باريس - وليد عباس
ركزت الصحف الفرنسية الصادرة اليوم في عناوينها الرئيسية على قضايا داخلية تتعلق بالحملة الانتخابية لمنصب الرئاسة في فرنسا، وتنوعت بين توجيه الاتهام لوزير اشتراكي سابق وتصريحات جاك شيراك حول الأزمات الاجتماعية الداخلية. وبرز في الصفحات الداخلية نقاش حول السياسة الأميركية فيما يتعلق بالقانون الدولي والتوازن الإستراتيجي في العالم.

أميركا والعالم
علق بيير حزان في صحيفة ليبراسيون على تأثير السياسة الأميركية على القانون الدولي وانعكاسها على محاكمة الرئيس اليوغسلافي السابق سلوبودان ميلوسوفيتش أمام محكمة الجزاء الدولية ليوغسلافيا، قائلا "بينما تنتهك الولايات المتحدة معاهدات جنيف في غوانتانامو، يواجه ميلوسوفيتش قضاته، فهل ستشكل هذه المحاكمة مثالا، بينما تعاني العدالة الدولية من التراجع في مناطق أخرى من العالم؟".


الولايات المتحدة تتعامل مع العدالة الدولية مثل السوبر ماركت، تستخدمها عندما يكون الأمر في مصلحتها

ليبراسيون

وبعدما استعرض الكاتب لجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في عدة مناطق من العالم، تساءل عن المسيرة المتعثرة للعدالة الدولية والتناقضات التي تمر بها حيث "ترفض القوى العظمى الأميركية الالتزام بها، وآخر حلقات هذا المسلسل يتعلق بمعاهدة جنيف التي تفرض أن تقوم محكمة مؤهلة بتعريف وضع الأسرى من طالبان وتنظيم القاعدة، ولكن الرئيس الأميركي لا يبالي بذلك رغم استياء حلفائه الأوروبيين".

وقال الكاتب إن "الولايات المتحدة تتعامل مع العدالة الدولية مثل السوبر ماركت فتستخدمها عندما يخدم الأمر مصالحها"، مضيفا "أن هذه الممارسات الانتهازية تعاظمت بعد 11 سبتمبر/أيلول وانتصار أميركا في أفغانستان، حيث باتت مثل السائق المتهور الذي يعرب عن سروره لوجود قوانين المرور بينما يحرق كل الإشارات الحمراء".


حديث الرئيس الأميركي جورج بوش عما أسماه بمحور الشر، هو إرث من مرحلة الحرب الباردة، والتحالف الذي جمعنا ضد الإرهاب لن يستمر صلبا إذا لم نحترم القانون الدولي

إيفانوف/
لوفيغارو

ويمتد الأمر ليشمل الجانب السياسي بعد الجانب القانوني، حيث اعتبر وزير الخارجية الروسي إيغور إيفانوف الذي يزور باريس اليوم، في حديث لصحيفة لوفيغارو أن حديث الرئيس الأميركي جورج بوش عما أسماه بمحور الشر و"توزيع مثل هذه الصفات، إنما هو إرث من مرحلة الحرب الباردة، والتحالف الذي جمعنا ضد الإرهاب لن يستمر صلبا إذا لم نحترم القانون الدولي".

وبالنسبة للمخططات الأميركية لتوجيه ضربة إلى العراق بشكل منفرد، تساءل الوزير الروسي عن شرعية مثل هذه الضربات مؤكدا أن ما حدث في أفغانستان لا يمكن أن يكون سابقة قابلة للتكرار بشكل منتظم. أما بالنسبة لاتهامات الولايات المتحدة لإيران بمحاولة صناعة قنابل ذرية والتلميح إلى أن الأمر يتم بمساعدة روسية، فقد رفض إيفانوف هذه الاتهامات مشيرا إلى أن بلاده صادقت على جميع معاهدات الحد من الأسلحة الذرية بينما ترفض الولايات المتحدة التصديق على هذه المعاهدات التي شارك الدبلوماسيون الأميركيون في وضعها.

موقف سياسي وتفوق تكنولوجي
وربما كان التفوق التكنولوجي الأميركي الذي قالت عنه صحيفة لوفيغارو في عنوان مقالها "تكنولوجيا البنتاغون تسحق أوروبا"، وراء الموقف السياسي الأميركي المنفرد وغير المبالي بآراء الأوروبيين، حيث اعتبرت الصحيفة أن حرب أفغانستان أبرزت ثورة تكنولوجية أميركية في المجال العسكري "أدت إلى تعميق الهوة التكنولوجية بين الولايات المتحدة وأوروبا، مما يجعل الحلفاء على حافة طلاق إستراتيجي".

وعرض المقال للأسلحة الأربعة الأكثر أهمية، وعلى رأسها طائرات "غلوبال هاوك" التي تستطيع الطيران على ارتفاع يصل إلى 20 ألف متر، وتتمتع بقدرة على رسم وتحديد الهدف مع هامش خطأ لا يتجاوز مترا واحدا. وطائرات "برداتور" التي تطير بسرعة 1300 كلم في الساعة على ارتفاع 7600، ومزودة بصواريخ موجه بأشعة الليزر. والطائرات الهجومية "سبكتر"، وأخيرا طائرة "ستار" التي تنقل 21 شخصا لمهام تستغرق 11 ساعة بسرعة تبلغ 1000 كلم في الساعة، وتلعب دور برج مراقبة حقيقي في الجو.

انقسام أوروبي
وتحدثت صحيفة ليبراسيون عن الانقسامات الأوروبية بشأن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، قائلة "لا يفصل الخلاف العميق بشأن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بين الأميركيين والأوروبيين فقط، وإنما يبرز الانقسام داخل صفوف الأوروبيين أنفسهم".


لا يفصل الخلاف العميق بشأن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بين الأميركيين والأوروبيين فحسب, وإنما بين الأوروبيين أنفسهم

ليبراسيون

وأشارت الصحيفة إلى أن وزير الخارجية الفرنسي رحب بالزيارتين اللتين قام بهما نظيراه البريطاني جاك سترو والألماني يوشكا فيشر إلى إسرائيل، معتبرا أنهما سيؤكدان بذلك وجهة نظر أوروبية من أجل حل سياسي في مواجهة النظرة الأمنية البحتة للأزمة. ولكن سترو ركز أساسا خلال زيارته على مطالبة الفلسطينيين بوضع حد للإرهاب، واستبعدت لندن أي مبادرة تعارض الولايات المتحدة. ووصفت الصحيفة الأمر بأنه هزيمة دبلوماسية لفرنسا التي كانت تأمل في أن يتبنى مجلس وزراء خارجية الاتحاد المبادرة الأوروبية في اجتماعه المقبل يوم 18 من الشهر الجاري.

كما ركزت الصحيفة على ملاحظات المبعوث الأوروبي ميغيل موراتينوس التي نشرتها صحيفة هآرتس الإسرائيلية، وهي الملاحظات التي دونها إثر محادثات طابا في يناير/كانون الثاني 2001، وهي آخر مفاوضات دارت بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

وتكشف ملاحظات موراتينوس عن أن الطرفين كانا قد اتفقا على أغلب القضايا، وأن إسرائيل وافقت على تفكيك المستوطنات في قطاع غزة، وأن الفلسطينيين عرضوا 3% من الأراضي لدمج أكبر عدد ممكن من المستوطنين في إسرائيل، كما تفيد الملاحظات أن الجانبين اتفقا على مبدأ تبادل الأراضي، ووافقت إسرائيل على تفكيك مستوطنة في وادي الأردن مقابل محطة إنذار. وبالنسبة للقدس توصل الجانبان إلى اتفاق يقضي بأن تصبح المدينة مفتوحة وأن يصبح الجزء الشرقي منها عاصمة للدولة الفلسطينية، وتظل المستوطنات الواقعة في القسم الشرقي منها تحت السيادة الإسرائيلية، ويتم تقاسم القدس القديمة. وبالنسبة لقضية اللاجئين تفيد ملاحظات موراتينوس أن إسرائيل وافقت على العمل على أساس القرار 194 الصادر عن الأمم المتحدة، والذي يقضي بحق العودة أو تقديم التعويضات.

المصدر : الصحافة الفرنسية