواقع أن الحقائق الجيوسياسية توفر فرصة نادرة للتعاون الإستراتيجي, فروسيا والولايات المتحدة تمتلكان 90% من الأسلحة النووية في العالم, وروسيا تحتوي على أوسع كتلة ترابية في العالم. كما أن التقدم باتجاه استقرار الشرق الوسط وإيران يتوقف على التعاون الروسي الأميركي.

"
الخطب المتحدية وأسلوب التنمر لا تعني أن الزعماء الروس غير مدركين لمدى حدودهم الإستراتيجية
"
فالذي سهل تطبيق السياسة الإمبريالية للقياصرة والاتحاد السوفياتي هو ضعف معظم الدول الموجودة على حدود روسيا، وقد مكن ذلك روسيا خلال قرن ونصف من التوسع باستمرار من الفولغا إلى الألب بموازاة شواطئ البحر الأسود مستحوذة على منطقة القوقاز ومقتربة من تخوم الهند, كما  تغلغلت في آسيا حتى المحيط الهادي ومنشوريا وكوريا, وأصبح الأمن مرادفا للتوسع المستمر وتحققت الشرعية الداخلية أساسا عبر إظهار القوة في الخارج.

لكن تلك الظروف تغيرت الآن بشكل جذري, فقد تغلب جيران روسيا على ضعفهم وأصبحت الحدود الروسية الصينية التي يبلغ طولها 2500 ميل تمثل تحديا ديمغرافيا, ففي شرق بحيرة بيكال يواجه 6.8 ملايين روسي 120 مليون صيني في المناطق الموجودة على طول حدود البلدين, وعبر حدود بنفس الطول تجد موسكو نفسها مجبرة على التعامل مع التطرف الإسلامي وهي تبسط نفوذها على المناطق الجنوبية من روسيا.

وعلى طول حدودها الغربية ينحصر الامتداد الروسي الإستراتيجي في وجه وقائع جديدة, من بينها انضمام أعضاء من حلف وارسو السابق إلى حلف الناتو.

ورغم تنامي مشاعر الاعتزاز بالانتماء القومي بين المواطنين الروس, فإن زعماء هذا البلد يعون خطر محاولة تغيير النظام الدولي الجديد عبر الوسائل التقليدية, فهم يدركون أن من بين سكان روسيا المسلمين, البالغ عددهم 25 مليون نسمة, نسبة معتبرة يشك في ولائها للدولة.

كما أن نظام روسيا الصحي بحاجة إلى مراجعة شاملة, وتحتاج بناها التحتية لإعادة البناء. لقد اختارت روسيا التركيز على الإصلاح الداخلي, رغم أن هذه إحدى المرات القلائل في تاريخها التي تقوم بهذا الخيار.

ولا تعني الخطب المتحدية ولا أسلوب التنمر أن الزعماء الروس غير مدركين لمدى حدودهم الإستراتيجية, وأرى فعلا أن سياسة روسيا الخارجية في ظل بوتين كان دافعها البحث عن شريك جدير بالثقة, مع تفضيل الخيار الأميركي.

وتعكس التصريحات العنيفة في السنوات الأخيرة جزءا من الإحباط المتولد عن انغلاقنا الظاهر أمام تلك المحاولات, فعلاقة بوش وبوتين بناءة لكن الرئيسين فشلا في التغلب على عادات بلديهما خلال الحرب الباردة.

ففي الجانب الروسي حفز إجراء انتخابات الدوما والانتخابات الرئاسية لفترتين متتاليتين الزعماء السياسيين على الاستغاثة بالمشاعر القومية المتفشية بين الروس بعد عقد من الإذلال الملحوظ.

كيسنجر دعا إلى نبذ سلوكيات الحرب الباردة بين واشنطن وموسكو (الفرنسية-أرشيف)
قضايا الأجندة السياسية
هذه المنعطفات ليس لها تأثير على الواقع الضمني, فهناك ثلاث قضايا تهيمن على الأجندة السياسية: الأمن وإيران وعلاقة روسيا مع دول الاتحاد السوفياتي السابق خاصة أوكرانيا.

ونظرا لتفوقهما النووي يلزم أميركا وروسيا تصدر الجهود الدولية المتعلقة بالطاقة النووية بما في ذلك وقف انتشار التكنولوجيا النووية. وهناك مبادرات بناءة تمثلت في مزيد من الشفافية وربط أنظمة دفاعهما الصاروخية في مواجهة إيران أعلن عنها في إبريل/نيسان من العام الماضي رسميا من طرف بوش وبوتين في سوشي, إلا أن التصريحات الأولية لا تزال تنتظر أن تشفع بمزيد من التحري والتدقيق.

ولا بد من أن توجد أجوبة على أربعة أسئلة بخصوص الانتشار النووي: هل روسيا وأميركا متفقتان على طبيعة التحدي الذي يمثله حصول إيران على السلاح النووي؟ وهل هما متفقتان فيما يخص المستوى الذي وصل إليه البرنامج النووي الإيراني؟ وهل هما متفقتان على النهج الدبلوماسي كوسيلة لتفادي الخطر؟ وهل هما متفقتان على إجراءات ما سيتم اتخاذها في حالة فشل الدبلوماسية؟

انطباعي هو أن إجماعا معتبرا بدأ يتضح أكثر فأكثر بين الولايات المتحدة وروسيا فيما يتعلق بالسؤالين الأولين, أما بخصوص السؤالين الأخيرين فالطرفان مطالبان بإدراك أن أيا منهما لن يستطيع التغلب بسهولة على التحدي دون مساعدة الآخر.

وتحل قضية أوكرانيا في قلب رؤية كل من الطرفين لطبيعة القضايا الدولية, فأميركا تنظر إلى الوضع من زاوية التغلب على خطر عسكري محتمل بينما تعتبر روسيا قضية علاقتها مع أوكرانيا, أولا وقبل كل شيء, مسألة تصفية جيشان تاريخي مرير.

فاستقلال أوكرانيا الحقيقي ضروري لضمان نظام السلم العالمي، ويجب على واشنطن أن تدعمه دون غموض أو تردد, كما أنه من الضروري تمتين علاقات الاتحاد الأوروبي بأوكرانيا, بما في ذلك قبول عضويتها في الاتحاد (...) ومع قبول حلف شمال الأطلسي لمبدأ عضوية أوكرانيا, ليس هناك ما يدعو للاستعجال في ضمها فعليا.

ويرسم الإعلان الذي صدر عن الرئيسين في سوشي خارطة طريق لحوار إستراتيجي متنام بين الطرفين, وعلى كلتا الإدارتين الجديدتين في روسيا والولايات المتحدة أن تهيئا لهذا سياقا يمكن من تنفيذه.

المصدر : هيرالد تريبيون