الدوحة - الجزيرة نت

استخدم مصطلح "العقوبات الذكية" في المسألة العراقية للمرة الأولى قبل عامين من قبل كوفي عنان الأمين العام للأمم المتحدة، عندما دعا إلى التمييز بين الحاكم والمحكوم في فرض العقوبات, ويبدو أن كولن باول قد تلقف تلك الأفكار المطروحة والتي راقت أيضا لكل من بريطانيا وفرنسا.. فلماذا العقوبات الذكية وكيف وإلى أين ؟.. هذه الأسئلة يجيب عليها وفيق السامرائي في مقاله بصحيفة الشرق الأوسط الصادرة اليوم.

الإطار العام
ويشرح الكاتب في مقاله بعنوان "العقوبات الذكية.. ماذا وكيف وإلى أين؟" مرتكزات العقوبات الذكية على النحو التالي:
* حرمان النظام العراقي من السيطرة على أموال الصادرات العراقية، ووضعها كلها تحت سيطرة الأمم المتحدة.

* إطلاق حركة مواد التجارة المدنية من دون قيود.

* منع العراق من استيراد المعدات العسكرية وما يترتب على ذلك من منع إعادة تسليح القوات العراقية بمعدات متطورة، وترك خيارات لملمة الأوضاع العسكرية عن طريق الصناعة المحلية، وهي محدودة ومتخلفة.

* التشديد على حرمان العراق من إنتاج أسلحة الدمار الشامل.

* حرمان الحاكمين في العراق من التصرف بالثروات العراقية لأغراض تقوية وجودهم بطريقة غير مقيدة.

* لوضع القرار موضع التنفيذ لا بد من وضع كل حركة من حركة المواد المختلفة تحت مجهر الأمم المتحدة، وبغداد لا بد أن تفترض أن كل مراقبي الأمم المتحدة سيكونون من عناصر مخابرات دول تناصب نظام صدام العداء.

* أن الحركة المدنية إلى مطار بغداد ستتم وفق أسس المراقبة من مطارات بعينها، وإذا جرى التنازل عن تحديد المطارات فإن الرقابة الأممية ستكون موجودة في بغداد لتفتيش الحاويات الواردة والتأكد من خلوها من المحظورات.


النظام المعدل للعقوبات سيقر نصا أو ضمنا استمرار منطقتي الحظر الجوي شمال العراق وجنوبه، فتكتسب المنطقتان مشروعية لا غموض فيها، أو أن يجري السكوت عنهما من قبل الدول الكبرى
* لا يتاح للحاكم في العراق التصرف بالأموال الضخمة للنفط، فتبقى تطلعاته وتخصيصاته للرشاوى الخارجية والداخلية وإجراءات الأمن الخاص محددة بكيس غير منظور من المال، وإذا هب إعصار على كوبا لا يستطيع أن يدفع لها، وإذا جاء زائر من أفريقيا لا يساعده الموقف على إعطائه عشرين مليون دولار كما كان يفعل في الثمانينيات والسبعينيات فيبقى متقوقعا داخل العراق وهو ما لا يريده.

* النظام المعدل للعقوبات سيقر نصا أو ضمنا، استمرار منطقتي الحظر الجوي شمال العراق وجنوبه، فتكتسب المنطقتان مشروعية لا غموض فيها، أو أن يجري السكوت عنهما من قبل الدول الكبرى المخالفة، فتصبح العملية عرفا سائدا.

* وستجدد العقوبات استمرار حصة الكرد من المبيعات النفطية، تأكيدا وتشجيعا على بقاء المنطقة الكردية خارج سيطرة النظام وقوانينه، والنظام هنا لا يفهم الحال على أنه يخسر أحلى بقاع العراق، بل إنه ينظر إلى الأمر من زاوية تحويل المنطقة إلى قاعدة للتآمر، أو كما يحلو له أن يسميها "قاعدة للتجسس"، وكأن العراق لا يزال ممكنا إغلاقه.

العقوبات الذكية لماذا؟
ويمضي الكاتب فيقول: من الصعب أن نصدق أن العقوبات الذكية ولدت من رحم تآكل العقوبات، وأن وصفا كهذا يعطي تصورا غير عادي عن مهارة النظام في العراق في مجال السياسة الدولية. وحتى في الظرف الحالي للعقوبات فإن مستوى التهريب لا يزيد عن ملياري دولار مقابل 14 مليارا مخلصة من التعويضات والحسومات الأخرى، فهل كان الغرب خائفا من ملياري دولار؟

يجيب الكاتب: لا، لكنه يريد ضمان ما يأتي:
* التخلص من الضغوط الإنسانية والسياسية والإعلامية، فالدعاية التي تبثها أجهزة النظام تحت ظلال المال من دماء الفقراء وقوتهم قد غلبت الدعاية أو الإعلام الغربي.

* إعادة المفتشين الدوليين إلى العراق لممارسة عملياتهم بحرية، والمفتشون مهمون جدا للغرب وفق كل الحسابات ولشتى الأغراض المتصلة بمراقبة الوضع العراقي عن قرب.

* استبدال حالة خاضعة لمناقشات ومداولات متكررة في مجلس الأمن وتسبب وجع رأس دائم، إلى حالة دائمة من دون مناقشات ويبقى الغرض كما هو "تقييد حرية النظام وإبقاء سيادته مهمشة".

* ضمان الاستقرار في منطقة الخليج طبقا للمصالح الغربية المتمثلة في تدفق النفط بأسعار مناسبة، وحماية المصالح التجارية وعدم خسارة سوق المنطقة، وهذا يتطلب ضمانات قوية بمنع تكرار الثاني من أغسطس/ آب 1990.

* جعل الأمور مرهونة بالتغيير السياسي في العراق، حيث قدر العراق أن يكون مع الخليج لا أن يكون فيه نظام تهديدي.

* الإصرار على معاقبة الحاكم الذي دخل حربا مع الغرب، طالما بقي هو نفسه، إذ إن الغربيين لا يختلفون كثيرا عن الشرق أوسطيين في نسيانهم للأحداث.


تجرع الهزيمة عار، والخضوع لأي قرار لا يرفع العقوبات عن العراق رفعا شاملا هو امتداد للهزيمة حسب الثقافة الرسمية في العراق، فهل يبقى النظام متمسكا بمقولاته ومتمسكا بمواقفه أم يتقهقر ويجد فتوى لتقهقره؟
ويشرح الكاتب كيف أن للعقوبات الذكية وجهان فيقول: إن تعديل العقوبات وفقا لما سميت به "العقوبات الذكية" يحتوي على جوانب أساسية مفيدة وحاسمة للشعب العراقي لجهة تأمين الغذاء والدواء ومتطلبات الحياة الأساسية من دون أي تعقيدات، ويقيد حركة النظام ويمنع تبديد الأموال من قبل الطبقة الحاكمة ولحساب توجهاتها الخاصة. لكنه يبقي قيودا على التقدم العلمي والصناعي بغياب المفتشين، ابتلي العراق بها بسبب السياسات المتهورة التي لم تتح الفرصة ليقاضي الشعب حاكميه عليها، وهي من استحقاقات صك الاستسلام في خيمة صفوان.

ويمضي قائلا: ومع هذا وذاك، فإن تجرع الهزيمة عار، والخضوع لأي قرار لا يرفع العقوبات عن العراق رفعا شاملا هو امتداد للهزيمة حسب الثقافة الرسمية في العراق، فهل يبقى النظام متمسكا بمقولاته ومتمسكا بمواقفه أم يتقهقر ويجد فتوى لتقهقره؟

ويجيب الكاتب: أراهن رهانا "معنويا" لا يجعلني بحاجة لفتوى، أنهم "وفي نهاية المطاف" سيتراجعون إذا ما صدر القرار، والأفضل لهم أن يطلقوا النفط منذ الآن ويدعوا الناس تعيش، وسيفرض التطور نفسه، والزمن حلال المشاكل، وكفى عنتريات، فزمن عنترة أصبح تراثا غابرا، والعقل ميزان الحل.

المصدر :