الدوحة - الجزيرة نت
يعتبر غراهام فولر في مقاله بصحيفة الشرق الأوسط الصادرة اليوم أن مواجهة الإرهاب في أفغانستان من القضايا التي يصعب أن نجد لها مثيلا من حيث أبعادها وتعقيداتها الجيوسياسية, فهناك على طول الإقليم وعرضه أجندات مختلفة، تستند كلها إلى المرجعية الإسلامية السياسية، ولكن أيا منها لا تتطابق كليا مع مصالح الولايات المتحدة.

الإسلام محور السياسة


يمثل الإسلام مرجعية أيديولوجية للصراعات الداخلية ضد الحكومات الدكتاتورية العلمانية ولصراعات الأقليات المسلمة من أجل التحرر من السلطات غير الإسلامية القاسية في كثير من الأحيان
ويؤكد فولر على حقيقة محورية هي أن الإسلام هو المحرك الطبيعي للسياسة عبر العالم الإسلامي. ففي العالم الإسلامي يعتبر الإسلام مقياسا للعدالة والإنسانية والحكم الصالح ومحاربة الفساد. ويمثل الإسلام مرجعية أيديولوجية للصراعات الداخلية ضد الحكومات الدكتاتورية العلمانية ولصراعات الأقليات المسلمة من أجل التحرر من السلطات غير الإسلامية القاسية في كثير من الأحيان.

ولذلك شهدت آسيا الوسطى عددا من الحركات الإسلامية، التي تتسم بالراديكالية والعنف في كثير من الأحيان، كاستجابة لظروف تراها هذه الحركات أمثلة صارخة للدكتاتورية وقمع المسلمين والفساد وسوء الحكم.

ويضرب فولر أمثلة على ذلك منها:
* الحكم الستاليني ـ الجديد في أوزبكستان اعتقل وعذب ونفى وقتل معارضين من كل الاتجاهات، مما ولد حركة إسلامية مسلحة تعارض الحكم. وتبدي الحكومة الأوزبكية رغبتها في المشاركة في محاربة «الإرهاب» لأنها تصنف كل أشكال المعارضة كنوع من الإرهاب.

* القمع الصيني لـ 8 ملايين من المسلمين من اليوغور ذوي الأصول التركية، بإقليم زنجيانغ، دفع هؤلاء إلى الحركات القومية والإسلامية، وقد تبنت كل هذه الحركات أساليب العنف, تحاول بكين اليوم استغلال «الحرب ضد الإرهاب» التي تشنها أميركا كتبرير لسحق اليوغور.

* قاتل الشيشان من أجل الاستقلال عن روسيا أكثر من 200 سنة، متخذين من الإسلام شعارا لهم. وترحب روسيا أيضا «بالحرب ضد الإرهاب» طالما أنها تبرر سحق الشيشان.

* يرفع مسلمو كشمير الشعارات الإسلامية في نضالهم ضد الهند.

* في طاجيكستان تتخذ الحرب القبلية هناك طابعا إسلاميا.

* إيران تكره طالبان لموقفهم المتشدد ضد الشيعة.

* توفر المعسكرات الأفغانية فرص التدريب للمقاتلين الكشميريين الذين يمثلون قاعدة النفوذ الباكستانية في كشمير وتستخدمهم هذه الأخيرة كورقة للمساومة مع الهند لإعطاء كشمير مزيدا من الحكم الذاتي.

هذه الجماعات المعارضة، ومعها أخريات من العالم العربي، ظلت تستخدم أفغانستان في معسكرات تدريبها، ولمدة 20 عاما بالنسبة لبعضها.

ويقول الكاتب لم تكن أفغانستان هي التي كونت هذه التنظيمات، بل كانت الظروف الإقليمية هي التي كونتها وجعلتها تسعى لاتخاذ أفغانستان مقرا لنشاطاتها. ولا شك أن أغلب النظم الإقليمية ـ ومنها الهند وإيران وروسيا والصين وأوزبكستان ـ سترحب بنهاية النظام الأفغاني الذي يوفر مأوى وحماية لحركات تعارضها، ولكن بعض هذه النظم لا يمكن أن تقبلها أميركا صديقة لها.

رفض الهيمنة الأميركية


يرى كثير من المسلمين في الحركات الإسلامية أدوات وقنوات طبيعية للنضال السلمي, ضد نظم متسلطة ترفض السير في اتجاه الديمقراطية
وعلى الرغم من أن تلك الدول تواجه معارضة إسلامية إلا إنه ثمة حدود لتسامح هذه الدول وقبولها للأهداف الأميركية كما يقول الكاتب, ومع أن أيا منها لن تذرف دمعة واحدة على طالبان، إلا إن أغلبها لن يقبل أي هيمنة أميركية في آسيا الوسطى، بل ويرفض التصرفات الأميركية من جانب واحد، وهي تخشى السماح للولايات المتحدة بخوض المعارك على أبوابها حتى لا يؤدي ذلك إلى إغرائها بمزيد من التدخل، في كل أنحاء العالم.

ويقول الكاتب أغلب النظم الأتوقراطية في الشرق الأوسط تواجه حركات معارضة، غالبا ما تكون تيارات إسلامية محلية، أغلبيتها غير عنيفة، ولكن بعضها يتسم بالعنف مثلما هو الحال بالجزائر ومصر. ويرى كثير من المسلمين في هذه الحركات الإسلامية أدوات وقنوات طبيعية للنضال، السلمي غالبا، ضد نظم متسلطة ترفض السير في اتجاه الديمقراطية.

حرب بالوكالة
ويحذر فولر من أن تتحول «الحرب ضد الإرهاب» التي تشنها أميركا، إلى حرب بالوكالة عن النظم القائمة، وضد الحركات الإسلامية المسالمة لأن ذلك سيثير كثيرا من الشكوك حول الأجندة الأميركية, وهذا خيار صعب لأن هذه الحركات الإسلامية تزداد راديكالية مع الزمن. وتعتبر الحلول العادلة لمشكلتي فلسطين وكشمير شروطا لازمة للموافقة الإقليمية الصادقة على الأهداف الأميركية وراء الحرب.

ويقول فولر إن موقف أفغانستان الأكثر حرجا من بين جميع الدول، فإسلام آباد تحتاج إلى عمق إستراتيجي باتجاه الغرب وهي تواجه خصما قويا إلى الشرق متمثلا في الهند.


مع استعداد الولايات المتحدة للتورط في السياسات الداخلية للعديد من البلدان، فإن الأرجح أنها ستفقد كثيرا من الأصدقاء على المستوى الشعبي
وهي قد ساعدت طالبان في الاستيلاء على الحكم لإعادة النظام من قبل هذه القوة الصديقة، ولم تكن تتصور أن أفغانستان نفسها ستتحول إلى بؤرة للنزاع.

ومع أن باكستان لا تحمل ودا كثيرا لأسامة بن لادن، إلا إن طالبان حليف مفيد. وإذا أجبرت طالبان على تسليم أسامة بن لادن فإنها تخشى من ردود أفعال الجماهير المسلمة التي ترى في بن لادن بطلا، لم يواجه الاتحاد السوفياتي وحده ويهزمه، بل يواجه كذلك «الإمبريالية الأميركية».

ويخلص فولر إلى القول من الصعب جدا، في أماكن عدة من الشرق الأوسط وآسيا الوسطى أن ترسم خطا فاصلا بين السياسة والعنف، وخاصة وسط المسلمين. ومع استعداد الولايات المتحدة للتورط في السياسات الداخلية للعديد من هذه البلدان، فإن الأرجح أنها ستفقد كثيرا من الأصدقاء على المستوى الشعبي.

المصدر :