ترجمة-غسان أبو حسين

تحت عنوان "انسوا أمر السلام في الشرق الأوسط"، كتب الصحفي الجنوب أفريقي أليستر سباركس مقالة مطولة عقب رحلة عاد منها مؤخرا شملت فلسطين وإسرائيل وسوريا، التقى فيها عددا من المسؤولين الإسرائيليين وقيادات من حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، يرى فيه أن النظام الإسرائيلي لا يشبه نظام التمييز العنصري، في جنوب أفريقيا، بل هو أسوأ منه.

عملية السلام ماتت

"
عملية سلام الشرق الأوسط لم تعد موجودة، واتفاقية أوسلو وخارطة الطريق قد أعلنت وفاتهما

"
يقول سباركس الصحفي الأبيض الذي عاش ردحا من الزمن معارضا لنظام الأقلية البيضاء (الأبارتهيد) لجنوب أفريقيا "غادرت إسرائيل بعد أسبوعين مكثفين قضيتهما في عقد مقابلات هناك (إسرائيل) ومع قيادات حماس في دمشق، مع مشاعر من الهواجس المظلمة.

ويتابع سباركس –الصحفي الشهير- في مقاله بصحيفة ستار اليومية الصادرة في جوهانسبيرغ، "بالنسبة للغالبية كانت الواقعية تتلخص في أن عملية سلام الشرق الأوسط لم تعد موجودة، وأن اتفاقية أوسلو وخارطة الطريق قد أعلنت وفاتهما".

ما أن وصل الشريك الفلسطيني المفاوض الوحيد القادر على صنع اتفاقية سلام إلى السلطة حتى أدارت إسرائيل ظهرها للمفاوضات. إنها إسرائيل التي ترفض الحديث مع حماس وباشرت بدلا من ذلك سياسة أحادية الجانب.

وتمضي إسرائيل في الادعاء حول حدود دولة فلسطين صغيرة ومتقطعة ثم تأتي بإعلان أحادي مما يعدم وجود فرصة لقبولها من قبل الشعب الفلسطيني أو أي أحد آخر في المنطقة. ومن أجل سحق أية بواكير لمقاومة هذه الخطة، شنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت هجوما هائلا على قطاع غزة ولبنان.

إن الأبعاد المروعة لهذه الأعمال تقود العالم الإسلامي أكثر فأكثر نحو أحضان الجهاديين المتطرفين في الوقت الذي (يظهر فيه الرئيس الأميركي) جورج دبليو بوش مصدوما بسبب الهجوم المروع على العراق.

ضع الاثنين معا وستحصل على مفاهيم ثنائية للإرهاب الذي يثأر من الدول الغربية حيث يُرى على أنه تعاون وثيق مع إسرائيل كما أن عدم الاستقرار بشكل عام لأكثر منطقة مهمة في العالم من جهة إنتاج النفط، الشرق الأوسط له تأثيرات اقتصادية مهمة على الجميع بمن فيهم جنوب أفريقيا.

لا يُعجب إسرائيل أن يتم مقارنة صراعها مع الفلسطينيين بنظام الأبارتهيد (التمييز العنصري) في جنوب أفريقيا (سابقا)، بل وللحقيقة لا يوجد في إسرائيل لافتات (مكتوب عليها "لليهود فقط" (تخلصت جنوب أفريقيا الحرة من لافتات كانت تقول للبيض فقط) أو من بيانات بهذا الخصوص لما درجنا على تسميته نظام الأبارتهيد ضيق التفكير. لا تشعر بوجود للأبارتهيد في شوارع تل أبيب.

الضفة والبانتوستان
لكن عبر نقاط التفتيش داخل الضفة الغربية ستجد نفسك داخل بانتوستان (نظام أقرته حكومة جنوب أفريقيا العنصرية يعزل الناس في أماكن سكنهم وفق عرقهم ولا يسمح للسود على سبيل المثال بالسكن في مناطق البيض). إن الضفة الغربية تبدو على غرار بانتوستان، وتشعرك بأنها بانتوستان.

عبر طرق وعرة بين الأراضي، وبنايات متهالكة، وبنية تحتية محدودة سلكت الطريق إلى رام الله، والتي يفترض أن تكون العاصمة الفلسطينية، لقد ذكرتني رام الله بأومتاتا عاصمة إقليم ترانسكاي (أحد الأقاليم التي كانت بمثابة بانتوستان زمن نظام الأبارتيهد).

على الخريطة فإن الدولة الفلسطينية المزعومة، تضم 11% من الأرض التي كانت يوما ما فلسطين تحت الانتداب، والتي قسمتها الأمم المتحدة بصورة شبه متساوية بين الإسرائيليين والعرب عام 1947.

الضفة الغربية على غرار بوبوتسوانا (مدينة في المقاطعة الشمالية الشرقية لجنوب أفريقيا) المقطعة، لخمس قطع منفصلة، لكن مساحتها (الضفة الغربية) البالغة 1649 كيلومترا مربعا هي أقل من جزء من عشرين جزءا من مساحة بوبوتسوانا في حين يبلغ عدد سكانها ضعف عدد سكان بوبوتسوانا.

"
في حين كانت حكومة جنوب أفريقيا القديمة تنفق المال على البانتوستانات، وتبني البرلمانات والمكاتب الحكومية، والجامعات والمطارات والملاعب وبعض المحال، فإن إسرائيل لا تنفق سنتا واحدا على الدولة الفلسطينية
"
وفي حين كانت حكومة جنوب أفريقيا القديمة تنفق المال على البانتوستانات، وتبني البرلمانات والمكاتب الحكومية، والجامعات والمطارات والملاعب وبعض المحال، فإن إسرائيل لا تنفق سنتا واحدا على الدولة الفلسطينية في غمرة ذلك.

بدلا من ذلك تمارس إسرائيل والولايات المتحدة -معا- ضغطا اقتصاديا هائلا على الفلسطينيين كعقوبات شاملة بسبب انتخابهم حماس التي أوصلتها إلى الحكومة في انتخابات حرة ونزيهة جرت في يناير/كانون الثاني الماضي.

ترفض إسرائيل تسليم عائدات الضرائب والجمارك التي تصل إلى 60 مليون دولار شهريا إلى السلطة الفلسطينية كما هو مطلوب قانونيا وفق برتوكول باريس الموقع عام 1994.

وفي الوقت ذاته فإن وزارة الخزانة الأميركية أوقفت بنوكا دولية من نقل الأموال المجموعة من مناصرين عرب إلى حكومة حماس عبر تهديدها بفرض عقوبات ضد الإعانات الأميركية، ونتيجة لذلك فإن أكثر من مليون فلسطيني لم يتلقوا رواتبهم منذ يناير الماضي في وقت تنهار فيه كذلك الخدمات العامة.

بروفيسور القانون الجنوب أفريقي المعروف جون دوغارد، والذي يعمل مقررا رسميا لدى الأمم المتحدة، حذر من هذه الأوضاع ومن تنامي أزمة إنسانية في الأراضي المحتلة، مع انهيار الخدمات الصحية والتعليمية، وتزايد البطالة والفقر بحيث أصبحت الحياة بشكل عام لا تطاق.

وفي الحقيقة يقول دوغارد "أصبح الفلسطينيون هدفا لعقوبات اقتصادية، وهي المرة الأولى التي يتم فيها التعامل مع شعب واقع تحت الاحتلال بهذه الطريقة".

الحكومة الإسرائيلية الآن تحاصر بانتوستانا صغيرا وبائسا داخل جدار أمني ضخم. إنني (يقول سباركس) أجد صعوبة في فهم كيف يسجن 3.8 ملايين شخص في مثل هذه الأراضي المقطوعة المتشظية والمتباعدة عن بعضها، حيث لا ميناء بحريا، لا إمكانات اقتصادية محتملة. لا سيطرة على مصادر مياهها أو على مجالها الجوي أو على سياستها الخارجية أو ما يمكن أن يعتبر صيغة سلام.

وتبدو ردة فعل العرب المريرة على العدوان الإسرائيلي على لبنان تبعث على الأسى كما لو أن هناك بالتأكيد نتيجة للقصف الهائل الذي قام به أولمرت على كل من غزة ولبنان.

الأمر يثير التساؤل حول سبب إقدام أولمرت على تدشين رد مكثف لا يوازي الإمساك (وفق الكاتب) بثلاثة جنود إسرائيليين والمطالبة بمبادلتهم بعدد من الأسرى الفلسطينيين البالغ عددهم عشرة آلاف شخص يقبعون في السجون الإسرائيلية، وهو نوع من المبادلات قد تم من قبل؟

السياسة أحادية الجانب
السبب يبدو واضحا: السياسة أحادية الجانب، (وهي ذات السياسة) التي تحدد حدود إسرائيل مع الدولة الفلسطينية الصغيرة، مقرونة بالتزامها سحب بعض المستوطنين الذين يبلغ عددهم نحو 77 ألف إسرائيلي من بعض المستوطنات الأصغر في (قطاع) غزة والضفة الغربية بشكل كبير لأسباب ديموغرافية.

ما سبق يثير جدلا صاخبا داخل دوائر يمينية إسرائيلية. المستوطنون وأنصارهم يعتقدون أنهم يلعبون دورا ضروريا في تزويد الأمن على أنه الخط الأول للدفاع.

لقد تصوّر رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق أرييل شارون هذه السياسة، وهو شارون الذي يمكن أن يستحوذ على الانتقاد بسبب سمعته كجندي قوي وصاحب قلب متحجر، لكن أولمرت الذي ورث السياسة من شارون لا يكمل مثل هذه الصورة. فهو أول رئيس للوزراء منذ (غولدا) مائير لم يكن (عسكريا) في قوات الدفاع الإسرائيلية ونائبه شمعون بيريز من شيوخ الحمائم.

لذا فحينما تمكنت مليشيا عربية من اختطاف رهائن (جنود إسرائيليين)، قرر أولمرت التظاهر بأنه يمكن أن يكون متحجر القلب كسلفه شارون، وإظهار فحولته لإنقاذ سياسته المعرضة للخطر.

لكن الأمر (مستحيل) فكمن يزرع في الريح، خاطر أولمرت فحصد الزوبعة، وهو الأمر ذاته مع القوى الغربية التي دعمته.

نصر الله زعيم شعبي

"
بدلا من سحق حزب الله حوّل أولمرت أمينه العام حسن نصر الله، إلى زعيم شعبي لدى العرب، يُحتفى به في كل مكان، لإبقائه على المقاومة مدى طويلا ضد الجيش الإسرائيلي القوي
"
وبدلا من سحق حزب الله حوّل أولمرت أمينه العام حسن نصر الله، إلى زعيم شعبي لدى العرب، فهاهم مراسلو صحيفة النيويورك تايمز في الشرق (ألأوسط) ذكروا كيف يُحتفى بنصر الله في كل مكان، لإبقائه على المقاومة مدى طويلا ضد الجيش الإسرائيلي القوي.

وهنالك تدفق في المقالات ورسوم الكاريكاتير والشعر الشعبي في الصحف تظهر المديح لنصر الله وانتقاد الولايات المتحدة والغرب بقسوة لعدم إنسانيتهم.

كما قامت شبكات تلفزة عربية بعرض سيل من الصور، تظهر جثامين لأطفال سحبت من تحت الدمار في قانا، لأمهات باكيات وعائلات لاجئة ممزقة. ونتيجة لضغط الشارع العربي فقد بدأت وساطة من أنظمة عربية، كانت قد انتقدت حزب الله سابقا لإثارته رد إسرائيل، حيث تغير موقفهم وانضموا إلى الجوقة التي تمدح نصر الله.

هنا يمكن القول إن حكّام مصر والأردن والسعودية –جميعهم- يعرفون أنهم في خطر محدق بسبب موجة الراديكالية بين شعوبهم.

وفي المقابل هناك القوى الغربية التي أعطت أولمرت الضوء الأخضر للاستمرار في تدميره.

أيمن الظواهري الرجل الثاني في تنظيم القاعدة، أذاع شريطا متلفزا على قناة عربية، دعا فيه للانتقام من العالم الغربي بأكلمه.

لقد قال الظواهري "في الوقت الذي يهاجموننا فيه في كل مكان سوف نهاجمهم في كل مكان. إن القذائف والصواريخ التي تمزق أجساد المسلمين في غزة ولبنان ليست إسرائيلية بالكامل، إنها تأتي بدعم من كل الدول ضمن التحالف المسيحي الصهيوني ولذا فعلى كل من يشارك في هذه الجريمة أن يدفع الثمن." وهكذا هل يبكي كلا الطرفين على الدمار ويطلقان العنان للحرب؟
ـــــــــــ
الجزيرة نت

المصدر : صحافة جنوب أفريقيا