بروكسل - لبيب فهمي

تواصل الصحف البلجيكية الصادرة اليوم تغطيتها لموضوع العملة الأوروبية الموحدة التي بدأ التعامل بها مطلع الشهر الحالي, إلا أنها أبرزت العلاقات الأميركية السعودية التي تمر بمرحلة تحول جعلت البعض يتهم السعودية بأنها أصبحت مصدر قلق للغرب بعد أن كانت حليفا إستراتيجيا.

الفرحة الأوروبية


بعد قدوم اليوم التاريخي الذي طالما انتظرناه لاستعمال اليورو, هل تستطيع فكرة الوحدة الأوروبية أن تستقطب الذين طالما انتقدوا مساوئها؟

لوفيف ليكسبرس

يعتبر كثير من الأوروبيين أن العملة الموحدة هي أفضل ما أنجزه البناء الأوروبي ويشكل الانطلاقة الفعلية للوحدة الأوروبية. مجلة لوفيف ليكسبرس التي ترى أن الحدث ليس فقط سياسيا واقتصاديا بل وأيضا رمزيا وتاريخيا، خصصت افتتاحيتها التي جاءت بعنوان "الفرحة الأوروبية العارمة" لموضوع اليورو. وتعبر المجلة عن أملها في تحول كل الأوروبيين إلى مساندين للوحدة الأوروبية بقولها "بعد قدوم هذا اليوم التاريخي الذي طالما انتظرناه لاستعمال اليورو والترحيب الذي لاقاه من طرف معظم سكان الاتحاد الأوروبي، هل تستطيع فكرة الوحدة الأوروبية أن تستقطب الذين طالما انتقدوا مساوئها؟".

وتنتقد المجلة نظرة السياسيين إلى هذه العملة باعتبارها وسيلة نقدية فقط وفشلهم في إعطاء محتوى سياسي لهذا الاتحاد النقدي, معتبرة أن "اعتماد عملة موحدة هو اختيار ديمقراطي". فبعد أن كانت العملة رمزا للقوة والسيطرة في الماضي أصبحت اليوم مع اليورو وسيلة لضمان السلام والاستقرار. وتعطي هذه العملة لأوروبا مكانة خاصة تمتاز بتداخل الثقافات وليس انصهارها في ثقافة واحدة. كما أنها تدفع إلى إتمام الوحدة الأوروبية على كل المستويات. وتكتب المجلة حول ما تعتقد أنه يبرر وجود عملة أوروبية موحدة بقولها "صمود أوروبا أمام هزات الاقتصاد العالمي التي نتجت عن أحداث 11 سبتمبر والأزمة الأرجنتينية هو نتيجة لمتانة النظام النقدي الأوروبي". وتطالب المجلة في ختام افتتاحيتها بضرورة تحويل القرار النقدي الذي يتواجد حاليا في أيدي مسؤولي البنك المركزي إلى مؤسسة سياسية مستقلة.

السعودية مصدر القلق
أصبحت المملكة العربية السعودية ولأول مرة مصدر قلق للغرب بعد أحداث 11 سبتمبر ومشاركة مواطنين سعوديين في الهجمات على نيويورك وواشنطن كما تقول صحيفة لاليبر بلجيك. فقد بدأت معارضة الوجود الأميركي على التراب السعودي تزداد داخل قطاعات واسعة من المجتمع، وهو ما دفع بالمسؤولين السعوديين إلى عدم السماح لواشنطن باستعمال قواعدها العسكرية في المملكة لشن حربها على أفغانستان.


هذه هي المرة الأولى التي تبدو فيه المملكة العربية السعودية للأوروبيين والأميركيين ليس كضحية وإنما كمصدر للمشاكل

أوليفيير دا لاج/
لاليبر بلجيك

وحول مستقبل العلاقات الأميركية السعودية وآثار الأزمة الأفغانية على المملكة حاورت صحيفة لاليبر بلجيك الصحفي الفرنسي أوليفيير دا لاج المختص في شؤون الشرق الأوسط والذي صدر له أخيرا كتابا بعنوان "جيوبوليتيك العربية السعودية" عن الصورة القاتمة للسعودية في هذه الأزمة، فيقول إن "هذه هي المرة الأولى التي تبدو فيه المملكة العربية السعودية للأوروبيين والأميركيين ليس كضحية وإنما كمصدر للمشاكل. لقد كان على المملكة أن تواجه تحديين الأول يتعلق بإقناع الغرب أن لا علاقة لها بتنظيم القاعدة وزعيمها أسامة بن لادن وأيضا إقناع الرأي العام السعودي بضرورة التحالف مع واشنطن رغم رفض جزء كبير من المجتمع له".

أما عن صحة ضغط الإدارة الأميركية على القادة السعوديين لإلجام المؤيدين للحركات الإسلامية فيصرح الكاتب إن "الضغط الأميركي لم يتم بشكل سري بل على العكس لقد أحرج السعوديين، ففي البداية ظل قادة المملكة مشلولين أمام الهجوم الإعلامي الشديد ضد السعودية في الصحف الأميركية ثم حاولوا الرد عبر التأكيد على أن المصالح الأميركية والسعودية لا تتماثل دوما، قبل أن يأخذ الأمير عبد الله بزمام الأمور عبر استدعاء أئمة المساجد لتنبيههم إلى ضرورة عدم تجاوز دورهم الديني.


لا يملك السعوديون حاليا سوى الانحياز إلى الجانب الأميركي ومطالبه خاصة بعد أن انضمت قوى أخرى في المنطقة إلى التحالف المناهض للإرهاب خاصة باكستان والهند

أوليفيير دا لاج/
لاليبر بلجيك

وقبلت المملكة -كما يقول صاحب المقال- بمساعدة مكتب التحقيقات الفدرالي الأميركي لضبط الحسابات البنكية المشكوك فيها. ويبدو حاليا أن المسؤولين السعوديين قد استطاعوا السيطرة على الأمور. ولكن القضية الصعبة التي لم تحل بعد هي طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية حيث إن الوجود العسكري الأميركي يلقى معارضة واسعة داخل البلاد". ويرى مؤلف "جيوبوليتيك العربية السعودية" أن الجانبين سيعملان على تجاوز هذه الأزمة لأنه لا خيار لهما, خاصة أن "العربية السعودية تدرك أن سياستها سجلت فشلا ذريعا. فالسعودية ساندت سياسيا ودينيا وماليا حركة طالبان منذ قيامها حتى وصولها إلى الحكم، وكانت تظن أن مساندة نظام الملا عمر قد يمكنها من السيطرة على تحركات تنظيم بن لادن المعادي لها، وقد تأكدت الآن أنها أخطأت في حساباتها السياسية. ولا يملك السعوديون حاليا سوى الانحياز إلى الجانب الأميركي ومطالبه خاصة بعد أن انضمت قوى أخرى في المنطقة إلى التحالف المناهض للإرهاب خاصة باكستان والهند".

أزمة الأرجنتين
صحيفة لوسوار تطرقت إلى الأزمة الاقتصادية التي تتخبط فيها الأرجنتين وتعيين رئيس هو الخامس خلال أسبوعين. وتشير الصحيفة إلى أن جذور الأزمة يجب البحث عنها في وصفات صندوق النقد الدولي التي يفرضها على دول العالم الثالث مشددة على ضرورة الحذر من تنقل العدوى التي قد تصيب ليس فقط دولا أخرى في أميركا اللاتينية بل وأيضا في مناطق أخرى من العالم. وتذكر الصحيفة أن رفض صندوق النقد الدولي تقديم قرض للأرجنتين لإنقاذ اقتصادها، قد يحدث غدا في أي منطقة في العالم.


بعد أن كان صندوق النقد الدولي ينعت الأرجنتين بالتلميذ المثالي لتطبيقه السياسات الليبرالية، تركه الآن بمفرده تحت ذريعة أنه لم يعد يستوفي شروط حصوله على قرض آخر

لوسوار

كما تتهم لوسوار المؤسسة الدولية بالخيانة "لقد كان للأرجنتين قبل الأزمة الاقتصادية علاقة خاصة بصندوق النقد الدولي الذي منحها قروضا تصل إلى 13 مليار دولار عام 2001. وكانت هذه الدولة تنعت بالتلميذ المثالي لتطبيقه سياسات ليبرالية تتوافق وتوجهات صندوق النقد الدولي والمؤسسات المالية الأخرى، أما اليوم فقد ترك البلد بمفرده تحت ذريعة أنه لم يعد يستوفي شروط حصوله على قرض آخر.

وتتساءل الصحيفة حول مبرر هذا القرار خاصة أن الصندوق قدم تحت الضغط الأميركي قروضا لدول مثل تركيا التي تملك دورا إستراتيجيا كبلد مسلم داخل حلف شمال الأطلسي، وباكستان بعد انضمامها إلى التحالف المناهض للإرهاب، وذلك رغم عدم استيفائها لجميع الشروط، مضيفة قولها "أما الأرجنتين فليس لها موقع إستراتيجي ولا دور رائد في اقتصاد أميركا اللاتينية حتى تتمكن من الضغط على المؤسسة الدولية للحصول على قروض أخرى". واعتبرت أن هذا "يطرح بشدة معيار الكيل بمكيالين الذي يستعمله صندوق النقد الدولي في تعامله مع الدول، وهو ما يدعو إلى ضرورة العمل على تغيير بنيته حتى لا يظل ملحقا للسياسة الأميركية".

المصدر : الصحافة البلجيكية