فرن لصناعة الخبز بقرية مصرية (الجزيرة-أرشيف)

ببناياتها نصف المكتملة, ذات الطوب الأحمر, وأزقتها الموحلة, وفضاءات تجميع قماماتها في الهواء الطلق, تشبه "ميت بدر حلاوة" الواقعة في دلتا النيل القرية المصرية النمطية لولا شيء واحد: نصف سكانها الـ20 ألفا مهاجر  أو سبق له الهجرة إلى فرنسا.
 
بعضهم بطريقة قانونية، فـ"من النيل إلى السين غريبٌ قدرُ أهل بدراوي" كما عنونت "لوفيغارو" الفرنسية تحقيقا مطولا لها حول الموضوع.
 
في ميت بدر حلاوة تسمع زبونا يعرض بالفرنسية مساعدته على صاحب مقهى متواضع اسمه حسن, عاش سنوات في المنطقة الباريسية حيث عمل بناء, وعاد إلى قريته ليقف على شؤون محل والده, واشترى مزرعة بما اقتصد من نقود. آخرون مثل أخيه مكث بها وتزوج فرنسية.
 
يقول فرهود صالح رئيس الجالية المصرية في فرنسا وأحد أشهر أبناء القرية إن 6000 من أبناء ميت بدر حلاوة يعيشون الآن على ضفاف السين, أي 1 من كل 20 مصريا في فرنسا, وهو رقم هائل لقرية في صغر ميت بدر حلاوة.
 
فرهود صالح شيد لنفسه بيتا من ثلاثة طوابق عند مخرج القرية, رمز النجاح الاجتماعي لرجل شق طريقه في بيع بواكير الثمار بدايات ثمانينيات القرن الماضي في فرنسا و"لم يتجاوز حينها أبناء القرية الثلاثين".
 
في ميت بدر حلاوة يختار المرشحون للهجرة جماعيا، فالعائلة "تحدد في آن واحد من يبقى ليهتم بالشؤون الأسرية, خاصة تسيير المبالغ التي يبعثها المهاجرون, ومن الأقدر على العثور على عمل في فرنسا، كما تقول المختصة علم الاجتماع ريم سعد.
 
الآن البحر يغدر بمن يريدون الهجرة سرا وبـ9000 يورو على ظهر سفينة مبحرة إلى إيطاليا أو اليونان, لكن عدد المرشحين في ازدياد, كما يقول أحمد (19 عاما) الذي عاد من فرنسا لأنه لم يتحمل قساوة الحياة رغم بقائه شهرين فقط, وهو الآن يكسب قوته جيدا لأنه استطاع اتخاذ قرار بالعودة.
 
ميت حلاوة شقت لنفسها شبكة صرف صحي وبنت مدرسة ومستشفى بتبرعات.. جعلتها تستغني عن الإعانات الحكومية
أمام المقهى شباب يلعب الدومينو لتمضية وقت فراغهم في قرية آفاقهم فيها تقتصر على العمل في الحقل وسياقة التوك توك, العربة الهندية التي غزت الريف المصري, لكن فرهود صالح يأمل الآن أن تفتح "الهجرة المنتقاة" في فرنسا الفرصة للجميع, لأن العمل في فرنسا مصدر بحبوحة من تبقى في البلد.
 
ميت بدر حلاوة شقت لنفسها شبكة صرف صحي وبنت مدرسة ومستشفى, وكلها مشاريع مولت بتبرعات يقول فرهود صالح إنها جعلتها تستغني عن الإعانات الحكومية, فهي تعول على ما تصفه ريم سعد بـ"ضريبة ثورية" يدفعها أغنياء المهاجرين.

المصدر : الصحافة الفرنسية