أميركا والعالم وروسيا
آخر تحديث: 2002/3/5 الساعة 03:00 (مكة المكرمة) الموافق 1422/12/21 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2002/3/5 الساعة 03:00 (مكة المكرمة) الموافق 1422/12/21 هـ

أميركا والعالم وروسيا


موسكو- علي الصالح

ركزت الصحافة الروسية الصادرة اليوم على الحرب السافرة ضد الفلسطينيين، لكنها نقلت حيثياتها وفق الرواية الإسرائيلية مبتدئة كل تقاريرها بالتأكيد على مقتل أكثر من عشرين إسرائيليا على أيدي "الإرهابيين" الفلسطينيين. وشملت التغطية مبادرة الأمير عبد الله التي شكلت -حسب أزفيستيا- "تحديا للعالم العربي أكبر من التحدي الأميركي الإسرائيلي" واحتدام الصراع بين الكنيستين الأرثوذكسية والكاثوليكية والقمة غير الرسمية لقادة دول رابطة الكومنولث, بينما تركز الاهتمام على ظهور الخبراء العسكريين الأميركيين في جورجيا تحت ذريعة مساعدة القوات الجورجية على التخلص من الشبكة الإرهابية في وادي بانكيسي التي تضم حسب التأكيدات الأميركية عناصر من القاعدة مما استدعى موجة استنكار جعلت كبار المحللين والمفكرين يطرحون تساؤلات كبرى عن مصير روسيا ومكانتها ودور قيادتها السياسية وجدوى سياستها الداخلية والخارجية ما يوحي بانطباع وكأن روسيا عادت إلي مرحلة ما قبل قصف البرلمان عام 1993م.

الانسحاب الشامل


ما نشاهده الآن هو تطبيق عملي "لمشروع كولن باول" الذي أفصح عنه إثر تعيينه بمنصب وزير خارجية أميركا حيث قال إن روسيا لا تستطيع امتلاك مصالح قومية لها خارج حدودها

ميخائيل ديلياغين/ روسيسكايا غازيتا

في استطلاع لآراء الخبراء أجرته صحيفة روسيسكايا غازيتا حول تداعيات الوجود الأميركي في جورجيا أعرب الخبير ميخائيل ديلياغين رئيس معهد قضايا العولمة عن الفكرة التالية "إن نشر البنى التحتية العسكرية الأميركية في آسيا الوسطى ومن ثم في جورجيا الآن يعني شيئا واحدا: لقد انتهجت روسيا خطا ثابتا بالانسحاب ليس من الساحة الدولية كقوة مؤثرة في السياسة العالمية فحسب بل ومن المساحة ما بعد السوفياتية كدولة مؤثرة فيها".

وأضاف قائلا "ما نشاهده الآن هو تطبيق عملي لمشروع كولن باول الذي أفصح عنه إثر تعيينه بمنصب وزير خارجية أميركا حيث قال إن روسيا لا تستطيع امتلاك مصالح قومية لها خارج حدودها".

الرئيس الأمثل
وارتأت نوفايا غازيتا أن اضمحلال دور روسيا ناجم عن ضحالة مقدرات النظام القائم على التظاهر والإيهام "فكل شيء مبني على التظاهر، التظاهر بوجود برلمان وفدرالية والتظاهر بوجود تعددية حزبية ومعارضة وحتى التظاهر بوجود القوة".

وبينما كان الرئيس يلتسين يتظاهر بعدم وجوده في الكرملين يتظاهر الرئيس بوتين "الذي أثبت أنه الرئيس الأمثل لمرحلة الآمال الضحلة والمخاوف الغامضة بأنه حاضر في الكرملين".

إصلاحات أزلية
أما صحيفة فيك التي قدمت صفحتها الأولى لأشهر فلاسفة روسيا المعاصرين ألكسندر زينوفيف فقد عزت أسباب التراجع إلى استمرار الرئيس بوتين بنهج سابقه يلتسين, وتحت عنوان "إصلاحات أزلية" كتبت تقول "المهمة التاريخية للرئيس بوتين هي تشريع اليلتسينية، لقد تشكل النظام الاجتماعي ما بعد السوفياتي في روسيا وحدث الانقلاب، وستمضي عقود قبل أن تتجمع الوسائل والإمكانيات لإعادة بناء المرحلة اليلتسينية. أما المنطلق الأيديولوجي للكرملين القائل بفعل أي شيء لتحسين ظروف الحياة في ظل هذا النظام فهو استسلام تاريخي اجتماعي يتمثل بالاعتراف بنتائج انقلاب غورباتشوف- يلتسين الذي عمم في البلاد وباء الإصلاحات الأزلية".

التأرجح وغياب الرؤية
واعتقدت صحيفة نيزافيسيمايا أن أسباب التراجع تعود إلى غياب الرؤية الإستراتيجية والتأرجح ذات اليمين وذات الشمال والسير في ذيل التبعية للسياسة الأميركية. وقد نشرت في ملحقها العسكري الأسبوعي مقابلة مطولة مع نائب رئيس معهد البحوث الجيوسياسية الجنرال ليونيد إيفاشوف أوردتها بعنوان (روسيا المتأرجحة ذات اليمين وذات الشمال) نقتطف منها:

"السبب الرئيسي للتناقض في إعلانات المسؤولين الروس في مسائل السياسة الخارجية هو عدم صياغة إستراتيجية واضحة تستند إلى نموذج جيوسياسي يؤمن القاعدة اللازمة للتحرك والنشاط في عالمنا المعاصر سريع التغير. وغياب الإستراتيجية هو السبب في ردود الأفعال العاطفية والانفعالية على هذا الحدث أو ذاك. فروسيا تصبو إلى الغرب تارة معلنة نفسها من أنصار النموذج الغربي للتطور وتارة أخرى تمتعض فتتحول باتجاه آخر وكأنها جرم فضائي ضال ينجر باتجاه النجم ذي النواة الأكبر".


التعويل على الغرب خطأ جيوسياسي جدي من قبل القيادة قد تدفع روسيا ثمنه باهظا، فروسيا بحكم جغرافيتها لا تستطيع أن تكون مع الغرب فقط أو مع الشرق فقط، بل لا تستطيع أن تكون مجرد دولة إقليمية ما، ولا طريق أمامها سوى الدولة الكبرى واستقلالية القرار

نيزافيسيمايا

ونقرأ أيضا "إننا إذ نمعن في تغيير نماذج تصرفاتنا وتوجهات سياستنا نجد أنفسنا دائما في ذيل التبعية لسياسة الآخرين".

وفي معرض الرد على سؤال عن مدى صواب أو خطأ التعويل على الغرب قالت الصحيفة "التعويل على الغرب خطأ جيوسياسي جدي من قبل القيادة قد تدفع روسيا ثمنه باهظا. فروسيا بحكم جغرافيتها لا تستطيع أن تكون مع الغرب فقط أو مع الشرق فقط. بل لا تستطيع أن تكون مجرد دولة إقليمية ما. ولا طريق أمامها سوى الدولة الكبرى واستقلالية القرار. فهي تشغل امتدادا جيوسياسيا إستراتيجيا بين أوروبا والشرق الأقصى والعالم الإسلامي".

وأضافت الصحيفة "من غير المفهوم لماذا علينا أن نختار فقط النموذج الغربي للتطور في المجال الاجتماعي الاقتصادي علما بأنه يتعثر ويخرب البلاد منذ أكثر من عشر سنوات في حين يتنامى إلي جوارنا نموذج آخر في آسيا والمحيط الهادي تمثله اليابان والصين والنمور الآسيوية يمزج بحكمة بين نزعة المحافظة السياسية واقتصاد السوق الحر بينما نندفع نحن إلي الليبرالية في كل شيء ودفعة واحدة فنحصل على انهيار النظام الاقتصادي وتفسخ المجتمع".

أميركا والعالم وروسيا
وتابعت الصحيفة تقول "في ما يخص روسيا والمساحة الجيوسياسية الأوراسية تنفذ أميركا الآن خطة الفريد ميهن الملقبة بـ"أنشوطة أناكوندا" القائلة بتضييق الخناق على القارة الأوراسية إلى أن تصبح بلدانها وشعوبها خاضعة للنفوذ الأميركي لأن من يملك القارة الأوراسية يملك العالم".

وأضافت "تسعى أميركا من حيث الجوهر إلى إنشاء نظام عالمي موحد مبني على القيم الأميركية أو بتعبير أدق إلى إنشاء حكومة عالمية ترأسها أميركا. لكن إصرار أميركا على تحقيق هذا الهدف قد يفضي برأي خبراء كثيرين إلى كارثة عالمية أو إلى ما يسمى بـ"الحرب الأهلية العالمية" بسبب وجود حضارات ومراكز إقليمية مثل الصين ودول آسيا والمحيط الهادي أسرع في تطورها من تطور أميركا مما سيدفعها إلى رفض دور التبعية والإذعان لأنها تطمح بنفسها إلى الريادة بعد عشرين إلى ثلاثين سنة".

أما العالم الإسلامي فيعيش حالة وسن بسبب تشتته لكن أفعال أميركا تدفعه إلى التوحد. وحسب الصحيفة فإنه "لمن التهور السير في ذيل التبعية للسياسة الأميركية لأنها خطيرة متهورة ومصيرها الفشل. أما دخول أميركا والناتو إلى آسيا الوسطى فيهدد بتخريب رابطة الكومنولث ومن بعدها روسيا وفقا لرأي كيسنجر القائل بأنه "يفضل الفوضى والحرب الأهلية في روسيا على نزوع شعوبها إلى التوحد".


إن تقويم ما يجري على الساحة الدولية على أساس التحليل الجيوسياسي المنهجي يتيح الخروج باستنتاج مفاده أن الحديث يدور عن مشروع مصاغ ينفذ بثبات هدفه إضفاء صبغة نزعة الشر"الشيطانية" على روسيا والعالم الإسلامي في جميع جوانب التطور الحضاري

سوفيتسكايا روسيا

التحكم من خلال الفوضى
وقد طورت صحيفة سوفيتسكايا روسيا هذه الفكرة فرأت أنها تنطبق بنفس الوقت على روسيا والعالم الإسلامي. وفي مقال بعنوان "التحكم من خلال الفوضى" كتبت تقول "إن تقويم ما يجري على الساحة الدولية على أساس التحليل الجيوسياسي المنهجي يتيح الخروج باستنتاج مفاده أن الحديث يدور عن مشروع مصاغ ينفذ بثبات هدفه إضفاء صبغة نزعة الشر "الشيطانية" على روسيا والعالم الإسلامي في جميع جوانب التطور الحضاري: التاريخية والثقافية والدينية والجيوسياسية والأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية الخ".

وتابعت تقول "إن السعي إلى مطابقة روسيا مع بطل عاجز وبليد في دراما عالمية, ومطابقة العالم الإسلامي مع الإرهاب المريع المهدد دائما للشعوب الحضارية ليس بأكثر من تهيئة لبسط السيطرة على العالم من دون منازع".

وخلصت إلى القول "ينبغي الاعتراف بأن محاولة الإيقاع بين العالم الأسلامي والحضارة الروسية وبينه وبين الصين لم تنجح، أو بتعبير أدق لم تنجح حتى الآن".

المصدر : الصحافة الروسية