أبدت الصحف البريطانية اليوم السبت اهتماما خاصا بالانسحاب الإسرائيلي من غزة، إذ قالت إحداها إنه يعتبر نقطة تحول في مسلسل السلام، كما نشرت أخرى مقالا عن ضرورة اعتذار بريطانيا عن العبودية التي مارستها في أفريقيا.

 

"
كل ما وقع أن شارون استعار ثياب حزب العمل وقام بعملية إخلاء مناطق معزولة تصعب السيطرة عليها، ليحكم سيطرته بالمقابل على القدس والضفة الغربية
"
ديلي تلغراف
نقطة تحول

قالت صحيفة تايمز إن سحب آلاف المستوطنين من قطاع غزة في زمن قياسي ودون وقوع أحداث تذكر يعتبر عملا جديرا بالتنويه ويدعو إلى اعتبار شارون والجيش الإسرائيلي محل ثقة، كما شهد بذلك الرئيس المصري حسني مبارك حين قال عن شارون "إنه قائد شجاع وجريء لديه القدرة والصارمة الكفيلة بصنع السلام".

 

وأضافت أن نجاح عملية الانسحاب لم تكن مجرد مسألة حظ وإنما نتيجة تخطيط دقيق وتنسيق محكم مع السلطة الفلسطينية التي أثبتت أنها هي الأخرى جديرة بالثقة، وبرهن قائدها محمود عباس على أنه قادر على السيطرة على مخيمات غزة -التي لا تخضع لقانون- حتى لا تهاجم حماس وأمثالها الإسرائيليين لإثبات دعواهم بأن إسرائيل إنما تنسحب تحت ضغط أسلحتهم.

 

وإذا كان كثير من الفلسطينيين الذين لا يكادون يصدقون أن احتلالا دام 38 سنة قد انتهى بهذه السهولة يدعون للمطالبة بمواصلة الكفاح حتى الوصول إلى القدس، فإن السلطة الفلسطينية تبدو مشغولة عنهم وعن هذا النصر بمشكلة الأرض التي انسحبت عنها إسرائيل من حق من تكون وكيف لا تؤدي إلى اقتتال داخلي؟

 

وفي نفس الوقت تتابع الصحيفة فإن شارون سيكون هو الآخر مشغولا بحملة انتخابية على الأبواب في إسرائيل، وبإقناع الإسرائيليين بأن الانسحاب الذي قام به سيجلب الأمن المفقود، أو على الأقل يؤجل موضوع الضفة الغربية إلى حين، لكن واشنطن ترى أن الأمن الحقيقي لا يمكن أن يتم إلا بتنفيذ خارطة الطريق، كما ترى أن شارون الذي كسر الصنم وغير العقلية الإسرائيلية يمكنه بتعاون الفلسطينيين أن يسلك طريق السلام الحقيقي.

 

أما صحيفة ديلي تلغراف فقالت إن الأمم المتحدة ترى أن الكرة الآن في ملعب السلطة الفلسطينية كي تقوم بسياسة وتنمية المنطقة التي انسحبت منها إسرائيل، كما ترى أنه على محمود عباس أن يقنع أو يرغم حماس والتنظيمات المشابهة على إلقاء سلاحها واستبداله  بالمفاوضات السياسية.

 

ولكن الصحيفة ترى أن دون هذا المطلب عوائق حقيقية أولاها أن إسرائيل لم تنسحب من جنوب لبنان ولا من قطاع غزة إلا مرغمة بحملات عنف طويلة المدى، وثانيتها أن محمود عباس ضعيف النفوذ والأراضي التي ورثها باقية تحت سيطرة إسرائيل رغم خروجها من داخلها.

 

وخلصت الصحيفة إلى أنه لم يتغير شيء لأن غزة ستظل منطقة مغلقة ولن ترفع إسرائيل عنها الحصار ما لم يتوقف تهديد العنف لها، وكل ما وقع أن شارون استعار ثياب حزب العمل وقام بعملية إخلاء مناطق معزولة تصعب السيطرة عليها، ليحكم سيطرته بالمقابل على القدس والضفة الغربية، وهكذا يظل الحلم الفلسطيني في إقامة الدولة المستقلة بعيد المنال.

 

ومن جهة أخرى نشرت صحيفة غارديان بعض تعليقات مراسليها على الانسحاب الإسرائيلي من غزة، حيث قال أحدهم يسمى داين لانغفورد "إن العالم رأى كيف يمكن أن يخرج المستوطنون غير الشرعيين بأقل ما يمكن من العنف، وعليه فلا عذر الآن في عدم إجلاء كل المستوطنين من القدس الشرقية وقطاع غزة تنفيذا للقانون الدولي".

 

ويضيف أنه "لا معنى لتسويق الانسحاب من مستوطنات معزولة لإحكام القبضة على مستوطنات الضفة الغربية، مؤكدا أن إسرائيل لن تنهي الاحتلال بصورة كاملة وأن الفلسطينيين لن يحصلوا على حقوقهم الوطنية بدون عقوبات دولية يفرضها العالم ردا على إسرائيل".

 

ويقول آخر يدعى أرنولد فيسكر هيرفورد "إن العالم سعيد الآن وسيكون أكثر سعادة بتطهير الضفة الغربية من اليهود البغيضين على حد تعبيره، لأن القاعدة "هي أن كل قضية يريد صاحبها أن يتعاون معه العالم يكون فيها ضد اليهود".

 

"
الكثيرون يحبون أن يرجعوا تأخر أفريقيا وضعف حكوماتها وانتشار الأمراض والمجاعات فيها إلى مرحلة ما بعد الاستقلال، متناسين أن ضعف أفريقيا كان نتيجة قرنين من العبودية جاء بعدهما الاستعمار فالاستبداد
"
غارديان
ثروة الغرب أصلها استغلال أفريقيا

كتب ريتشارد درايتون في صحيفة غارديان متسائلا لماذا لم تعتذر بريطانيا عن ممارستها للعبودية في أفريقيا مثلما فعلت مع الإيرلنديين؟ ولماذا لم تقم نصبا تذكاريا لها كالذي أقيم في برلين لتخليد المحرقة؟ وأهم من ذلك لماذا لم تعرف أن استغلالها لأفريقيا هو سبب ثروتها وقوتها وازدهارها؟ وأليس من المنصف أن تعوض بريطانيا أحفاد العبيد عن بعض هذا الظلم؟

 

وقال الكاتب إن هذه الأسئلة مناسبة في الذي يحاول فيه الرئيس الأميركي جورج بوش ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير –وأيديهما تقطر من دماء العراقيين– أن يظهرا بمظهر المخلص لأفريقيا.

 

وأضاف أن مسألة إعفاء الديون التي قامت بها مجموعة الثماني تمثل حقيقة الإنسانية والكرم الغربي، حيث يلزم الحكومات أن توافق على شروط تسمح لشركات الربح أن تحكم قبضتها على المصالح العمومية.

 

وقال إن الكثيرين يحبون أن يرجعوا تأخر أفريقيا وضعف حكوماتها وانتشار الأمراض والمجاعات فيها إلى مرحلة ما بعد الاستقلال، متناسين أن ضعف أفريقيا كان نتيجة قرنين من العبودية جاء بعدهما الاستعمار فالاستبداد.

 

وحتى في مرحلة ما بعد الاستقلال لم ترفع القوى الاستعمارية يدها عن أفريقيا وإنما بدا أن بريطانيا وفرنسا ظلتا تحاولان إعاقة أي مشروع لإقامة سيادة سياسية.

 

وفي نهاية مقاله أشار الكاتب إلى أن وزير الخزانة البريطاني غولدن براون قال في بداية هذه السنة للصحافة في موزمبيق إن بريطانيا يجب ألا تعتذر عن الاستعمار، وأضاف الكاتب أنها في الحقيقة لم تواجه قط ذلك الجانب المظلم من تاريخها الاستعماري، وبالتالي فإن عليها الآن أن تبدأ في الاعتذار.

المصدر : الصحافة البريطانية