أفراد من شركات الأمن الخاصة العاملة في العراق

ذكرت صحيفة كريستيان ساينس مونيتور أن السفارة الأميركية في العراق تعرض الآن دفع تعويضات لأقارب العراقيين الذين قتلوا في حادثة إطلاق النار المتورطة فيها شركة بلاك ووتر الأميركية للأمن بقتل 17 مدنيا عراقيا في سبتمبر/أيلول الماضي.
 
المساواة هنا كما هناك
وأشارت الصحيفة إلى أن محمد حافظ، والد الطفل علي الذي كان عمره 10 سنوات وأحد ضحايا إطلاق النار، رفض قبول ظرف فيه 12500 دولار من باتريشيا بتنيس نائب رئيس البعثة الدبلوماسية في سفارة الولايات المتحدة في بغداد، تعويضا عن وفاة ابنه.
 
وقال حافظ: "لقد أبلغتها بأني أريد أن تأخذ العدالة مجراها".
 
وقال هيثم الربيعي، الذي فقد ابنه وزوجته في نفس الحادث، إنه لن يفكر حتى في لقاء الآنسة بتنيس التي عرضت تعويضا نقديا يوم الأربعاء لسبع من عائلات الضحايا بمن في ذلك حافظ.
 
 أما القس جولس فيفيان من مجمع كنيسة الرب المسيحية في بغداد فقد قال إن على الحكومة العراقية أن تضع حدا لـ"قانون الغابة" هذا عندما يتعلق الأمر بمقاولي الأمن أمثال بلاك ووتر.
 
وأشارت الصحيفة إلى أن القس فقد جنيفيا جلال، صديقة مقربة وعاملة بكنيسته، التي قتلت هي وصديقة لها بعد أسابيع قليلة من حادثة بلاك ووتر على أيدي حراس أمن من شركة أخرى هي يونيتي ريسورسز جروب.
 
وقالت إن هاتين الحادثتين بالذات أثارتا غضبا عارما على المسلحين الأجانب المستأجرين الذين وصفهم كثير من العراقيين بأنهم مرتزقة يحملون تراخيص بالقتل.
 
وكانت هاتان الحادثتان القشة التي قسمت ظهر بعير البغداديين، الذين يشتكون دائما من استئساد المقاولين المدججين بالأسلحة عليهم وهم يشقون طريقهم بعنف خلال المرور في مركباتهم الفارهة أو سيارات النقل المدرعة.
 
ونوهت إلى أن نحو 125 إلى 180 ألف مقاول أجنبي يعملون في العراق. وبلاك ووتر وحدها متورطة في ما لا يقل عن 195 حادثة تصعيد للقوة منذ عام 2005.
 
وأشارت إلى أن التوتر حول القضية يتزايد بين السفارة الأميركية ورئيس الوزراء نوري المالكي، الذي أصدرت حكومته يوم الأربعاء أمرا إداريا يلغي الحصانة القانونية لجماعات الأمن الخاصة، وهي حركة ما زالت تحتاج إلى موافقة البرلمان العراقي.
 
وذكرت الصحيفة أن كثيرا من العراقيين، خاصة عائلات الضحايا، قالوا بضرورة توجيه التهم للمقاولين في محاكم عراقية وإنهم غير مستعدين لترك المقاولين يفرون من العقاب، رغم حقيقة أن الحكومة الأميركية قد بدأت فعلا في عملية تقديم تعويضات لأقارب الضحايا.
 
وقال ميريمبي نوتونغو متحدث باسم السفارة ومعين خصيصا للتعليق على قضية بلاك ووتر، إن تقديم تعويضات للعائلات قبل استكمال التحقيقات إجراء متبع وليس إقرارا بالذنب.
 
وكتب السيد الربيعي للمالكي يطلب منه معالجة القضية قائلا: "طالبت الحكومة العراقية بالعدالة وقلت إننا لن نلقى احترام الآخرين إذا لم تحم وتقدر حكومتنا قيمتنا. ويجب أن تأخذ العدالة مجراها بنفس الطريقة التي تقدر فيها حياة الإنسان في بلدانهم، نريد المساواة هنا كما هي هناك".
 
مراقبة شركات الأمن
الضغط الذي تشكله عائلات الضحايا والحكومة العراقية يبدو وكأنه يدفع وزارة الخارجية الأميركية لإعادة النظر في مراقبة الشركات التي تتعاقد معها لحماية موظفيها. حيث إنها تتمتع حاليا بحصانة الادعاء عليها في العراق، وهي سياسة بدأها بول بريمر رئيس سلطة الاحتلال السابق حتى يونيو/حزيران 2004.
 
وقد قدم مدير السياسة الإدارية بوزارة الخارجية الأميركية باتريك كيندي، المناط بمراجعة الممارسات الأمنية للوزارة في العراق، إلى وزيرة الخارجية رايس تقريرا ختاميا يوم الاثنين تضمن 19 توصية شملت إضفاء صفة رسمية على المطلب الذي كان موضوعا فعلا بعد حادثة 16 سبتمبر/أيلول الماضي، بجعل عملاء من مكتب الأمن الدبلوماسي يصحبون كل موكب وتركيب معدات تسجيل مرئي وسمعي وتعقب داخل المركبات.
 
كذلك دعا التقرير إلى التشديد في  قواعد استخدام القوة المفرطة ومطالبة الشركات الخاصة مثل بلاك ووتر بالخضوع لتدريب لتعزيز وعيها الثقافي واستئجار طاقم يجيد اللغة العربية.
 
أما نقطة الخلاف الرئيسية بين العراقيين والأميركيين فهي الحصانة الممنوحة لشركات الأمن الخاصة، وهي السياسة التي أشار إليها العراقيون بالأمر 17 لبريمر، بما أنه كان الأمر السابع عشر لإدارته في العراق.
 
ويطلب المسؤولون الأميركيون من المالكي تأجيل أي إجراء ضد بلاك ووتر حتى تستكمل "أف بي آي" تحقيقها وكذلك اللجنة العراقية الأميركية المشتركة التي تشكلت مؤخرا والتي اجتمعت لأول مرة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول لمراجعة النتائج وتقديم توصيات حول الوضع العام لشركات الأمن الخاصة في العراق.
 
ويقول سامي العسكري مستشار كبير للمالكي، إن "حراس بلاك ووتر ارتكبوا جريمة غير مبررة وبدم بارد بقصد قتل أكبر عدد ممكن من العراقيين".
 
"ويقول الجانب الأميركي إنهم يحتاجون إلى مزيد من الوقت.. لكن رئيس الوزراء يريدهم، أي بلاك ووتر، أن يرحلوا الآن. ويجب أن يغادروا".
 
القصاص في العراق
وقال الربيعي إن مسؤول وزراة الخارجية الأميركية حثه عندما قابله يوم السبت على أن يحدد المبلغ الذي يريده مقابل خسارته.
 
وقال الربيعي"سألت المسؤول هل المبلغ سيختلف إذا كان القتلى أميركيين؟". "وحددت رقما خياليا وأصررت على أن يكتب على النموذج أن لي الحق في رفع دعوى قضائية. لأن حياتي قد تحطمت".
 
ويذكر أن ابن الربيعي، أحمد، كان أول القتلى في حادثة بلاك ووتر. وربما يكون قد واجه الحراس وهم يقتربون من دوار سائرين عكس المرور. وكانوا يحاولون إجلاء الدبلوماسي الأميركي الذي علق في قصف قريب.
 
وكان أحمد يقوم بتوصيل والدته، طبيبة الأمراض الجلدية، وهي تقوم ببعض المهام في بغداد الغربية بعد توصيل والده، طبيب أمراض الدم، إلى عمله.
 
ومن المعروف أن أحمد كان طالبا في السنة الثالثة من كلية الطب وكان شعلة نشاط كما وصفه أصدقاؤه، وكان يعشق كرة القدم والغناء بالإسبانية مع فرقته للغيتار. وما زال الربيعي يعتصره الحزن على زوجته محاسن التي تعرف إليها أثناء دراسته في كلية الطب في بغداد وسرعان ما تزوجا بعد التخرج.
 
وحكى حافظ الذي فقد ابنه الصغير أن الحادثة كانت أشبه "بكابوس، حيث رأيتهم يطلقون النار مرارا وتكرارا على الناس وهم جثث هامدة".
 
وقال إن "أف بي آي" دفع له 3500 دولار منذ أسبوع تعويضا عن تلف سيارته التي حفظت من أجل التحقيق. وفي مقابلة سابقة مع مسؤول وزارة الخارجية الأسبوع الماضي كتب حافظ على نموذج تظلم أنه أراد 15 مليون دولار تعويضا إجماليا واعتذارا من بلاك ووتر ومساعدته في مغادرة البلد مع زوجته وأطفاله الثلاثة الآخرين.
 
أما بلاك ووتر فقد رفضت التعليق على هذه المقالة. وقال إريك برينس مؤسس بلاك ووتر في مقابلة مع شبكة "سي أن أن" يوم 14 أكتوبر/تشرين الأول إنه ليس بالإمكان مثوله أمام العدالة العراقية لأنه لا يوجد مثل هذا الشيء.
 
"وهذا معناه المثول أمام القانون العراقي، لكن هذا يعني أن هناك نظام محاكم عراقيا فاعلا حيث يمكن للغربيين أن يحصلوا على محاكمة عادلة.. لكن ليست هذه هي القضية الآن".
 
وقال إن بلاك ووتر كانت مسؤولة بموجب القانون العسكري الأميركي.
 
كذلك رفضت المؤسسة العسكرية التي باشرت التحقيق التعليق على المقالة، رغم قولها في السابق بعدم وجود دليل على أن بلاك ووتر أطلق عليها النار من قبل المتمردين ذاك اليوم كما تزعم.
 
وتقول سوزان بورك المستشارة الرائدة في قضية مدنية ضد بلاك ووتر رفعت في واشنطن في بداية الشهر الماضي، إن هذا يمكن وزارة الدفاع من رفع قضية جنائية ضد مطلقي النار والشركة في أميركا.
 
نهاية حلم
ويقول العسكري، مستشار المالكي، إنه على عكس تحدي بلاك ووتر الواضح في مواجهة التهم العراقية بارتكاب خطأ، فقد سارعت شركة الأمن الأسترالية يو آر جي للاعتذار على إطلاق النار هذا الشهر وعرضت تعويضا لأسر الضحايا.
 
كذلك يقول قس الكنيسة التي خدمت فيها الآنسة جلال إن التعويض وحده لا يكفي "وما أريده بحق هو القصاص".
 
وحكى الحكاية بأن صديقة وسائقة سيارة الأجرة مراني عوانس، كانت تقل الآنسة جلال واثنين من أقاربها إلى البيت عندما اعترضهم حراس يو آر جي الذين كانوا يحمون إحدى الشخصيات. وقالت الشركة الأسترالية إن الآنسة عوانس، التي قتلت مع الآنسة جلال، لم تمتثل لإشارات التحذير المتكررة للتوقف.
 
وقال القس إنه عرف الآنسة جلال منذ 12 عاما، التي كانت في بداية الثلاثينيات من عمرها، عندما التحقت هي واختيها بالكنيسة وأنها كانت من أسرة أرثوذوكسية أرمينية وكانت محاسبة وكاهنة ومستشارة نشطة. وكانت كالأم لأختيها بعد وفاة والدتها ورفضت الأختان الهجرة إلى أميركا العام الماضي مع والدهما. وكان حلمها في الحياة أن تساعد العراق وشعبه. وكانت تحب الحياة والقيام بعمل جيد للناس.

المصدر : الصحافة الأميركية