"قصة أبو غريب لم تنته بعد"
(رويترز-أرشيف)

تحت عنوان "كابوس محقق في العراق" كتب أريك فير, الذي عمل محققا متعاقدا مع القوات الأميركية في أوائل عام 2004, تعليقا في صحيفة واشنطن بوست أورد فيه بعض تفاصيل تجربته الشخصية في تعذيب وحضور تعذيب سجناء عراقيين في سجون أميركية غير سجن أبو غريب.

قال فير إنه لا يكاد ينام ليلة دون أن يطارده شبح أحد السجناء الذين عذبهم في العراق.

ويروي قصة ذلك الرجل فيقول إنه كان ينظر إليه في زاوية السجن وهو يناشده المساعدة, ثم يبدأ في البكاء بصوت يرثى له ثم يبدأ في الصراخ. لكن فير الآن يسمع ذلك الصراخ فيستيقظ ليجد أنه صحياته هو وليس صيحات أمان.

ويضيف أن ذلك الكابوس وكوابيس أخرى تقض مضجعه كل ليلة منذ عودته من العراق في صيف 2004.

ويتذكر فير كيف كان يعامل ذلك الرجل الذي يطارده شبحه الآن فيقول: "لقد شاركت في التحقيق معه في معتقل في الفلوجة, وكنت أحد محققين مدنيين أسندت إليهما وحدة التحقيقات التابعة للفرقة 82 من الجيش الأميركي المحمولة جوا هذه المهمة".

ويضيف لقد نسيت اسم ذلك الرجل الذي كان متهما بأنه أحد معاوني زعيم حزب البعث في الأنبار خميس سرحان المحمد, الذي كان قد اعتقل قبل ذلك بشهرين.

ويقول فير إن الأوامر التي صدرت إليه كانت تشمل حرمان ذلك المعتقل من النوم بفتح زنزاته كل ساعة وإرغامه على خلع ملابسه والوقوف في الزاوية, مضيفا أنه الآن لا يكاد ينام إلا وتأتيه روح ذلك الرجل لتعذبه كما كان هو يعذبه قبل ثلاث سنوات.

ويستطرد قائلا إن كل جهوده لتجاهل أخطائه في معتقل الفلوجة باءت بالفشل, فهو نادم أشد الندم على أنه لم يعص أوامر ضباطه ولم يحترم معايير الكرامة الإنسانية في سجينه, بل على العكس من ذلك ابتزه وعرضه للإهانة والتعذيب والقهر, مضيفا أنه لن يسامح نفسه أبدا على تلك الفعلة.

سجين عراقي ملطخ بنفايات آدمية بعد أن تعرض للتعذيب (الفرنسية-أرشيف)

التعذيب شمل معتقلات أخرى
وفند الكاتب مزاعم السلطات الأميركية بأن تعذيب السجناء العراقيين في أبو غريب كان حادثا منفصلا, قائلا إنه شاهد بأم عينه سجناء يرغمون على خلع كل ملابسهم ليلا والبقاء على تلك الحال وهم يرتعشون من البرد داخل زنزاناتهم، وشاهدهم يتوسلون لجلاديهم من أجل المساعدة.

كما شاهد آخرين يقضون فترات طويلة في غرف سوداء مدهونة بالزفت, أما الحرمان من النوم والطعام وإخضاع المعتقل للتعذيب الجسدي فقد كانت أمورا اعتيادية.

وأضاف أن كل وسائل التعذيب المختلفة -التي كانت تتم يوميا في العراق- كانت بدعوى الحصول على معلومات استخبارية ضرورية لقمع التمرد وإنهائه.

وشدد فير على أن خجله من عدم التصدي لما كان يجري في تلك السجون, وغزو ذكريات ما رأى في العراق لذهنه، جعلته يخجل الآن من أن يظل صامتا.

وقال إن البعض ربما يلومه على إحيائه ذكريات التعذيب الذي لاقاه السجناء العراقيون على أيدي الأميركيين, وربما يرون أن الحديث من جديد عن تلك الأخطاء يضر بالمصالح الأميركية, لكنه نبه إلى أن التاريخ علمنا أن ندقق في مثل هذه الزلات بصورة متأنية.

إذ إن السجون القمعية خلفت بعض أكثر الخصوم تصميما وشدة, كما تعلم البريطانيون ذلك من نابليون وتعلمه العالم أجمع من أيمن الظواهري.

الإقرار لا الإنكار
وبشيء من الحسرة, قال فير إن رجالا مثله قد رفضوا سرد قصصهم كما رفض زعماؤهم الاعتراف بمسؤولياتهم عن الأخطاء الجسيمة التي اقترفت.

وأشار إلى أن عدم مواجهة هذه المسألة يعني أنه لن يكون هناك أمل في تحقيق نجاح في العراق, بغض النظر عن عدد الشباب الأميركيين الذين نرسلهم إلى جبهة القتال, وعدد أفراد المليشيات الذين نقتلهم, وعدد العراقيين الذين ندربهم, وكمية المال التي نصرفها على إعادة البناء, إذ كل ذلك لن يكفي لكي نتملص من الضرر الذي ألحقناه بالعراقيين في سجوننا.

وختم المحقق بقوله إنه الآن متلهف للتمتع بحياته ولمحو ذكريات تجربته في العراق، لكن تلك التجارب ليست ملكا له, بل للتاريخ.

فإذا كنا نكرر رغما عنا أخطاء تاريخية نسيناها, فكيف ستكون آثار عواقب تاريخ لم نعرف عنه شيئا؟

فعلى مواطني الولايات المتحدة وقادتها أن يعيدوا الاطلاع على ما شهدته قاعات التحقيق العراقية, مهما كان بغيضا, لأن قصة أبو غريب لم تنته بعد.

المصدر : واشنطن بوست