الدوحة - الجزيرة نت

أوردت صحيفة الرأي العام السودانية مقالا للكاتب محمد سعيد محمد الحسن، تناول فيه موقف واشنطن من العاصمة الليبية طرابلس في ظل التطورات الراهنة وما حدث من تغير أخرج ليبيا مما يسمى بالقائمة الأميركية للدول الراعية للإرهاب.

يقول الكاتب بدون سابق اتفاق، التقى قيادي سياسي بارز في حزب كبير، وأكاديمي عالم له بحوث وإسهامات واسعة على تساؤل واحد، بدا وكأنه محيرا أو معقدا في إطار التطورات الإقليمية والدولية المذهلة وتأثيراتها على عواصم كثيرة، وقد تجاوزا ما يتصل بالخرطوم، واتجها بفكرهما إلى طرابلس، وما يكمن وراء موقف واشنطن واستبعادها تماماً من قائمة الدول الإرهابية والدول الراعية للإرهاب أو الدائرة الشريرة وما هو السيناريو المنتظر من وراء ذلك؟


واشنطن عندما نفد صبرها تجاه طرابلس في الثمانينات، فإنها أقدمت على استخدام طائرات الفانتوم وضربت مقر القذافي في محاولة للتخلص منه نهائياً

الرأي العام

وجاء التساؤل على خلفية العداء التاريخي بين طرابلس وواشنطن عندما اقترنت الأولى بملف العنف على حد وصف المتحدث الأميركي طوال حقبة السبعينات ومطلع الثمانينات، فقد ظلت واشنطن تعتبر أي حدث في أية منطقة تسبب في زعزعة الأمن مصدره ليبيا ورئيسها القذافي، وصوبت بياناتها المعادية والحادة تجاهها باعتبارها دولة إرهابية، ومهددة للأمن.

بل أن واشنطن عندما نفد صبرها تجاه طرابلس في الثمانينات، أقدمت على استخدام طائرات الفانتوم وضربت مقر القذافي في محاولة للتخلص منه نهائياً، والذين زاروا المقر وقد ظل مفتوحاً للزوار الأجانب ورأوا محتوياته وقد تبعثرت بما فيها لعب وأحذية الأطفال والكتب، تيقنوا لو أن القذافي وأسرته كانوا لحظتها فيه لواجهوا موتاً محققاً، ولكنهم نجوا بأعجوبة.

دعم الحركات
ويقول الكاتب كانت ليبيا وعلى خلفية ملفها في حقبتي السبعينات والثمانينات، واستناداً على تقارير تلك الفترة تعتبر وراء أعمال العنف أو نشاط الحركات المعادية لحكوماتها، وتقدم لها المساعدات المادية والعسكرية.

وقد سمعت من وزير الدفاع الليبي أن أية حركة لجأت آنذاك إليهم طلباً لعون مالي أو عسكري أو سياسي تلقته دون تردد وجاء قوله "كنا نعرف أن بعضها كان صادقاً في مهمته وآخر غير دقيق وآخر مخادعاً ومع ذلك لم نرد لأحد طلباً".

بل أن الرئيس الليبي معمر القذافي -لدى صحبتنا للسيد محمد عثمان الميرغني رئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي في مطلع عام 1989 وفي حديقة فسيحة في طرابلس- أبلغنا أنه ساعد قرنق في حربه عام 1983 ضد نظام مايو في السودان، وأنه بعد استماعه إلى ما تم في نوفمبر 1988، أي اتفاقية السلام وتوقيعها في أديس أبابا، بادر إلى إقناع قرنق بوقف الحرب وإحلال السلام في الجنوب، ولكن الحرب اتسعت وامتدت حتى مارس 2002م.

لقد كانت طرابلس آنذاك تقدم العون لكل من يتجه إليها، ولذلك كالت واشنطن لها الاتهامات بأنها وراء الاضطرابات والقلاقل التي عانت منها الكثير من المناطق.

الإنجاز الأكبر
ويضيف الكاتب "لكن الإنجاز الأكبر على حد قول السياسي البارز ويعتبره شهادة تاريخية لليبيا.. ولدورها المؤثر في جنوب أفريقيا أنه شهد وعن قرب تدريب ستة آلاف شاب من أعضاء حركة مانديلا في الفترة من عام 1973 و1974 وإلى 1976 وكان التدريب عسكرياً ومتكاملاً وشمل أنواع الهجوم والمعارك كافة وبعدها جرى نقلهم من ليبيا إلى تنزانيا.

وقد قدر السياسي البارز ما أنفق من مال على التدريب والمعدات العسكرية لهذه القوات وترحيل بالطائرات بملايين كثيرة، وبدا وكان الرقم ضخماً وإلى حد يتعذر تصديقه، ولكن لابد من إيراده، لأن السياسي كان وزيراً للمالية والاقتصاد، وهو ما يقرب من بليون دولار.

ولكن هذه القوات استحقت ما أنفق عليها عن جدارة لأنها استطاعت دفع النظام العنصري الأبيض إلى التفاوض مع مانديلا في سجنه حتى انتهى إلى اتفاق بالتداول السلمي للسلطة وعبر الانتخابات العامة والتي جاءت بمانديلا كأول رئيس أفريقي لجنوب أفريقيا، وظل يذكر بكثير من الإمتنان هذا الدور للقذافي ويدافع عنه ويقف إلى جانبه بلا تردد.


بعد تسليم طرابلس للمتهمين في حادثة لوكربي وبعد وساطة من السعودية ومانديلا وتقديمهما إلى المحاكمة أخذ الحصار الصارم الذي طبقته أميركا وكندا وأوربا بوجه خاص في التراجع، وأخذت ليبيا تتحرك بنشاط وتعمد إلى تحسين صورتها إزاء معالجة الكثير من الاتهامات التي وجهت إليها ودفع التعويضات للذين وقع عليهم ضرر

الرأي العام

التحول الخطير ومواجهة الإرهاب

ولكن بعد تسليم طرابلس للمتهمين في حادثة لوكربي وبعد وساطة من السعودية ومانديلا وتقديمهما إلى المحاكمة أخذ الحصار الصارم الذي طبقته أميركا وكندا وأوربا بوجه خاص في التراجع، وأخذت ليبيا تتحرك بنشاط وتعمد إلى تحسين صورتها إزاء معالجة الكثير من الاتهامات التي وجهت إليها ودفع التعويضات للذين وقع عليهم ضرر.

وجاء واحد من ملامح التحول الذي صحب مرحلة ما بعد المحاكمة ورفع العقوبات أن الزعيم الليبي حافظ على قناعته بأهمية الوحدة أو الاتحاد، ولكنه عوضاً عن التركيز على المنطقة العربية التي جرب فيها أشكال الإعلانات والاتفاقيات الوحدوية أو الاتحادية وانتهت إلى فشل، فإنه اتجه نحو أفريقيا وإلى منظمة الوحدة الأفريقية ودفعها إلى مرحلة جديدة لقيام الاتحاد الإفريقي الذي يضم الدول الأعضاء والاتجاه لتشكيل حكومة أفريقيا وما يرتبط بها لاحقاً من هياكل وأجهزة.

ويشير الكاتب إلى أن المراقبين اعتبروا أن أحد عوامل التحول والنجاح للرئيس معمر القذافي أنه امتلك المبادرة السياسية اليقظة بالنسبة للتوقيت ولدى وقوع أحداث سبتمبر في أميركا بعد إعلانه وبشكل فوري وقوي إدانته للإرهاب وقدم تعازيه للشعب الأميركي في الخسائر البشرية التي نجمت عن تلك الأحداث.

وبدا أن واشنطن أخذت تعيد النظر في حساباتها إزاء التعامل مع طرابلس، وإلى حد أن المراقبين لاحظوا عدم صدور بيان عدائي ضد ليبيا، وبدأت أحاديث القانونيين الممثلين لأسر ضحايا الطائرة عن دفع تعويضات للضحايا، وتصدى للرد عليهم مانديلا بأن اتفاق التسليم لم يشمل دفع تعويضات، وأن واشنطن التزمت الصمت كدلالة على صحة ما أعلنه مانديلا عقب إعلان الأحكام، بل أنها حرصت على تحديد (دائرة الشر) ومواقع الإرهاب واستبعدت الإشارة إلى ليبيا.

السيناريو الأميركي
ويقول الكاتب "انطلاق استفهامات كثيرة عن التحول الذي حدث من جانب أميركا تجاه ليبيا على خلفية الملف القديم والعقوبات المباشرة التي أنزلتها بها لها ما يبررها".

وهي من نوع ما هو التفسير لهذا التحول؟ ولماذا لم تعد واشنطن تتحفظ على الدور الليبي في اتجاه أفريقيا ولدعم وحدتها والتدخل لإنهاء النزاعات؟ وهل تمتلك واشنطن سيناريو تتعمد تغييبه في الوقت الراهن اكتفاءً بالتغاضي لحين البت في الوقت الملائم؟ وهل لعبت المصالح والشركات الأميركية دوراً في الضغط خاصة بعد كارثة سبتمبر وتداعياتها على الاقتصاد الأميركي؟ هل أرادت واشنطن عدم إغضاب العرب وإثارة حفيظتهم بوضع ليبيا والعراق في كفة واحدة وبذلك تزيد الأمور تعقيداً؟

السياسي البارز اعتقد بوجود سيناريو للتعامل مع ليبيا بشكلها الجديد ومع الرئيس القذافي وقد أصبح داعياً وداعماً للسلام ووقف الحروب أو هذا ما يبدو حتى الآن هو الماثل.


الشأن الليبي ليس ببعيد عن السودان، سواء عبر المبادرة المشتركة أو الجهود التي تقودها الولايات المتحدة لوقف الحرب وإنهاء أكبر مأساة إنسانية في أفريقيا

الرأي العام

أما الأكاديمي العالم فقد رأى أن المصالح أحياناً لها الغلبة ودون منازع وأن واشنطن رغم انشغالها بالحرب ضد الإرهاب فإن هنالك ما يلجمها ويتمثل في المصالح، ليبيا تشكل بديلاً للشركات الأميركية عوضاً عن إيران كمجال واسع للعمل لأن ليبيا تريد تعويض سنوات الحصار كما أن نفطها متاح أمامها ويصعب التكهن بما يحدث إذا ما اتسعت الحرب وزادت دوائرها في المنطقة أو غيرها.

وبالطبع فإن الشأن الليبي ليس ببعيد عن السودان، سواء عبر المبادرة المشتركة أو الجهود التي تقودها الولايات المتحدة لوقف الحرب وإنهاء أكبر مأساة إنسانية في أفريقيا.

المصدر : الصحافة السودانية