باريس - وليد عباس
تنوعت العناوين الرئيسية للصحف الفرنسية الصادرة اليوم، وهيمنت عليها موضوعات بعيدة عن السياسة الداخلية أو الخارجية بدءا بالموضوعات الاقتصادية الخاصة بتراجع البورصة أو الخسائر الهائلة الناجمة عن عمليات الاندماج الضخمة للشركات على المستوى العالمي، ومرورا بعزوف الفرنسيين عن استخدام الشبكة الدولية الإنترنت، وحتى الموضوعات الثقافية الخاصة بمهرجانات الموسيقى في الريف الفرنسي خلال هذا الصيف.

ولكن جميع الصحف الصادرة اليوم ركزت في صفحاتها الدولية على تطور الأوضاع في الأراضي الفلسطينية، غداة بدء المحادثات حول الشرق الأوسط في مجلس الأمن الدولي، وبينما يصل وزير الخارجية الألماني يوشكا فيشر للقيام بجولة تهدف للتوصل إلى وقف لإطلاق النار بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني.

هل ينجح فبشر حيث فشل باول؟
في افتتاحيتها علقت صحيفة الفيغارو على شخصية ودور وزير الخارجية الألماني وقالت تحت عنوان "ألماني في الشرق الأوسط"، "اقتضت الصدفة والضرورة أن تتبع الخبرة الشخصية لفيشر تطور بلاده، حيث تخلصت ألمانيا في عهد غيرهارد شرودر من عقد الماضي، وهي عاقدة العزم على احتلال موقعها على الساحة الدولية".. "يقود فيشر دبلوماسية ظلت على مدى فترة طويلة
لأسباب تاريخية واضحة أبعد ما يمكن عن الصراع العربي الإسرائيلي".

وأضافت "يدرك الإسرائيليون جيدا أن ألمانيا تواجه صعوبات في التغلب على شعورها التاريخي بالذنب، وينظرون إلى ألمانيا المعاصرة بوصفها بلدا صديقا أو الحلقة الضعيفة في قارة أوروبية تنظر إليها إسرائيل بحذر، في حين لم تعد فرنسا تتمتع بالدور المفترض أن تلعبه في الشرق الأوسط، ولكن رسالة الوزير الألماني لن تختلف عن رسالة فرنسا أو الولايات المتحدة في المنطقة، ذلك أن الهدف اليوم لم يعد إحلال السلام وإنما إيقاف الحرب".

وقالت صحيفة ليبراسيون في عنوان مقالها "فيشر وسيط في الشرق الأوسط" مشيرة إلى أن الوزير الألماني يصل في اللحظة الملائمة لدعم نظيره الإسرائيلي شمعون بيريز الذي يريد عقد لقاء سريع وبعيد عن الأضواء مع ياسر عرفات لبحث تطبيق وقف تدريجي لإطلاق النار.

ولكن الصحيفة أشارت أيضا إلى أن "إشارتين سلبيتين جاءتا لإصابة هذا الأمل الضعيف، عندما قامت الجرافات الإسرائيلية تحت حماية الشرطة بهدم مدرسة ابتدائية ومبنى سكني كانا قيد البناء في القسم العربي من القدس، بحجة أن عملية البناء غير قانونية، كما امتنع المراقبون الأوروبيون في الخليل عن القيام بالدوريات في المدينة القديمة التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي، احتجاجا على تعرضهم لهجمات متكررة من قبل اليهود المتطرفين المقيمين وسط الخليل".

العطش الفلسطيني


إسرائيل تفرض على الفلسطينيين نظاما عسكريا وكولونيليا في الخليل ومسألة المياه نموذج إذ يتمتع المستوطنون بكميات المياه اللازمة لري حدائقهم وملء حمامات السباحة في منازلهم بينما يشح الماء لدى الفلسطينيين الذين يضطرون لشرائه

لومانيتيي

وتواجه مهمة يوشكا فيشر أجواء بالغة التوتر، ذلك أنه وكما قالت صحيفة لومانيتيي في عنوان مقالها "دخل الحقد إلى جميع النفوس" حيث وصف الموفد الخاص للصحيفة الوضع في مدينة الخليل حيث "ينتشر حوالي ألف جندي إسرائيلي لحماية 400 مستوطن يهودي يعيشون وسط مئات الآلاف من الفلسطينيين، ويفرضون عليهم نظاما عسكريا وكولونيليا"، وأشار موفد الصحيفة إلى أن المستوطنين يتمتعون بجميع الحقوق على حساب الفلسطينيين ضاربا المثال بقضية توزيع المياه في الخليل، إذ "يتمتع المستوطنون بكميات المياه اللازمة لري حدائقهم، وملء حمامات السباحة في منازلهم، بينما ينعكس الوضع في الجانب الفلسطيني، حيث يشح الماء ويضطر الفلسطينيون لشرائه إذا كانوا يتمتعون بالإمكانيات المادية وليس هذا هو حال الأغلبية".

كما أشارت الصحيفة إلى أن سياسة إسرائيل لاغتيال أعضاء المنظمات الإسلامية ستمتد على ما يبدو لتطال أقارب هؤلاء الناشطين وأفراد عائلاتهم، ونقلت الصحيفة عن جدعون عزرا نائب وزير الأمن الداخلي تأكيده على ضرورة "أن يدفع الأقارب المباشرون لمن يقومون بالعمليات الانتحارية ثمن هذه الجرائم.. نعم يجب تصفية الآباء إذا كان ذلك سيمنع الأبناء من القيام بعمليات انتحارية"، وعلقت الصحيفة قائلة "باسم هذا المنطق الأمني المتعجرف لم يأسف أي صوت رسمي لقتل سمير أبو العز عضو حركة فتح البالغ من العمر 32 عاما وطفليه، وهما بنت في السادسة وصبي في الخامسة".

التسويق لسياسة الفصل من طرف واحد
تساءلت صحيفة ليبراسيون في عنوان مقال لها "هل يشكل حائط الفصل حلا إسرائيليا سحريا؟" مشيرة إلى "أن الإسرائيليين فقدوا الأمل في التوصل إلى السلام عبر الطريق الدبلوماسي، وبلغ رعبهم المتزايد من الاعتداءات ورغبتهم الأصيلة في التخلص من المشكلة الفلسطينية حدا يدفعهم للتمسك اليوم بفكرة قديمة يمكن أن تشكل الحل لجميع المشاكل وهي فكرة الفصل من جانب واحد".

ولاحظت الصحيفة أن الشخصيات الإسرائيلية المختلفة تطرح يوميا هذه الفكرة، حيث لا يريد الإسرائيليون احتلال الأراضي الفلسطينية ولا يريدون سلاما يفرض وجودا دوليا كبيرا، ولم يبق بالتالي إلا قطع الجسور مع الفلسطينيين، والاستفادة من الفرصة لإخلاء القسم الأكبر من المستوطنات، وتجميع الجزء المتبقي في كتلة توضع تحت الحراسة المشددة.


وضع الفلسطينيين والإسرائيليين يشبه وضع زوجين ينتظران إتمام الإجراءات الرسمية للطلاق فهما حبيسان في صيرورة رهيبة يعجز أي منهما عن إنهائها والحل الوحيد وإن كان مؤلما هو الفصل بينهما وتجميع كل منهما في دولة مستقلة ومتميزة عن الأخرى

دافيد جروسمان- ليبراسيون
ونشرت الصحيفة مقالا للروائي الإسرائيلي دافيد جروسمان، في هذا الاتجاه، حيث اعتبر جروسمان أن وضع الفلسطينيين والإسرائيليين يشبه وضع الزوجين اللذين ينتظران إتمام الإجراءات الرسمية للطلاق، وأنهما حبيسان في صيرورة رهيبة يعجز أي منهما عن إنهائها. ويرى الروائي الإسرائيلي أن الحل الوحيد، وإن كان حلا مؤلما، هو الفصل بين الشعبين وتجميع كل منهما في دولة مستقلة ومتميزة عن الأخرى، إسرائيل وفلسطين "حيث يبدو اليوم أن إسرائيل والفلسطينيين عاجزون عن تحقيق أي شيء، بما في ذلك الإجراءات التي تحقق مصلحة الطرفين".

ولكن الصحيفة أشارت في مقالها إلى أن الوزير العمالي يوسي بيلين يرفض هذه الفكرة بشدة، ويرى أنها لا تسمح بمنع تسلح الدولة الفلسطينية المقبلة أو التحكم في تحالفاتها العسكرية أو حل مشكلة اللاجئين، وقالت الصحيفة "كما يعارض الجيش هذه الفكرة حيث يخشى أن تتم عملية إقامة هذه الحدود المكلفة على حساب ميزانيته"، ولاحظت الصحيفة أن الأمر يأخذ أبعادا أكثر أهمية بالنسبة للإسرائيليين ويتعلق ببقاء اليهود، حيث تشير الدراسات إلى نسبة اليهود لن تتجاوز 40٪ عام 2020 في المنطقة الواقعة بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط، مقابل 58٪ من العرب، مما يعني على المدى الطويل اختفاء الكيان الصهيوني، إذا لم يتم الفصل بين الشعبين.

ونشرت صحيفة لوموند تحقيقا صحفيا حول المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية وقطاع غزة، ولاحظ مراسل الصحيفة أن الانتفاضة الفلسطينية التي بدأت في نهاية سبتمبر/ أيلول 2000 أدت لتباطؤ وصول مستوطنين جدد، ولكن عمليات مغادرة هذه المستوطنات ليست كثيرة، وتعداد سكان المستوطنات اليهودية يتزايد بفضل نمو ديموغرافي طفيف.

عسكرة النظام اللبناني


الاعتقالات في صفوف المعادين لسوريا التي قام بها جهاز المخابرات اللبناني تشكل خطوة جديدة في اتجاه عسكرة النظام وهو الأمر الذي بدأ مع وصول إميل لحود إلى السلطة في نهاية عام 1998 ”
ليبراسيون
وأشارت صحيفة ليبراسيون في عنوان مقالها إلى "إطلاق سراح 75 مسيحيا من المعادين لسوريا في لبنان"، وأفادت الصحيفة إلى أن جهاز المخابرات هو الذي قام بحملة الاعتقالات، بالرغم من رغبة رئيس الحكومة رفيق الحريري الذي كان في رحلة رسمية في الخارج، واعتبرت الصحيفة أن الأمر يشكل خطوة جديدة في اتجاه عسكرة النظام، وهو الأمر الذي بدأ مع وصول إميل لحود إلى السلطة في نهاية عام 1998، ونقلت صحيفة ليبراسيون عن أحد الوزراء إدانته "للانقلاب ضد المؤسسات الشرعية"، مضيفة "لقد سمح ذلك للرئيس بامتهان عدوه اللدود السني رفيق الحريري غير المحبوب في دمشق".

أما صحيفة الفيغارو فقد تحدثت عن قيام سوريا بإعادة نشر قواتها حول بيروت، ورأت أن الوضع في لبنان يتدهور يوما بعد يوم، وفق سيناريو كان من الصعب أن نتخيله قبل بضعة أسابيع، عندما قامت سوريا بإعادة نشر جزئي لقواتها في منتصف يونيو / حزيران الماضي، في محاولة لتهدئة الاحتجاجات المتصاعدة ضد الوجود السوري في لبنان، وأضافت الصحيفة "انعكست الآية بالأمس، مع عبور 15 دبابة سورية للحدود اللبنانية متوجهة إلى سهل البقاع حيث يوجد القسم الأكبر من العشرين ألف جندي سوري الموجودين في لبنان بموافقة السلطات الرسمية".

المصدر : الصحافة الفرنسية