الدوحة - الجزيرة نت
قدم الكاتب الإسلامي فهمي هويدي في مقاله بصحيفة الشرق الأوسط الصادرة اليوم في لندن رصدا دقيقا لمجريات الأحداث في الجزائر بما يكشف عن خريف ساخن وشتاء ملتهب يصل ذروته مع بداية السنة الجديدة.

ويقول الكاتب في بداية مقاله ثمة "تسخين" حاصل في الجزائر يستحق الرصد والمتابعة "لست أعني أحداث منطقة القبائل التي انفجر غضب أهلها في شهر أبريل (نيسان) الماضي إثر مقتل أحد شبابهم على أيدي رجال الدرك، رغم أن ذلك الغضب يستثمر الآن باتجاه آخر. أما الذي أعنيه هو تلك الشواهد التي برزت في الأسابيع الأخيرة، ويشتمّ منها أن ثمة شيئاً يطبخ تحسباً للمستقبل القريب. وإذا صدقت حاسة الشم عندي، فلربما أطل علينا من هناك خريف ساخن وشتاء أشد سخونة".

الجنرال المتقاعد


ظل خالد نزار أحد المحركين الرئيسيين للأحداث في الجزائر خصوصاً الحرب المعلنة على التوجه الإسلامي بالبلاد خلال السنوات العشر السابقة
ويشرح ذلك بقوله: ثمة ظهور لافت للنظر للجنرال خالد نزار الذي قاد الانقلاب على الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد وأجبره على التنحي في عام 92، وهو الرجل القوي الذي ظل أحد المحركين الرئيسيين للأحداث في الجزائر خصوصاً الحرب المعلنة على التوجه الإسلامي بالبلاد خلال السنوات العشر السابقة على الأقل، فخلال أسبوع واحد خاطب الرأي العام الجزائري مرتين، مرة في مؤتمر صحفي عقده يوم الأربعاء 22/8 ومرة أخرى في حديث تليفزيوني يوم الاثنين 27/8، وكان المحور الأساسي في خطابه هو دعوة العناصر التي أسهمت في انقلاب عام 92 إلى الاحتشاد مرة أخرى للوقوف ضد القوى الإسلامية التي وصفها بالظلامية والرجعية والثيوقراطية، لصالح المشروع العصري الجمهوري الديمقراطي المدني(!) الذي يحتمي المعسكر بلافتته مؤيدين في ذلك بالقوى العلمانية والتيار الفرنكوفوني في الجزائر.

ويوضح هويدي السبب وراء تحرك نزار بقوله: إن ظاهر الأمر أن الجنرال المتقاعد كان يرد على الدعاوى التي تحركت في فرنسا مطالبة بمحاكمته على الجرائم التي ارتكبت خلال فترة وجوده في السلطة، وهي الدعاوى التي اضطرته للهرب من فرنسا في أواخر شهر أبريل (نيسان) الماضي والعودة إلى الجزائر تحت جنح الليل حتى لا يواجه احتمالات الاحتجاز والتحقيق معه في ما نسب إليه.

ويضيف: لكنه في ذات الوقت فإن الجنرال نزار أراد أن يبدو في موقف الهجوم لا الدفاع عن ممارسات القيادات العسكرية والأمنية في الحقبة الماضية، فأعلن اعتزامه رفع قضية ضد الملازم السابق الحبيب سويديه اللاجئ إلى فرنسا وصاحب كتاب "الحرب القذرة" الذي فضح تلك الممارسات، وقال إن كتاب سويديه والمطبوعات الأخرى المماثلة التي خرجت في أوروبا أريد بها "الإساءة إلى الجيش الجزائري وتلطيخ سمعته".

تصريحات أويحيى
ويقدم هويدي شاهدا آخر للتسخين في المسرح الجزائري بقوله: في وقت سابق على ظهور الجنرال نزار -الذي يوصف بأنه بينوشيه الجزائر- صدرت عن الأمين العام لحزب التجمع الديمقراطي ووزير العدل أحمد أويحيى تصريحات حادة بمناسبة الشائعات التي راجت حول احتمال الإفراج عن الشيخ علي بلحاج الرجل الثاني في جبهة الإنقاذ بسبب تدهور حالته الصحية. فنفى بصورة قاطعة ذلك الاحتمال، وقال إنه لا توجد نية لإطلاق الرجل. وتطرق في النفي إلى جبهة الإنقاذ دون أن يذكر اسمها، فقال "نرفض العودة إلى فترة الفوضى، ونرفض عودة حزب محظور.. وبإمكان الذين يحلمون بالعودة إلى فترة كانت بمثابة كابوس أن يبقوا متشبثين بحلمهم".

تحالف مشبوه
ويكشف الكاتب عن التآلف المشبوه بين أويحيى ونزار فيقول: لم يكن عسيراً الربط بين كلام أويحيى الذي يصنف أيضاً (ممثلاً للقبائل ويعد من أركان التيار الفرنكوفوني) وبين كلام الجنرال خالد نزار، إذ حين يغلق الأول الباب أمام أحداث انفراج سياسي نسبي بإطلاق بلحاج، وحين يدعو الثاني إلى استنفار العناصر التي أيدت قرار إلغاء المسار الانتخابي وحل الجبهة الإسلامية للإنقاذ، ويتم ذلك في وقت واحد يتزامن مع التوتر الحاصل في منطقة القبائل وتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في البلاد، فإن الأمر يتعذر افتراض البراءة فيه.

انسداد سياسي


الرئيس بوتفليقة بدأ يتحدث الآن عن "مصالحة وطنية" تذهب إلى أبعد مما ذهب إليه مشروع الوئام
ويضيف الكاتب: ذلك أنه إزاء انسداد الأفق السياسي في الجزائر، وما بدا من أن سياسة الوئام المدني لم تحقق المراد منها، الأمر الذي تجلى في استمرار عمليات القتل وما تستصحبه من ذعر وترويع في أنحاء البلاد، فإن الرئيس بوتفليقة بدأ يتحدث الآن عن "مصالحة وطنية" تذهب إلى أبعد مما ذهب إليه مشروع الوئام، ففي خطابه الذي ألقاه بالعاصمة في اختتام المهرجان العالمي للشباب (30/8) دعا إلى "مصالحة وطنية حقيقية" وحدد مفهومها في أن "تعترف كل فئة بالأخرى... إلى جانب شجب العنف والإرهاب مهما كان نوعه".

قال في خطابه أيضاً "إن من يريد أن يتشبث بقناعاته العلمانية فله ذلك، ولكن شريطة أن يعترف بأن الآخر موجود وحقوقه مضمونة. وبالمقابل يتعين على الإسلاميين أن يعترفوا بأن الدين للعامة وأنه لا إكراه في الدين". وأضاف "إن الوقت قد حان لكي يفتح الجزائريون صفحة جديدة يتم خلالها تحديد ما يليق بالبلاد ومستقبلها". وربط ذلك "بحتمية تغيير عقلية الستينيات والسبعينيات والثمانينيات، واستخلاص الدروس من الأزمة التي عاناها الشعب الجزائري".

صراع العلمانيين والإسلاميين
كانت تلك هي المرة الأولى التي يتحدث فيها الرئيس الجزائري عن طبيعة الصراع الدائر في البلاد وأنه بين الإسلاميين والعلمانيين. غير أن ما أثار الانتباه في خطابه أيضاً أنه أعلن لأول مرة كذلك أن أحداث منطقة القبائل والعنف الذي تخلل إثارة "المسألة الأمازيغية" أريد به ضرب سياسة الوفاق الوطني التي دخلت حيز التطبيق في سنة 99م.

ويصل الكاتب إلى القول: إن هذه التصريحات تسلط الضوء على ما يجري في المطبخ الجزائري. فالرئيس بوتفليقة يتحدث عن مصالحة وطنية مؤيداً في ذلك من حزب جبهة التحرير، ولكن القوى الفرنكوفونية والعلمانية التي قامت بالانقلاب في عام 92 (خالد نزار وصفه بأنه ثورة) ترفض المصالحة وتصر على إقصاء وقمع الاتجاه الإسلامي بكل فصائله. وتلك القوى تستخدم في التعبير عن رفضها ضغوطاً عدة، ولا تتورع عن إثارة القلاقل والاضطراب في البلاد لإثبات عجز الرئيس بوتفليقة وفشل سياساته، وورقة القبائل في هذا جاهزة للقيام بما يلزم.

خريف ساخن


الجزائر مقبلة على خريف ساخن سوف يتحدد فيه مصير المصالحة ومصير الرئيس بوتفليقة، وذلك كله وثيق الصلة بالأحداث المرتقبة في البلاد
ويستنتج الكاتب من وراء ذلك أن هذه القوى المعارضة للمصالحة هي التي تقف الآن وراء الشائعات القوية التي تتردد في الجزائر عن احتمال استقالة الرئيس بوتفليقة وخروجه من المسرح قبل انتهاء فترة ولايته، وترشح أسماء أخرى بديلة مثل مولود حمروش وأحمد غزالي، وهناك من يطرح الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي. وهذه الشائعات لها ما يبررها، لأنه إذا فشل الوئام وتعذرت المصالحة فإن تلك القوى تكون قد قطعت الطريق على بوتفليقة، الأمر الذي لا حل له في النهاية سوى الاستقالة.

لقد قلنا إن الجزائر مقبلة على خريف ساخن سوف يتحدد فيه مصير المصالحة ومصير الرئيس بوتفليقة، وذلك كله وثيق الصلة بالأحداث المرتقبة في البلاد والتي يمكن أن تصل ذروة سخونتها مع بداية السنة المقبلة.

المصدر :